كتاب النكاح (الشرح الثالث) - 15
عدد الزيارات 1404

عناصر المادة :
باب عشرة النساء

.. ومع ذلك يقتدون بهم بالآداب، ويرون هذا هو التقدم، ولكن هذا من إملاء الشيطان لا شك، ما دام الشيطان يأكل بشماله فإنه يحب من بني آدم أن يتابعوه على هذا.
فالصواب أن الأكل بالشمال حرام إلا لعذر، وأكل رجل بشماله عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فنهاه، وقال: «كُلْ بِيَمِينِكَ»، قال: لا أستطيع، يعني: لا يستطيع نفسيًّا؛ لأنه ما منعه إلا الكِبْر -والعياذ بالله-، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا اسْتَطَعْتَ»، فما رفع الرجل يمينه إلى فمه أبدًا ؛ لأن الله أجاب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه بحق، وهذا نوع من التعزير غريب؛ أن يُعَزَّر الإنسانُ بأن يُدْعَى عليه بما يشبه معصيته؛ لأن التعزير التأديب بأي نوع كان.
إذن القول الراجح أيش؟ أنه يَحْرُم الأكل بالشمال والشرب بالشمال، ويجب أن يأكل باليمين ويشرب باليمين.
فإن قال قائل: إذا كان الإنسان يأكل طعامًا وأراد أن يشرب، إذا أخذ باليمين تلوَّث الإناء بالطعام، وهذا ربما يُكَرِّه غيرَه أن يشرب به، أو يوجِب أن النساء يغسلن هذا الإناء، فهل هذا يبيح للإنسان أن يشرب بالشمال؟
الجواب: لا؛ لأن الْمُحَرَّم لا يباح إلا للضرورة، وهذا ليس بضرورة، يستطيع الإنسان أن يمسك هذا الإناء من أسفل، يمسكه من أسفل، إن كان كبيرًا يضعه على الراحة ويشرب، وإن كان كأسًا فهو سهل؛ لأن الكأس يمكن السبابة والإبهام تحيط به، فيمسكه من أسفل ويشرب، على أننا في الوقت الحاضر يَسَّر الله الأمر وزالت هذه العلة نهائيًّا، بأيش؟
طلبة: بالبلاستيك.
الشيخ: نعم، بكوز البلاستيك، ما تحتاج، هذا الكأس ما يشرب به غيرك، خلّيه يتلوث لأنه بيُرْمَى به في الزبالة، لكن هذا كله من وحي الشيطان يتحجَّج به بعض الناس.
طالب: (بثلاث أصابع).
الشيخ: نعم، (بثلاث أصابع)، يعني: ينبغي أن يأكل الطعام بثلاث أصابع: الإبهام والوسطى والسبابة، هذا إذا أمكن، لكن إذا كان لا يمكن، الأرز يمكن بثلاث أصابع؟ صعب، إلا عند الصينيين، الصينيون يأكلون بعيدان. (...)
إذن الأكل بثلاث أصابع حيث أمكن، وإذا لم يمكن فبما يمكن، وجاءت السُّنَّة بذلك؛ لأن الأكل بالأصابع كلها يدل على الشَّرَه والجشع، لا سيما إذا كان معه أحد.
العجب أن بعض الناس استنبط من هذا النص أنه ينبغي أن يأكل اللحم بالشوكة، وغير اللحم بالملعقة، ليش؟ قال: لأنه يمسك الشوكة بثلاث أصابع، والملعقة بثلاث أصابع، سبحان الله! يعني إحنا ما يضرنا في الوقت الحاضر إلا الأفهام الخاطئة.
هل يقال: هذا أكل بالأصابع ولّا بالشوكة؟ بالشوكة وبالملعقة، والعلماء رحمهم الله مع قولهم: إنه يأكل بثلاث أصابع، قالوا: لا بأس بالأكل بالملعقة، شوف: لا بأس، قال شارح الإقناع: وقد يؤخَذ من قول الإمام أحمد رحمه الله: أَكْرَه كُلَّ مُحْدَث، أنه يُكْرَه الأكل بالملعقة؛ لأنها مُحْدَثة.
ونحن لا نرى كراهة الأكل بالملعقة، لكن لا نرى أن الأكل بها يعني الأكل بثلاث أصابع.
فالصواب أن الأكل بالملعقة لا بأس به لا سيما مع دعاء الحاجة، فقد حدثني بعض الناس عن شخص له وزنه أنه كان مع جماعة كانوا يأكلون بالملعقة وهو يأكل بيده، قالوا له: يا فلان، ليش ما تأكل بالملعقة؟ قال: أنا آكل بملعقة لا يأكل بها إلا أنا، أنتم تأكلون بملعقة أيش؟ كل الناس يأكلون بها، أيضًا آكل بملعقة أنا باشرت تنظيفها، وأنتم تأكلون بملاعق ما باشرتم تنظيفها، ربما يكون الذي نظَّفها نظَّفها جيدًا، وربما يكون لم ينظِّفها.
وهذا جواب جيد، لكن لكل امرئ من دَهْرِه ما تَعَوَّد، نحن لا نستطيع أن ننكر الأكل بالملعقة، لكننا لا نقول: إنه هو السُّنَّة لأنه أكل بثلاث أصابع.
طالب: وليمة العرس من السنة تكون ثلاثة أيام كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في زواجه لصفية؟
الشيخ: لا، الوليمة غير مسألة الدَّفّ.
الطالب: يا شيخ، قياس الأخذ والعطاء بالشمال هل يقاس على الأكل والشرب؟
الشيخ: لا، هو فيه نص ما يحتاج قياسًا.
الطالب: نعم، وهو؟
الشيخ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَلَا يَأْخُذْ بِشِمَالِهِ وَلَا يُعْطِ بِشِمَالِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْخُذُ بِشِمَالِهِ وَيُعْطِي بِشِمَالِهِ» .
طالب: مَن يأكل بيده كلها مثل المغرفة؟
الشيخ: بيده كلها؟!
الطالب: لا، يعني بـ ..
الشيخ: يعني حتى بالذراع؟
الطالب: لا، بكفه كلها، يعني مثل المغرفة لما يعجِّن الأرز هكذا ثم يأكله؟
الشيخ: لا بأس به، الأرز يحتاج كما قلت إلى عجن، فلا بد من الأصابع كلها.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، مَن يأخذ بالشمال ثم يضع اليمين، يأخذ الكأس مثلًا بشماله ويضع على ظهر اليمين، ما الكافي في هذا –مثلًا- ..؟
الشيخ: الاعتماد على أيهما؟
الطالب: أحيانًا يكون مجرد لمس.
الشيخ: ينظر الاعتماد، إذا كان على الشمال فهو قد شرب بشماله.
الطالب: إذا كان الأكثر على اليمين؟
الشيخ: أما إذا كان الاعتماد على اليمين، وهذه مسانِدة لا يزيغ الإناء يمينًا وشمالًا فأرجو ألَّا يكون فيه بأس، لكن هذه مشكلة أن تأتي أنت؟
الطالب: والله يا شيخ (...).
الشيخ: تسأل عن (...).
طالب: في بعض البلدان ..
الشيخ: ما لأحد يقول ..
طالب: الآن ناس تجيء يا شيخ (...) بالشمال يعاندون لك، كتير، ما هو بواحد بس.
الشيخ: الله المستعان، أليس المشركون قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: ٥]؟ ما تستنكر، الناس -والعياذ بالله- عندهم.. بعضهم تأخذه العزة بالإثم، فيعاند في شيء واضح، ولكن في ظني أن الكلمة إذا كانت لله فإن لم تُؤَثِّر في الوقت الحاضر أثَّرَت في المستقبل.
طالب: عفا الله عنكم يا شيخ، ضحكتم عَلَيَّ البارحة يا شيخ وأنا (...) في القضية!!
الشيخ: كيف؟
الطالب: الآن كلمة الأيدي (...).
الشيخ: إي.
الطالب: الناقة اللي بيجيئها عشرون حوارًا، وتعرف ولدها من العشرين عاقل ولّا لا؟ ولكن بالحقيقة أن حكمة الله سبحانه وتعالى جعل لكل شيء مخلوق حكمة على قدر حاله.
الشيخ: صحيح.
الطالب: التكليف ما كلَّف البهائم، كلَّف الناس، والعقل.. الناقة اللي هي عرفت ولدها من عشرين حوارًا هي عاقل ولّا غير عاقل يا شيخ؟
الشيخ: تحدٍّ هذا؟!
الطالب: كأنه يا شيخ (...).
الشيخ: سبحان الله!
الطالب: نعم يا شيخ، والحاضرين ..
الشيخ: من مكة إلى (...)؟
الطالب: من مكة إلى (...) لكن أكثر حدودنا إحنا النقرة وعائدة، هذه هي أكثر حدودنا.
الشيخ: أبعد عن النقرة.
الطالب: إي، ولكن أقول –مثلًا- (...)، فهذه يا شيخ هل هي عاقلة ولّا غير عاقلة؟
الشيخ: أجل هي عاقلة، تجب عليها الصلوات الخمس!
الطالب: لا يا شيخ، التكليف يا شيخ ما كُلِّفَت به؟
الشيخ: على كل حال، اسمع قول موسى عليه الصلاة والسلام لما قال له فرعون: قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه: ٤٩، ٥٠]، لا شك أنها عاقلة عقلًا بحسبها، لكن ما هي بالعقل الذي يريد العلماء، وإلا هي لا شك أنها عاقلة عقلًا بحسبها، أفهمتَ؟
الطالب: نعم يا شيخ.
الشيخ: ولهذا تَرِدُ الماء من بعيد وتهتدي إليه ولو كانت ما عمرها أتته، لا شك.
الطالب: يضيعون الناس يا شيخ، الناس راحوا في دِيرَة ما يعرفونها، هم ضاعوا، الرجال يضيعون وهي ماضية.
الشيخ: سبحان الله! نعم صحيح، ما قاله الأخ صحيح، هي لا تضيع عن الماء، وفي زمن مضى ذهب أناس إلى الجبيل لكن فيه مفازات مهلكة، ولعلهم تاهوا الطريق في أيام الصيف، وانقطع عنهم الماء وخافوا على أنفسهم الهلاك، أحدهم أعطاه الله تعالى ذكاءً وقد بقي له من الدنيا أجَل، فركب ناقته وربَّطَ نفسه على الناقة، الآخرون ما ربَّطوا أنفسهم على الناقة، وهو قال: الناقة لا بد أن تَرِدَ إلى الماء ولو بعد يومين، وأنا بأربط نفسي، والله يفعل ما يريد.
المهم الجماعة الذين ما رَبَّطُوا أنفسهم صاروا يتساقطون أمواتًا من الإبل، ثلاثة عشر نفرًا كلهم ماتوا، هذا مربِّط نفسه، حتى لو مثلًا أُغْمِي عليه من شدة الإعياء فهو باقٍ، فإذا بالبعير تَرِدُ على الماء هي وأخواتها الإبل، ولما وَرَدَت عنده بادية أناخوا البعير ووجدوا هذا الرجَّال بين الحياة والموت، قالوا: ويش شأنك؟ قال: الله قدير، كذا وكذا، وأصحابي كلهم سقطوا من إبلهم، اذهبوا اطلبوهم، دوّرُوهم، فأنجاه الله.
الشاهد على أن الإبل تعرف الموارد، وحينئذ نقول: إنها عاقلة بحسبها.
الطالب: وهذا ما أردتُه يا شيخ.
الشيخ: دفعًا للتحدي وإرضاء للأخ.
الطالب: جزاك الله خيرًا، لا ما هو تحدٍّ يا شيخ، يعني قولي ما هو تحدٍّ.
الشيخ: لا لا، أنا ما هو بتَحَدٍّ، لكن بيان للواقع.
الطالب: إي، لكن الإنسان ما يرضى على نفسه يعني ..
الشيخ: لا لا ما يرضى، وأنت صاحب إبل، ولا ترضى أن الإبل (...) فيها شيء!! نعم، مثلما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة الحديبية لما أن ناقته بركت ويريد أن يوجهها لمكة وتأبى، فقالوا: خلأت القصواء، يعني: حَرَنَتْ، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَاللهِ مَا خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ» ، شوف دَافَعَ عنها: «حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ»، ثم جرى الصلح بناء على بروك هذه البعير، الله أكبر!
طالب: (...).
الشيخ: إي، ما هو عقل حسب ما يليق بحالها، تعرف يعني، أحسن نقول: تعرف، لكن إرضاءً للأخ نقول: تعقل، تَعقِل وتُعقَل أيضًا، أليس كذلك؟
طالب: صحيح يا شيخ.
الشيخ: إي نعم، بارك الله فيك.

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال البهوتي رحمه الله تعالى..
الشيخ: ترى خلصنا من أن التسمية على الأكل واجبة على القول الراجح، والأكل باليمين واجب على القول الراجح.
الطالب: في تتمة في جُمَل من آداب الأكل والشرب، قال: (بثلاث أصابع، وتخليل ما علق بأسنانه).
الشيخ: سبق لنا التعليق على قوله: (بثلاث أصابع) وأن هذا؟
طالب: إن مكن.
الشيخ: فيما يمكن.
الطالب: (وتخليل ما علق بأسنانه).
الشيخ: يعني هذا من السنة أن يُخَلِّل ما علق بأسنانه؛ لأن بقاء هذا بين الأسنان يضر بالأسنان وباللثة، وربما يحدث به رائحة كريهة، ودفع المؤذِي من الأمور المسنونة.
الطالب: (ومَسْح الصحفة).
الشيخ: نعم، هذا أيضًا مما جاءت به السنة، يعني أنك تمسحها عن بقية الطعام، وتلعق أصابعك أيضًا، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمُ الْبَرَكَةُ» .
الطالب: (وأكل ما تناثر).
الشيخ: نعم، أكل ما تناثر سنة أيضًا، لكن بعد إزالة ما فيه من أذى، يعني مثل لو سقطت تمرة، أو قطعة من الطعام في الأرض، فخُذْها وامسح ما بها من أذى ثم كُلْها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلَا تَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ» ، وهذا يدل على أن الشيطان يأكل ما تناثر إذا لم يؤكَل، أما إذا كان لا يمكن أكل ما تناثر فإنه لا يمكن.
الطالب: (وغَضُّ طَرْفِه عن جليسه).
الشيخ: هذه أيضًا من الآداب أن يغض طرفه عن جليسه، جليسه الذي يأكل معه، لا تجلس تنظر –مثلًا- ويش أخذ هذا، أخذ لحمة، أخذ قرع، ثم تراقب يده من حين ما يأخذ الشيء إلى أن يضعه في فمه هذا ليس من الأدب، بل غُضّ الطرف؛ لأن الناس كلهم ينتقدون هذا.
الطالب: (وشربه ثلاثًا مصًّا).
الشيخ: نعم، يُسَنّ أن يشرب بثلاثة أنفاس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّهُ أَهْنَأُ وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ» ، فيه ثلاث فوائد، ثلاثة أنفاس، وينبغي أن يكون ذلك مصًّا لا جَرْعًا؛ وذلك لأن الماء لا يُشْرَب إلا عند الحاجة إليه، متى؟ إذا عطش الإنسان، والعطش التهاب المعدة وحرارتها، فإذا جاءها الماء جَرْعًا فإنه يؤثِّر عليها؛ لأنه يصطدم البارد بالحار، فإذا صار مَصًّا صار الذي ينزل خفيفًا يسيرًا، ويكتسب حرارة من المريء من الفم إلى المعدة، فيَرِدُ على المعدة وهو ساخن مناسب لها.
ويكون ثلاثًا؛ لأنه كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَهْنَأُ وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ»، ولذلك يقول العارفون: إنك إذا وجدت شخصًا عطشانًا جدًّا جدًّا لا تعطه الماء دفعة واحدة، إن فعلت فإنه يهلِك، لكن أعطه شَربة واحدة، جُغْمَة واحدة، ثم تَمَهَّل قليلًا، ثم أعطه الثانية، وهكذا؛ لئلا يهلك.
وقوله: (مَصًّا) هذا بالنسبة للماء، أما للبن والمرَق وما أشبهها فإنه يُعَبّ عبًّا، يعني لا يُمَصّ مصًّا، والفرق ظاهر؛ لأن الماء جاف، وليس فيه دهونة، ولا شيء مناسب للمعدة، فكان الأَوْلَى أن يأتيها شيئًا فشيئًا، بخلاف اللبن وشِبهه فلا تَعُبّه عبًّا، لكن بثلاثة أنفاس.
الطالب: (ويتنفس خارج الإناء).
الشيخ: نعم، يتنفس خارج الإناء، ويُكْرَه أن يتنفس في الإناء، يعني لو فُرِض أن رجلًا نفسه قليل، يعني ما يصبر عن النفس، وأراد أن يتنفس، فليُبِنِ الإناءَ عن فمه ثم يتنفس.
الطالب: (وكُرِهَ شربه من فم سقاء).
الشيخ: نعم، يُكْرَه أن يشرب من فم السقاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن ذلك ، ولأنه قد يكون في السقاء أشياء مُؤْذِيَة لا يدري عنها، فإذا صبّ الماء في الإناء فإنه ينظر إلى الماء، هل فيه أشياء مؤذية أو لا، أما إذا شرب من فم السقاء فقد يكون فيه أشياء مؤذية فتؤذيه.
من ذلك: العَلَقَة، قد تكون في الماء عَلَقٌ، ويش العلقة هذه؟ العَلَق: دودة حمراء مثل أصل آدم من عَلَقَة، دودة حمراء تتغذى بالماء، ثم إذا شرب الإنسان ماء وفيه علقة دخلت إلى جوفه، أحيانًا تلصق على جدار المريء، أو على ما قبله، وأحيانًا تنزل المعدة.
وهي -سبحان الله!- تمسك بالجلد تعضه وتتغذى منه، ثم تكبر وتتضخم حتى تسد النَّفَس تمامًا، ولهذا أحيانًا يهلكون، إذا دخلت العَلَقَة وتشبثت بجدران المريء انتفخت وكبرت وضيَّقت على النفَس، ولها علاج، أنواع كثيرة من العلاج، من جملة ما ذُكِرَ لنا أن يشرب الإنسان دخانًا، تعرفون الدخان؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: كما يفعله الناس الآن.
الشيخ: إي نعم، السيجارة، يقولون: إنه إذا شربت سيجارة فرائحتها ودخانها يُضَيِّق على هذه العَلَقَة وتخرج، لكن هذا أحيانًا، وإلا قد جُرِّب ولم ينفع، وأحيانًا يُدْخِلُون عليها مخيطًا يَبُطُّونها حتى تنفجر، لهم طرق فيها، ما أدري عاد عن الطب الحديث الآن ويش يستعملون فيها، ما أدري، لكن على كل حال أنه ربما يكون هناك عَلَقَة في نفس السقاء، وإذا شربت من فمه دخلت في جوفك.
الطالب: (وفي أثناء طعام بلا عادة).
الشيخ: أيضًا يُكْرَه الشرب في أثناء الطعام بلا عادة، فإن كان الإنسان يعتاد هذا فلا بأس، قال بعضهم: ويُكْرَه أيضًا بعد الطعام مباشرة بلا عادة.
وقوله: (بلا عادة) يُفْهَم منه أن المسألة ترجع إلى ناحية طبية، قالوا: لأن الشرب في أثناء الطعام يُفْسِد الطعام، وتزول به منفعة الطعام، وكذلك إذا شرب مباشرة، فإذا كان قد اعتاد هذا فإنه لا يضره.
وقال بعضهم أيضًا: إنه إذا شرب في أثناء الطعام يحصل منه الكِبَاد، الكِبَاد يعني أن المعدة يكون لا يشتبك الطعام بعضه مع بعض، ويحس الإنسان كأنها سقاء يترجرج، لكن إذا كان هناك عادة فالعادات لها طبائع ثانية، كثير من الناس لا يهمه، يشرب في أثناء الطعام، بعد الطعام مباشرة، بعد الطعام بمدة لا يهمه، معتاد.
ثم إذا كان الطعام حارًّا والماء باردًا صار هناك أيضًا مضرة من جهة أخرى، وهي ورود البارد على الحارّ، وتعرفون أن الحارّ يوجب التمدد -تمدد العروق والجلد- فإذا جاء البارد تقلص بسرعة وصار فيه خطر.
الطالب: (وإذا شرب ناوله الأيمن).
الشيخ: نعم، إذا شرب ناوله الأيمن اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، هذا إذا كان الإناء واحدًا، أما إذا كان كل واحد يعطَى بإناء فالأمر واضح.
لكن بمن يبدأ؟ لو دخل الساقي فبمن يبدأ؟ بالذي على يمينه أول ما يدخل، ولّا بالذي أمامه؟
نقول: يبدأ بالأكبر كما جاءت بذلك السنة ، وليس يبدأ بمن على يمينه من عند الباب، وقد جاءت السنة بذلك، وبه نعرف أن ما يفعله بعض الناس الآن، إذا دخل مَسَك المجلس من أول واحد على اليمين إلى آخر واحد على اليسار، أن هذا ليس من السنة، لا من جهة المرور بالناس ومصافحتهم، ولا من جهة أنه يبدأ باليمين الذي عند الباب وهو أصغر القوم.
أما الأول فمن المعروف أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا دخل جلس حيث ينتهي به المجلس ، ولا يمر على الناس ويسلم عليهم.
وأما الثاني فلأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان معه مسواك يتسوك به، فأراد أن يناوله الأيسر، فقيل له: كَبِّر، فأعطاه الأكبر .
وعلى هذا فإذا كان الإنسان مُقْبِلًا على الناس يبدأ بالأكبر، أما إذا كان بيده إناء وأراد أن يناوله فيبدأ باليمين.
إذا كان على يمينه واحد، وأمامه واحد، وعلى يساره واحد، مَن يُعْطِي؟
طالب: الأيمن.
الشيخ: يعطي الأيمن.
طالب: (ويُسَنّ غسل يديه قبل طعام متقدِّمًا به ربه وبعده متأخرًا به ربه).
الشيخ: إي، يُسَنّ أيضًا أن يغسل يديه قبل الطعام، وهذه المسألة مختلَف فيها، هل من السنة أن يغسل يديه قبل الطعام مطلَقًا، أو إذا كان هناك حاجة؟
الظاهر التفصيل، إذا كان هناك حاجة فاغسل يديك، من الحاجة أن تكون قد لمست شيئًا من قبل تتلوث به اليد، أو كَثُر سلام الناس عليك وأحسست بيدك رائحة مِن لمس الناس، فهنا الأفضل أن تغسل يديك، وإلَّا فلا حاجة.
وقوله: (متقدمًا به ربُّه)، يعني معناه أن الذي يقدِّم لتغسيل اليد هو رب البيت، وأما في الآخر فيكون متأخِّرًا، يكون هو آخر الناس يغسل يديه، وهذه راجعة إلى العرف والمروءة، وفي وقتنا الحاضر رب البيت غالبًا لا يشارك الناس في الأكل معهم.
الطالب: (وكُرِهَ رد شيء من فمه إلى الإناء).
الشيخ: إي، معلوم هذا، يعني: إنسان –مثلًا- أخذ له خبزة وأكل منها كذا بفمه، وبعدين رَدَّهَا وحطها في إناء الخبز، هذا خلاف المروءة، وهذا يُكَرِّه الطعام إلى الناس، والإنسان ينبغي له أن يتعامل معاملة طيبة، أما إذا كانت تمرة أو لقمة فهي؟ أجيبوا.
الطالب: أشد.
الشيخ: أشد وأشد، بعدما دخل فمه التمرة أخرجها وجعلها في الإناء! هذا أشد.
ومن ذلك أيضًا أن يأخذ اللحمة يبغي يأكلها، وجدها قاسية، قال: إذن أحطها، أردها في الإناء، ماذا نقول له؟ نقول: هذا مكروه، خلاف المروءة، وتأدَّب مع الناس بأدب رفيع.
الطالب: (وأكله حارًّا).
الشيخ: إي، يُكْرَه أكل الحار، لكن الحار الشديد الذي تتألم منه المعدة، الآن عندنا ثلاثة أشياء تمر بها اللقمة: اليد، والثاني: الفم، والثالث: المعدة، اليد تحس بالحار أكثر؛ لأنها لم تتعود على الحار، أحيانًا يكون حارًّا باليد، ولكن يدخله على طول في فمه، الفم ما يتأثر كثيرًا إلا بحرارة شديدة، بعض الناس إذا صار حرارة شديدة ينزله للمعدة، من يد قوي للقوي، يقول: خلاص إذا وصلت تدبّر نفسها، هذا غلط؛ لأن هذا يوجب أن تنصهر المعدة ويحدث فيها قَرحة، والحمد لله انتظر حتى يبرد، ولهذا أرى أن صاحب البيت إذا ظن أن الجماعة سوف يأكلون حارًّا ولّا باردًا أن يصبر عليهم حتى يبرد الطعام ويقول: تعالوا، تفضلوا؛ لئلا يضرهم وهم لا يشعرون.
الطالب: (أو من وسط الصحفة).
الشيخ: نعم، كذلك يُكْرَه أن يأكل من وسط الصحفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن ذلك، وقال: «إِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ فِي أَعْلَاهَا» ، عندك (في أعلى)، ولّا (من)؟
الطالب: (أو).
الشيخ: (أو) أيش؟
الطالب: (أو من وسط الصحفة أو أعلاها).
الشيخ: نعم، (أو) أيش؟
الطالب: في الحديث يا شيخ، «إِذَا أَكَلَ طَعَامًا فَلَا يَأْكُلْ مِنْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ، وَلَكِنْ مِنْ أَسْفَلِهَا» .
الشيخ: إي نعم، ويش اللي عندك؟ اقرأ اللي عندك.
الطالب: عبارة الروض: (أو من وسط الصحفة أو أعلاها).
الشيخ: إي، يعني (أعلاها) إذا كانت يعني عالية، الغالب أن الأعلى هو الأوسط، وإن كانت سواء كما يكون في صحون الأرز فلا يأكل من الوسط.
الطالب: (وفِعْلُه ما يستقذره من غيره).
الشيخ: نعم، هذه مهمة جدًّا، يُكْرَه أن يفعل ما يستقذره من غيره، يعني معناه: لو فعل غيرك هذا رأيتَه قذرًا، لا تفعله أنت، وهذا مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» ، ومن قوله: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» .
الطالب: (ومَدْح طعامه وتقويمه).
الشيخ: إي، هذا أيضًا مكروه؛ لأنه يمنُّ به عليه، لكن تفضل ومش تفضل، لما جاء (...)، ويش تقولون بها اللحم؟ ويش تقولون بها الأرز؟ ويش تقولون بها السماط؟ نعم، يا الله لقيته بالسوق، هذا زين، هذا ويش معناه؟
طالب: مِنَّة.
الشيخ: مِنَّة عظيمة، أو يقول: والله اليوم الخبز غالي، بالعادة أننا نأخذ أربعة بالريال، واليوم ما أخذنا إلا اثنين بالريال، ترى ها اللحم هذا ما هو مثل لحم الناس، هذا الكيلو بعشرة، يُقَوِّمُه عليه، هذا أيضًا غلط، يُكْرَه، بعض الناس (...) مثلًا، والله عجزت أدور، أدور يا الله لقيت هذا بالمطعم الفلاني، ليش تقول ها الكلام؟ معناه أنك تَمُنّ عليهم.
الطالب: (وعَيْب الطعام).
الشيخ: ويش رأيكم لو يقوّمه؟ أليس من المناسب أن كل واحد يطلع عشرة ريالات ويعطيه، أحسن عشان يخجل ولا يعود له.
الطالب: (وعَيْب الطعام).
الشيخ: صحيح، عيب الطعام أيضًا مكروه، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعيب الطعام؛ إن اشتهاه أكله، وإلَّا تركه ، أما أن تعيبه مثل تقول: والله هذا طعامك مالح، شاهيك مر، تمرك حَشَف، ما يجوز هذا، مكروه، لكن لو أراد أن يعيبه عند أهله حتى لا يعودوا لمثل ذلك، ماذا تقولون؟ أجيبوا.
طلبة: لا بأس.
الشيخ: هذا جائز، بل هو من التعليم، وهنا لم يَعِب الطعام، ولكن عاب صنعة أهله، فلا بأس.
طالب: (وقِرَانه في تمرٍ مطلقًا).
الشيخ: نعم، القِرَان بالتمر أيضًا مكروه، ويش معنى القِرَان؟ أن يأكل تمرتين جميعًا، يُكْرَه.
وقوله: (مطلقًا)، يعني: سواء كان معه مشارك أو لا، وبعض العلماء يقول: إذا لم يكن معه مشارك فهو حر، يأكل على ثنتين، على ثلاث جميعًا، ما فيه مشكل، لكن إذا صار معه أحد وبغى يأكل ثنتين وصاحبه واحدة يخلِّصه وحده، إذا قَدَّرْنَا أن الإناء فيه ستين تمرة –مثلًا- وبغى يأخذ هذا على ثنتين، يكون هذا أكل أربعين ودا أكل عشرين، هذا ظلم، لكن إذا صار وحده يقول المؤلف: إنه يُكْرَه.
لماذا يُكْرَه إذا كان وحده؟
قال: لأنه يدل على الشَّرَه، ليش تأكل ثنتين؟ وأيضًا ربما إذا كَبَّر اللقمة ربما يغصّ بها فيتضرر.
وقوله: (في تمر ونحوه) احترازًا مما كان دون التمر، فهذا لا بأس أن يَقْرِن بين اثنين، أو بين ثنتين، مثل؟
طالب: (...).
الشيخ: مثل العنب، زبيب، لا بأس.
طالب: لحم مقطع.
الشيخ: لحم مقطع، لكن عادة اللحم ما هو خلقةً مقطع.
الطالب: المكسرات.
الشيخ: مكسرات أيش؟
الطالب: حلوى.
الشيخ: ما أدري عاد الحلوى، ما أعرفها.
طالب: الفستق.
الشيخ: الفستق لا بأس، صغير، يمكن يأخذ واحدة ثنتين، إلا إذا كان معه أحد يبغي يضيِّق عليه فلا يفعل.
طالب: (وأن يَفْجَأَ قومًا عند وَضْع طعامهم تَعَمُّدًا).
الشيخ: نعم، وأن يَفْجَأَ قومًا عند الطعام متعمدًا، وهذا ما يسمى بالطُّفَيْلِيّ، إذا ظن أنهم قَدَّمُوا الطعام فاجأهم علشان ما (...) يقولون شيئًا، يُكْرَه؛ لأن هذا أولًا: دناءة، والثاني: فيها إحراج لأهل البيت.
لكن لو كان بغير عمد، إنسان أراد أن يسير على صاحبه ويزور صاحبه، ثم دخل ووجدهم على الطعام، فهذا لا بأس به، أما أن يتحرى تقديم الطعام ثم يفاجئهم فهذا كما قال المؤلف: مكروه.
الطالب: (وأكله كثيرًا بحيث يؤذيه، أو قليلًا بحيث يضره).
الشيخ: نعم، (أكله كثيرًا بحيث يؤذيه) يُكْرَه، وعلامة الأذى أن يضيق النفَس، ويتعب عند القيام، وعند الاضطجاع، وما أشبه ذلك، هذا يقول المؤلف: إنه مكروه.
واختار شيخ الإسلام رحمه الله أن ذلك حرام، وهو الصواب؛ أنه لا يجوز للإنسان أن يأكل أكلًا يؤذيه.
وأما أكل القليل فيُنْظَر، إن كان البدن يتغذى به فهذا خير؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» .
وكونك تأكل قليلًا ثم تعود إلى الأكل قريبًا أحسن من كونك تأكل كثيرًا ثم تتأخر في العودة إلى الأكل، ولهذا نسمع عن بعض الأمم أنهم يأكلون قليلًا، ثم يرجع إلى الأكل عن قرب، فتجده يأكل في اليوم والليلة خمس مرات، ويقولون: هذا أصح للبدن، وما هذا ببعيد؛ لأن الحديث يدل عليه: «حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ»، يعني: لا بد فأثلاث: «ثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ»؛ لأنه إذا صار قليلًا صارت المعدة تهضمه بسرعة وبسهولة، ما يشق على المعدة، وإذا هضمت طلبت طعامًا، كُلْ، ما يضر، كل قليلًا ثم ارجع قريبًا إلى الطعام، لكن أكثر الناس ما يقدر، إذا جلس على الطعام لا بد يملأ البطن، ما يستطيع.
هذا أحيانًا لا بأس به، لا بأس أنك تملأ البطن حتى لا تجد مكانًا للطعام، كما جاء ذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أبو هريرة كان فقيرًا، وكان صاحب النبي صلى الله عليه وسلم على شِبْعِ بَطْنِهِ، في يوم من الأيام خرج الناس من المسجد، وجعل رضي الله عنه يلاقي الرجل يقول: ويش اللي بعد الآية الفلانية؟ يعلِّمه ويش اللي بعدها، وهو ما يريد هذا، يقول: أقول هذا لعلَّه يقول..
طالب: تفضل.
الشيخ: ادخل معي إلى البيت، لكن ما أحد قال شيئًا، يقول: حتى خرج أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، فلما رآني تبسَّم؛ لأنه عرف أنه فيه الجوع، يسقط إذا قام، قال له: «امْشِ»، يقول: فذهبت معه، فجيء إليه بقدح من لبن، وهو على كل حال بيفرح، قدح لبن يسد جوعته، فقال لي: «ادْعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ»، يبغي يسقيهم من اللبن، قال :سبحان الله، أدعوهم؟! إذا جاء أهل الصفة ويش يبقى لي أنا؟ يقول: ولكني رأيت أنه لا بد لي من امتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب ودعا أهل الصفة، وكانوا أحيانًا يبلغون ثمانين رجلًا، جاؤوا وشربوا، شربوا كلهم من هذا الإناء، سبحان الله! وبقي بقية، وكان أبو هريرة هو الذي يسقيهم، فقال: «اشْرَبْ أَبَا هِرٍّ»، وشرب، قال: «اشْرَبْ»، وشرب، قال: «اشْرَبْ»، وشرب، حتى ما وجد مكانًا للبن في بطنه، قال: والله يا رسول الله لا أجد له مساغًا .
فأخذ العلماء من هذا أنه يجوز للإنسان أن يملأ بطنه من الطعام، لكن أحيانًا.
انظر البركة، هذا الإناء كفى أهل الصفة، وكفى أبا هريرة، وبقي بقية، وكان رضي الله عنه يقول: إن الناس يقولون لي: أبا هريرة، وإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سمَّاني أبا هِرٍّ ، وأيهما أحسن؟
طالب: أبا هِرٍّ لا شك.
الشيخ: أبا هِرٍّ؛ لأنه مُكَبَّر، وهُرَيْرَة مُصَغَّرة، وهذه أيضًا تسمية الرسول عليه الصلاة والسلام، ولهذا كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه أحسن الألقاب عنده أبو تراب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه يومًا في المسجد ووجده نائمًا والتراب قد عَلِقَ بظهره من العَرَق، فجعل يمسحه ويقول: «قُمْ أَبَا تُرَابٍ» .
طالب: انتهى يا شيخ.
الشيخ: طيب.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، يُكْرَه مدح الطعام وتقويمه.
الشيخ: نعم.
الطالب: لكن بعض الناس يبالغ في تزييد الطعام، ويجيب –مثلًا- ذبيحة أو ذبيحتين ربما بألف ريال ويتكلَّف، ثم يقول: ما سوينا لكم شيئًا، وسامحونا على القصور، وما زَيَّنَّا شيئًا؟
الشيخ: لا، هذا ما هو بتقويم هذا.
الطالب: إي، بس العكس.
الشيخ: هذا اعتذار، لكن تقويمه يقول: والله يا جماعة شريت الشاة هذه بألف ريال، والثانية بألف ريال، والإدام بمئتي ريال، والسماط بخمسين ريالًا (...)، يقوّم عليهم كأنهم زِبنَة بيشترون.
الطالب: يا شيخ، لكن العكس، ذبح ذبيحتين وهم ثلاثة أو أربعة؟
الشيخ: عاد هذا من باب الإسراف، هذا ينبغي أنهم ينهونه عن هذا وينصحونه.
طالب: ذبيحة، انتهى يا شيخ.
الشيخ: انتهى.
طالب: يقول: (وُكِرَه نَفْضُ يده في القصعة).
الشيخ: نعم، صحيح، هذا يُكْرَه لأنه يُقَذِّرها على الناس، بعض الناس الآن إذا كان يأكل الأرز ثم أكل اللقمة نقض يده هكذا بالإناء، هذا مكروه، حتى لو قال: أنا أنفضها بحافتي أنا، يعني مما يليني، قلنا: نعم، لكن هذا أرز يمكن ينتشر إلى الذي يلي جارك.
الطالب: (وأن يقدِّم إليها رأسَه عند وضع اللقمة في فمه).
الشيخ: هذا أيضًا مكروه؛ لأنه دناءة، مثلًا الصحن هكذا ثم يأخذ اللقمة، هذا مكروه؛ لأنه ما بقي إلا يأكل الْمِصْحَفة!!
طالب: (...).
الشيخ: لا يا شيخ، لعل يومًا يجمعنا إن شاء الله ونشوف أكلته للأرز.
الطالب: ما هو بزين.
الشيخ: ما هو بزين؟ ويش اللي ما هو بزين؟ عجيب، زين.
الطالب: (وأن يغمس اللقمة الدسمة في الخَلّ).
الشيخ: نعم، الخل هو عبارة عن ماء موضوع فيه زبيب أو تمر أو ما أشبه ذلك ليُحَلِّيَه، فإذا وضع فيه اللقمة الدسمة تلطَّخ بالدسم فأفسده على الناس.
الطالب: (أو الخَلّ في الدسم).
الشيخ: وكذلك، نفس الشيء.
الطالب: (فقد يكرهه غيره).
الشيخ: نعم.
الطالب: (وينبغي أن يُحَوِّل وجهه عند السعال والعطاس عن الطعام أو يُبْعد عنه).
الشيخ: هذا فيه (...) في مسألة الخل، لو قدَّرنا أن الخل يُعْطَى كل إنسان كأسه وحده، وغمس فيه الخبز وفيه دسم، فهنا لا يُكْرَه؛ لأنه لن يفسده على أحد، ومثله الشاهي أيضًا تغمس فيه الخبز المدهون فيظهر أثر الدهن على الشاهي لا بأس؛ لأن كل واحد يشرب بإناء خاص.
فإذا قال قائل: المؤلف رحمه الله جَزَم بالكراهة في هذه الأمور، فهل في كل واحدة منها سُنَّة مخصوصة؟
فالجواب: لا نعلم، ولكن هنا شيء عام يدل على كراهة هذه الأشياء، الشيء العام قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» ، هذه واحدة، الثانية: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» ، وكل ما يخالف المروءة فهو مخالف للحياء.
الطالب: (وينبغي أن يُحَوِّل وجهه عند السعال والعطاس عن الطعام أو يبعد عنه).
الشيخ: السعال يعني الكحة، ينبغي أن يبعد وجهه عن الطعام لئلا يخرج شيء من الريق ويقع في الطعام، وهذا حق.
العُطَاس من باب أولى، لكن قوله: يصرف وجهه في العطاس، هذا غلط؛ لأنهم يقولون: إن هذا خطر عظيم على الأعصاب؛ لأنكم كما تعلمون العطاس يهز البدن كله، فلو التفت في حال العطاس ربما تختلف أعصاب الرقبة، ولهذا كَرِه الأطباء أن الإنسان عند العطاس ينحرف هكذا، لكن الإبعاد يمكن، يبعد أو يغطي وجهه بغُتْرته إذا أمكن؛ لأنه أيضًا من الآداب أن الإنسان عند العطاس يغطي وجهه.
الطالب: (أو يُبْعِد عنه، أو يجعل فيه شيئًا لئلا يخرج منه ما يقع في الطعام).
الشيخ: نعم، ذكرنا هذا.
الطالب: (ويُكْرَه أن يغمس بقية اللقمة التي أكل منها في المرقة).
الشيخ: صحيح، إنسان مثلًا أكل من الخبزة شوية وغمسها في المرَق، هذا كما قال المؤلف: يُكْرَه، إلا إذا كان ليس معه أحد، إذا كان ليس معه أحد فلا حرج.
الطالب: (ويستحب للآكل أن يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى، أو يتربع).
الشيخ: واضح؟ يجلس على اليسرى وينصب اليمنى بساقها وفخذها؛ لئلا يَتوَطَّن كثيرًا فيأكل كثيرًا، أو يتربع كما تشاهدون الآن، ولكن ابن القيم رحمه الله ذكر في زاد المعاد أن التربُّع مكروه، وأنه داخل في قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا» ، وعلَّل ذلك بأن المتربِّع مستوطِن أكثر، فربما يأكل كثيرًا.
والجواب عن هذا أن يقال: الحديث لا يدل على هذا، فالتربع ليس اتِّكَاءً، الاتكاء هكذا، ومسألة أنه إذا تربَّع أَكْثَرَ من الطعام هذه ترجع إلى الإنسان، ربما بعد إذا جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى ربما يكثر من الطعام، فالظاهر أن التربع لا يُكْرَه.
الطالب: (وينبغي لمن أكل مع جماعة ألَّا يرفع يده قبلهم حتى يَكُفُّوا).
الشيخ: إي نعم، خصوصًا إذا كان كبير القوم، أو كان صاحب المحل، لا تقم قبلهم؛ لأنك إذا قمت قبلهم ربما يستحيون ويقومون وهم لم يشبعوا، خليك آخر واحد.
وكان الناس فيما سبق يبالغون في هذا غاية المبالغة، حتى إذا قام صبي من خمسين رجلًا على المائدة قاموا جميعًا، ولكن في الأخير صار -والحمد لله- لا يقوم الإنسان إلا إذا شبع، ويعبِّرون عن هذه العادة بأيش؟
طالب: سعودية.
الشيخ: سعودية؛ لأن أول من سَنَّهَا كما قيل الملك عبد العزيز رحمه الله، واقترح علينا بعض الناس في مجلس في الرياض، قال: ينبغي أن تكون سعودية في المبتدى والمنتهى، كيف في المبتدى والمنتهى؟ يعني إذا حضرنا، الآن إذا حضر الناس على المائدة ما يبدؤون حتى يتكاملوا ويحضروا جميعًا، ربما بعضهم مثلًا وقف يغسل أو ضاق الباب أو ما أشبه ذلك، فيتأخرون كثيرًا، قال: لماذا لا نقول: سعودية، حتى في المبتدى، ومَن جلس يأكل. وهذا الاقتراح أعجبني في الواقع، ولا يعد خلافًا للمروءة كما قال الشاعر:
وَإِنْ مُدَّتِ الْأَيْدِي إِلَى الزَّادِ لَمْ أَكُنْ بِأَعْجَلِهِمْ إِذْ أَجْشَعُ الْقَوْمِ أَعْجَلُ

إذا صارت عادة ما صار جشعًا.
إذا جرت العادة بأنه إذا قام أحدٌ قام الناس جميعًا فإنه يُكْرَه للإنسان أن يقوم حتى يرى الناس قد كَفُّوا أيديهم، وحينئذ يقوم، أما إذا جرت العادة كما هو في الوقت الأخير بأن كل مَن خَلَّص قام فلا بأس.
طالب: (وأن يخرج مع ضيفه إلى باب الدار).
الشيخ: ويش (يخرج) يعني؟ ويش معطوف عليه؟
الطالب: (يُسْتَحَبُّ).
الشيخ: يُسْتَحَبُّ أن يخرج مع ضيفه إلى باب الدار، وهذا أيضًا حسب العادة، إذا كان الضيف ممن يرى أنه أهل لأن يُصْحَب إلى الباب فليكن، وإلا فلا حاجة.
الطالب: (ويَحْسُن أن يأخذ بركابه).
الشيخ: هذا إذا جاء على بعير، يأخذ بركابه علشان يسهل الركوب، في الوقت الحاضر ربما يقول: فيه ما يقوم مقامه، وهو؟
الطالب: الباب.
الشيخ: فتح الباب للضيف، فتح باب السيارة.
الطالب: (وينبغي للضيف بل لكل أحد أن يتواضع في مجلسه).
الشيخ: نعم.
الطالب: (وإذا حضر ألَّا يتصدر).
الشيخ: قوله: (أن يتواضع)، الواقع أن ضد ذلك شيئان: الكِبْر، وهذا حرام، بل من كبائر الذنوب، قال الله تعالى: وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا [لقمان: ١٨].
والثاني: ألَّا يكون متواضعًا ولا مُتَكَبِّرًا، عاديًّا، وهذه حالة جائزة، لكن الأفضل أن يكون متواضعًا.
فهل من التواضع أن يقدِّم اللحم لجليسه؟ كما يفعل بعض الناس الآن، إذا جلس بدأ يأخذ من اللحم ويحطه بما يلي جليسه.
هذه أيضًا ترجع إلى العادات، إذا جرت العادة بأن هذا من باب التواضع والإكرام فافعل، وإلا فلا تفعل، وكذلك لو قال لك جليسك: كُفّ عن هذا، أنا بنفسي آخذ اللحم، فكذلك لا تحرجه، خليه يأخذ على ما يريد، بعض الناس يأخذ من ها اللحم ويحطه بجهة جليسه حتى يبقى ما يصل إلى الطعام، كل اللي فوق لحم، فيه إحراج للإنسان.
الطالب: (وإن عيَّن له صاحب البيت مكانًا لم يَتَعَدَّه).
الشيخ: نعم، صحيح، هذه من الأدب، إذا جاء به وقال: يا فلان اجلس هنا، تفضل هنا، ما يقول: لا، يجلس.
لو دخل إنسان كبير وذو شرف وجاه، قال: تعالَ اقعد هنا عند الباب!! أيش يقول؟ هل يتعداه ولّا ما يتعداه؟
طالب: يتعدى.
الشيخ: أو يقول: خلاص في أمان الله، أنت الآن ما أكرمتَ ضيفك، فلا كرامة لك؟
الجواب: الثاني؛ لأننا لو أخذنا بكلام المؤلف على إطلاقه مشكلة.
لو قال: اجلس هنا، وهو صدر المجلس، لكن أَحَبَّ هذا الداخل أن يجلس في مكان آخر يرى أنه يكون قريبًا من جميع الحاضرين، يعني وسطًا، فهل يعصي صاحب البيت ونقول: لا بأس، أو نقول: ما لك حق، أنت داخل بإذن من صاحب البيت، وصاحب البيت هو صاحب البيت، ما لك تجلس إلا في المكان اللي عَيَّن لك؟
الجواب هو هذا؛ الثاني، لكن إذا رأى من المصلحة أن يجلس وسط الناس دون المقدَّم فليستأذن، يقول: دَعْنِي أكون هنا لأكون قريبًا من جميع الحاضرين.
الطالب: سبق بعض الآداب، يقول: (وليس بالسُّنّة تَرْك أكل الطيبات).
الشيخ: إي، صحيح، ليس من السنة تَرْك أكل الطيبات، بل من السنة أكل الطيبات، فقد جيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بطعام طيب، تمر، وسأل، فقالوا: كنا نأخذ الصاع من هذا بصاعين، والصاعين بالثلاثة، ولم ينكر عليهم أن أتوا بالطَّيِّب، أنكر عليهم أيش؟ الربا، أن يشتروا الصاع بالصاعين، وأقرَّهم على أن يختاروا له الطَّيِّب .
كذلك أصحاب الكهف، ويش قالوا؟ ابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِأيش؟ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ [الكهف: ١٩]، فكون الإنسان يتورَّع عن أكل الطيبات فهو خلاف سُنَّة الأولين والآخرين، لكن إن لزم من ذلك –أي: من أكل الطيبات- أن يخرج إلى حد الإسراف، فحينئذ يُمْنَع، لا لأنه أكل الطيبات، ولكن لأنه أسرف.
الطالب: (ومن السرف أن يأكل كل ما اشتهى، ومَن أَذْهَبَ طيباته في حياته الدنيا).
الشيخ: سبحان الله! ليس من السرف أن يأكل كل ما يشتهي، بل هذا من التَّنَعُّم بنعم الله عز وجل، كُلُّ ما اشتهيت كُلْ، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: نعم، لو كان لو اختار أشياء غالية جدًّا لا تليق بمثله، صحيح، أما إنسان قادر، اليوم يشتهي أرزًا، وغدًا يشتهي خبزًا، اليوم يشتهي لحم ضأن، وغدًا لحم دجاج، ليش ما يأكل؟ في هذا نظر، كلام المؤلف هذا فيه نظر.
طالب: (ومَن أذهب طيباته في حياته الدنيا واستمتع بها نقصت درجاته في الآخرة للأخبار).
الشيخ: نعم، صحيح، إذا تلهَّى بطيبات الدنيا عن أعمال الآخرة فلا شك أنها ضرر عظيم.
طالب: يا شيخ، بعض العلماء أخذوا من حديث أبي هريرة أنه يُسَنُّ إذا الضيف قام أن يجلس؟
الشيخ: أنه؟
الطالب: أنه يسن إذا الضيف قام عن الطعام.
الشيخ: إذا الضيف.
الطالب: إذا الضيف قام عن الطعام يعني انتهى وقام، أن تقول له: ما أكلت، كُلْ، زوِّد، كذا يعني، فهل هذا يُسَنُّ من الحديث؟

الشيخ: إي، هذا لا بأس به، يعني قد يكون هذا من باب الإكرام، لكن قول الرسول لأبي هريرة: «اشْرَبْ» ، قصدُه من باب الرأفة به؛ لأنه كان جائعًا، لكن لا بأس أنه من باب الإكرام تقول يعني: كُلْ، إنما لا تكرهه، بعض الناس يلزِّم مرة، يتعب الإنسان، تعطيه –مثلًا- ثلاثة فناجيل شاهي وتقول: خلاص، يقول: ليش؟ صب الرابع، اشرب، يا رجل خلصت، قال: اشرب، هو مُر؟ هو بارد؟ هو حار؟ قال: لا، قال: اشرب، فشرب على إغماض، فأراد أن يقول: اشرب ثانية، الأكل لا يشتهي الشرب، قد يكون من الناس الذين إذا شربوا كثيرًا حصل عليهم مضايقة في البول أو ما أشبه ذلك، فأنت يا أخي إذا أردت الإكرام أَكْرِمْهُ بما يشتهي، أكرم أخاك بما يشتهي.

طالب: شيخ بارك الله فيك، بالنسبة الآن عندنا في الأرز يعني يصعب على الإنسان أن يكرم الصحن؛ لأنه تكون الأكلة كثيرة؟
الشيخ: أن أيش؟
الطالب: أن يكرم الصحن، يعني يلعق الصحن.
الشيخ: نعم نعم.
الطالب: فتزيد، يعني تكون بقية ما يستطيع الإنسان أن يحتفظ بها؛ لأنه حتى إذا احتفظ بها ما يأكلها الغد، فكيف؟ يرميها، أو..؟
الشيخ: لا، ما.. يتصدق بها على أحد.
الطالب: ما يستطيع، فيه الآن الجيران حتى الإنسان اللي بحاجة ما تستطيع تعطيه بقية من الأرز.
الشيخ: أرى أنه أولًا أصلًا يقدِّر ما يكفيه فقط، هذه واحدة، الثاني: إذا قُدِّر أنه قد دعا أناسًا ولم يحضروا، وهذه تقع كثيرًا، فالباقي ينشره في السطح، إما أن تأتي الطيور وتأكله، أو ييبس وهو بنفسه يخرج به إلى مكان وينثره للطيور.

طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، المصنف يقول: (ليس من السنة ترك أكل الطيبات) يعني تَزَهُّدًا، وثانيًا قال: مَن أذهب طيباته في حياته الدنيا واستمتع بها نقصت درجاته.
الشيخ: نعم.
الطالب: شيخ، كأن فيه تناقضًا؟
الشيخ: لا، ما فيه تناقض، المراد إذا كانت الطيبات تُلهيه عن أعمال الآخرة، أما إذا كان عاديًّا فلا بأس.

طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الآن الاتكاء عند الأكل منهي عنه؟
الشيخ: نعم، لا ما هو منهي عنه، لكن قول الرسول: «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا» يدل على عدم الرغبة فيه.
الطالب: نعم، هل المراد هو كثرة.. يعتمد، يعني يكثر من الأكل، أو المراد (...)؟
الشيخ: لا، هو أولًا الاتكاء فيه نوع من الكبرياء، كون الإنسان يتكئ ويأكل فيه نوع من الكبرياء، ما قدَّر النعمة، ثانيًا: يقولون: إنه ربما يحصل شرَق؛ لأن الطعام إذا نزل مع المريء صار ينزل على جانب فيحصل الشرَق.

طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، بعضهم يستدل بقوله تعالى: فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا [الأحزاب: ٥٣].
الشيخ: نعم.
الطالب: أنه إذا أكل الطعام ينبغي أن ينصرف؟

الشيخ: نعم.
الطالب: هل هذا يا شيخ وجيه؟
الشيخ: هذا يقول: إن بعض الناس قال: ينبغي لك إذا انتهيت من الطعام أن تنصرف؛ لقوله تعالى: فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا؟
أقول: اقرأ آخر الآية: وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ [الأحزاب: ٥٣]، هذه العلة، مع أن الأفضل أن الإنسان إذا خلص من الطعام يمشي؛ لأنه قد يكون لصاحب البيت حاجة، إما أهله يجيؤون يأكلون الطعام البقية أو غير ذلك، بل الذي أرى أن الأَولى أن يخفِّف الإنسان الجلوس عند الناس، حتى في القهوة العادية، ما لم يجد رغبة في البقاء؛ لأنه إذا قام سريعًا حفظ أوقاته، وصار خفيفًا على الناس، والناسُ لهم أشغال ما تدري (...)، كونك تخفف هذا هو الأَولى. وكان هذا هو دأبَ شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله، يعني نصف ساعة، ساعة إلا ربع بالكثير، فهذا هو الأَولى، إلا إذا رأيت مصلحة أو رغبة من الحاضرين في البقاء فلا بأس تبقى.

طالب: عفا الله عنك يا شيخ، مر علينا أن الضيف (...) ما أحد ينظر لأحد، قبلُ الناس جوعى يا شيخ، وكان الصبيان بعضهم ما هو قليل منهم يمسك عن الحلة يأخذ من المكان ويمسك هو، ولو أن أخاه أكل نصف الصحن وتعدى على نصف هذا مسكه ذا، قال: ما (...) لك، وردَّه لأهل البيت، كان الأول الطعام قليل.
الشيخ: إي، لكن ويش لون هذا؟ يخليه مع الصبي يحامي له؟ يتحجر يعني؟
الطالب: الطعام الأول قليل.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: والناس يقدِّمون الضيف على الصبيان، الصبيان يروحون قبل ما شافوا الطعام قاموا يصيحون؛ لأنه ما عندهم طعام يأكلونه.
الشيخ: إي.
الطالب: الموجود هذا مع الضيف.
الشيخ: نعم.
الطالب: بعض الأحيان يقدِّمون للضيف طعامًا ما في البيت غيره.
الشيخ: إي.
الطالب: بعض الناس مو قليل من الناس مسك عن محله، لما صار سمع صياح الصبيان مسك عن (...) أخذ لقمة ووقف.
الشيخ: يعني توقف؟
الطالب: إي نعم، أخوه لما أكل نصف الصحن وبغى يتعدى على نصف أخيه، مسك يد أخيه.
الشيخ: إي.
الطالب: هذا ما هنالك.
الشيخ: إي، لكنْ أخوه ما شبع من نصف الصحن؟
الطالب: لا، ما شبع، يبغى أن يأكل نصف أخيه، فكان هذا يبغي يرد للصبيان.
الشيخ: من باب الإيثار يعني.
الطالب: إي، من باب الإيثار.
الشيخ: الإيثار، إي.
الطالب: جوعان، الجوع (...).
الشيخ: الله يعافيه، أقول: جزاه الله خيرًا، له الحق أن يقول: أنا وإياك شركاء في هذا الصحن، أنت أكلت نصيبك، وخلّي لي نصيبي أنا أبغي أوثر به الصبيان.
الطالب: هذا الذي يقصدون يا شيخ.
الشيخ: لا لا، المؤلف ما قصد هذا، المؤلف قصد أن بعض الناس إذا جلس قام يناظر الناس ويش أكلوا، وكيف يأكلون، ويشخّصهم، هذا ما هو بصحيح.
الطالب: جزاك الله خيرًا.

طالب آخر: حفظك الله يا شيخ، الأصل في النواهي بالآداب يا شيخ؟
الشيخ: هاه؟
الطالب: هل هي تحمل على الكراهة؟
الشيخ: مثل ما قلتُ لك، إحنا ذكرنا لكم الحديثين : «إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» ، لو أن أحدًا منكم الآن قام ولَبِسَ إزارًا ورداءً وعمامة، وقال: أنا أفعل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، قلنا: على العين والرأس فعل النبي، لكن هل جرت العادة بهذا؟ إذن لا تفعل.
طالب: ما أعنيه يا شيخ الآن الأصل في النواهي بالعبادات التحريم.
الشيخ: ما هو.. المسألة فيها خلاف، بعضهم يقول: التحريم، وبعضهم يقول: الكراهة، وبعضهم يفصِّل يقول: أما ما يتعلق بالآداب فهو للكراهة، وما يتعلق بالعبادات فهو للتحريم، هذا أقرب الضوابط، مع أنه ليس بمطرد لا بالآداب ولا بالعبادات.

طالب: شيخ، حفظك الله، الأصل في الشرب؟
الشيخ: هاه؟
الطالب: السنة في الشرب؟
الشيخ: في الشُّرب.
الطالب: نعم، قائمًا ولَّا قاعدًا؟

الشيخ: السُّنّة في الشرب أن يكون قاعدًا، هذا الأفضل، لكن لا بأس أن يشرب قائمًا خوف التأذي أو للحاجة، كما شرب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من زمزم قائمًا ، وشرب من شَنٍّ معلَّق قائمًا، هذا لا بأس به للحاجة.

طالب: جرت عادات بعض الناس الآن من التشبه بدول الغرب من وضع الطعام في أطباق صغيرة جدًّا.
الشيخ: إي.
الطالب: يعني وضع أنواع يمكن تصل إلى –مثلًا- خمسة أو سبعة أنواع في أطباق صغيرة لكل نوع، ويقدَّم لكل شخص هذه الأطباق خاصة به، فهل مجاراة هذه يعني نهى (...)؟

الشيخ: سمعتم كلامه؟ يقول: جرى بعض الناس الآن على عادة أنه يجيب الطعام في صحون صغيرة مُشكَّلة، فهل يجوز هذا أو لا يجوز؟
في ظني أن هذا أوفر للناس من جهة، ويعطي كل واحد حريته من جهة أخرى، وإن كنتُ أُفَضِّل حسب العادة القديمة أن يكون الناس كلهم على صحن واحد كبير.

الطالب: (...) البركة.
الشيخ: إنما الحقيقة بعض الناس يعني عجيب، يخلِّي القِدْر وكل واحد ييجي يأخذ من القِدْر بصحن، كل واحد بصحن، لا يقدَّم لهم، فعلى كل حال يحتاج إلى نظر، إذا كان هذا من عادات الكفار، والله ما أدري.

طالب: شيخ، بارك الله فيكم، إذا أعطى الإنسانُ الكبيرَ كبيرَ القوم الشراب، ثم بعد ذلك يمشي على يمين الساقي، إذا انتهى يمين الساقي أين يبتدئ؟
الشيخ: إي، الظاهر حسب العادة أن الذي في صدر المجلس هم الكبار، يرجع من صدر المجلس.
الطالب: فيأخذ على يمين الـ..؟
الشيخ: إي نعم.

طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، جواز ملء البطن من الطعام يعني يقيَّد بالجوعان ولّا بس مطلَقًا؟
الشيخ: لا، مطلقًا، لكن بس إنه ما لم يتأذى، إن تأذى فقد قال شيخ الإسلام رحمه الله: إنه يحرُم الأكل خوف الأذى أو التُّخمة.

طالب: أحسن الله إليكم، يا شيخ بعض الناس يترك الطيبات ويحتج بفعل بعض السلف.
الشيخ: إي.
الطالب: يقول: يعني عائشة وهي صائمة تصدقت بالطعام كله ، وعبد الرحمن بن عوف لما قُدِّم له الطعام بكى وقال واستدل بالآية: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ [الأحقاف: ٢٠] ؟

الشيخ: لا، هذه حالات خاصة تكون لبعض السلف، ولا عبرة بها، العبرة بالكتاب والسنة، لكن بعض الناس يريد أن يمرِّن نفسه على الخشونة، فيختار هذا، أو يخشى أنه إذا أكل من كل ما يشتهي أن تجرَّه نفسه إلى شيء أعلى وأعلى، فيصل إلى حد الإسراف أو إلى حد التلهي بالطيبات عن العبادات، هذه مسائل خاصة.
ثم إنه قد ورد –يعني- كما ذكرت فيه أشياء أخرى غير هذه عن بعض التابعين رحمهم الله، أشياء هي باجتهاد منهم لا شك، لكنها خلاف السنة.

طالب: يا شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: معروف أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان له سنة متَّبَعة، ففي أثر أنه رأى أحد الصحابة اشترى حلوى، فقال: لمن؟ فقال: لزوجتي اشتهت ذلك، فقال: أَوَكُلَّ ما اشتهيتم أكلتم ؟
الشيخ: نعم.
الطالب: يعني ألَا تؤخذ هذه سنة؟
الشيخ: ما تؤخذ دليلًا؛ لأنه قد يكون الناس في حالة خاصة، مثلما كان رضي الله عنه في عام الرمادة، كان ما يأكل الإدام إلا خَلًّا ، هذه قضايا أعيان معينة، يكون لها أسباب خاصة، وكما قلت لكم آنفًا: العبرة بالعمومات؛ عمومات الكتاب والسنة.

انتهى الوقت.

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم. (...)
الشيخ: سنة.
طالب: نعم سنة.
الشيخ: في حق الزوج والزوجة أو هما جميعًا؟
الطالب: لا، في حق الزوج.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» .
الشيخ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ»، والتعليل لأنها من؟
الطالب: إظهار النكاح.
الشيخ: من إظهار النكاح وإعلانه.
الإجابة إلى الوليمة -وليمة العرس- حكمها؟
طالب: الإجابة إلى الوليمة واجبة بشروط.
الشيخ: واجبة بشروط؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وهي؟
الطالب: وهي أن يكون في أول مرة.
الشيخ: هذه واحدة.
الطالب: وأن يكون الداعي مسلمًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: وأن يحرُم هجره.
الشيخ: نعم، مسلمًا يحرُم هجره.
الطالب: نعم، وعيَّنه.
الشيخ: عيَّن مَن؟
الطالب: عيَّن الْمَدْعُوّ.
الشيخ: تعيين المدعو.
طالب: أن لم يكن ثَمَّ منكر.
الشيخ: أن لا يكون ثَمَّ منكر.
الطالب: وعلمنا أنه صَدَر عن صدق، لا عن حياء ولا خجل.
الشيخ: صدق الدعوة، ما هو الدليل على وجوب إجابة الوليمة؟
طالب: الدليل هو قوله عليه الصلاة والسلام: «وَمَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ».
الشيخ: «وَمَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ» .
إذا علم أن في مكان الوليمة منكرًا يستطيع تغييره؟
الطالب: يجب عليه الحضور.
الشيخ: الحضور.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، عَلِّل؟
الطالب: لأمرين؛ الأمر الأول.
الشيخ: لأمرين.
الطالب: الأمر الأول: إجابة الدعوة، والأمر الثاني: تغيير المنكر.
الشيخ: تغيير المنكر، أحسنت.
عَجَزَ عن تغييره؟
طالب: لا يحضر، إذا عجز عن تغييره لا يحضر.
الشيخ: إذا كان يعجز عن تغييره لا يحضر، كذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إذا حضر ثم عَلِمَ به؟
الطالب: إذا حضر ثم عَلِمَ به إن كان يسمعه غيَّره.
الشيخ: يعني يجب أن يزيله؟
الطالب: نعم.
الشيخ: فإن عجز؟
الطالب: انصرف.
الشيخ: إن علم به ولم يَرَهُ ولم يسمعه؟
طالب: له يا شيخ أن يجلس.
الشيخ: يعني يُخَيَّر؟
الطالب: إي نعم، يُخَيَّر بين أنه يطلع ويخيَّر أن يجلس.
الشيخ: بين الجلوس والخروج.
الطالب: نعم.
الشيخ: وهل يَنصح أو لا ينصح؟
الطالب: ينصح يا شيخ على قدر المصلحة.
الشيخ: تمام، فإن لم يُفِد.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: فليخرج.
ما معنى النِّثَار؟
طالب: النِّثَار هو أن يُلْقُوا بدراهم أو ما شابهها على الحاضرين.
الشيخ: نعم، أن يرمي بالدراهم وشِبْهِهَا على الحاضرين، كذا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: حكمه؟
الطالب: مكروه.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: إن كان من الطعام فيُكْرَه لأمرين: لأنه إهانة للطعام.
الشيخ: نعم.
الطالب: والأمر الثاني: لكراهة النِّثَار نفسه.
الشيخ: إي، دناءة يعني؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وإذا كان من غير الطعام؟
الطالب: وإذا كان من غير الطعام فإما أن يكون إسرافًا أو من خَوَارِم المروءة.
الشيخ: نعم.
الطالب: (...).
الشيخ: أحسنت، هل التقسيم على الحاضرين من هذا النوع؟
طالب: التقسيم؟
الشيخ: إي، خرج ومعه حلوى ومعه أشياء وقام يوزِّعها على الحاضرين؟
الطالب: لا، ليس من النِّثَار.
الشيخ: ليس من النِّثَار؟
الطالب: نعم.
الشيخ: هل جائز ولّا غير جائز؟
الطالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، وقد يكون أحيانًا من باب الإكرام.
التقاطه؟
طالب: التقاطه، إذا كان من ذوي الوجاهة فإنه يُكْرَه بالنسبة له، وإلا..
الشيخ: إذا كان من ذوي الوجاهة والشرف يُكْرَه، لماذا؟
الطالب: لأنها دناءة.
الشيخ: وإذا كان من عامة الناس؟
الطالب: فلا كراهة.
الشيخ: فلا كراهة، من أين لك هذا التفصيل والمؤلف يقول: (والتقاطه)، ولم يفصِّل؟
الطالب: التفصيل هذا منّكم يا شيخ.
الشيخ: إي، وكلام المؤلف ويش يقول؟
الطالب: كلام المؤلف عامٌّ.
الشيخ: عامٌّ، إي نعم، والراجح كما قلت أن فيه تفصيلًا، ولكن أنت لحنتَ في قولك: (مِنَّكم)؛ لأن النون هذه إذا شددتها صارت من المنّة، فما الجواب؟
الطالب: الجواب يا شيخ أنك ذو مِنَّة علينا!!
الشيخ: أعوذ بالله، تحريف هذا!!
الطالب: جوابًا سمينًا؟
الشيخ: إي، لكن تحريف.
على كل حال الأمر كما قلنا بالنسبة للالتقاط.
المؤلف يقول: (مَن وقع في حجره فله)، (له)؟
طالب: أي أنه قد حازه.
الشيخ: حازه، سواء نوى أم لم يَنْوِ، يعني سواء نوى بأن مَدَّ حَجْرَه هكذا أو لم يَنْوِ، فإنه إذا وقع فهو له؛ لأنه صار في حوزته، كذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لو أن أحدًا هجم عليه وأخذه بعد أن وقع في حجره؟
الطالب: لا، ليس له ذلك؛ لأنه ثبت إذا وقع حازه فملَكه.
الشيخ: يعني: فعليه الضمان.
الطالب: يضمنه.
الشيخ: عليه الضمان لمن وقع في حجره، صحيح.
يقول المؤلف: (إعلان النكاح سُنَّة)، فما هو القول الراجح في إعلان النكاح؟
طالب: فيه التفصيل.
الشيخ: نعم.
الطالب: إن كان فيه سبب لإخفائه وسبب يعني جيد يُقْبَل في الشريعة، يعني يجوز لهما إخفاؤه.
الشيخ: نعم، إن كان هناك سبب لإخفائه فإنه يجوز إخفاؤه.
الطالب: نعم.
الشيخ: وإن لم يكن سبب؟
الطالب: إذا فعلوه قالوا: هذا يعني إخفاء النكاح.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يجري يعني إخفاؤه.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لا يعرف بسبب إنهم عمدوا هذا.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز.
الطالب: نعم.
الشيخ: إذن على كلامك الآن أن إعلان النكاح واجب إلَّا أن يكون هناك سبب لإخفائه، ما هو السبب؟ مثل أيش؟
الطالب: مثلًا لو كان في بلد في أمريكا كان مسلمان متزوجان، فكان يسبب ذلك شيئًا من الإشكال من أهلهم وأهلهم كفار.
الشيخ: إي.
الطالب: هل ممكن؟
الشيخ: ممكن، يعني مثلًا يقول: مسلم تزوَّج امرأة مسلمة وأهلُها كفار، وأَخْفَاه لأجل أيش؟ ألا يكون مشاكل، ولكن لاحظوا في هذه المسألة لا يزوِّجها أهلُها، يزوِّجها الحاكم أو ذو السلطة في مكانه.
الطالب: نعم.
الشيخ: الدَّف في النكاح سُنَّة أو لا؟
طالب: إي نعم سنة.
الشيخ: سنة، مطلقًا للرجال والنساء؟
الطالب: المؤلف قال: للنساء.
الشيخ: نعم.
الطالب: مُخَصَّص للنساء.
الشيخ: نعم.
الطالب: ورجَّحْتم أنه للنساء وللرجال.
الشيخ: نعم، استحبابه للنساء واضح؛ لأن هذا هو المعروف في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولأنه من إعلان النكاح، لكن للرجال حكمه مكروه ولّا حرام ولّا مباح؟
الطالب: شيخ، قلتم: على حسب العُرف.
الشيخ: إي.
الطالب: إن كان في بلد من العيب أن يضرب الرجال فليس لهم ذلك.
الشيخ: نعم.
الطالب: وإن كان في عُرْفِهم أن الرجال يضربون بالدف فلهم أن يضربوا.
الشيخ: نعم، هذا هو القول الراجح؛ أنه إذا جرت العادة بأن الرجال يضربون بالدف فليفعلوا وإلا فلا، ثم لاحِظ أن المباح أو السنة إذا ترتب عليه مفسدة فإنه يُمْنَع، يعني –مثلًا- لو أن الدَّف للنساء أو للرجال حصل فيه مفسدة كاختلاط بين الناس، وإيذاء للجيران، وما أشبه ذلك، فإنه أيش؟ يُمْنَع، وهذه قاعدة يجب أن تعرفوها؛ أن المباح إذا ترتب عليه مفسدة مُنِع.
انتهى الكلام والحمد لله، وحصل المقصود، وأجاب الإخوة على المناقشة.
طالب: الحفظ بس يا شيخ.
الشيخ: الحفظ، ويش نسوي، لم حفظ؟ المفروض أن الإنسان يحفظ سواء فيه اختبار أو لا، والقاعدة عندنا يا إخوان لأجل ما تشكل على أحد: كل ما كَمَّلنا بابًا فإنه يناقَش، ما يحتاج تنبيهًا، ما هذا هو؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب.
طالب: إلا إذا صار الباب قصيرًا جدًّا.
الشيخ: إي.
الطالب: (...).
الشيخ: صحيح، أو إذا كان طويلًا أيضًا يُقسَم.

***

باب عشرة النساء
01:22:26

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (بابُ عِشْرَةِ النساء).
العِشْرَة مأخوذة من الْمَعْشَر والعشيرة، وما أشبه ذلك، وأصلها في اللغة: الاجتماع.
ومنه: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ» ، يخاطب الجمع، ومنه: العشيرة؛ لأنها مجتمعة على أبٍ واحد، لكن المراد هنا غير المراد في اللغة، المراد بالعشيرة: المعاملة والالتئام بين الزوجين، والمراد بالنساء هنا: الزوجات، وليس عموم الإناث؛ لقول الله تبارك وتعالى: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ [النساء: ٢٣]، أي أيش؟
طلبة: أزواجكم.
الشيخ: أي: زوجاتكم، وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء: ٢٣]، أي: الأزواج. أما قوله: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء: ٢٤]، فالمراد بـالنِّسَاءِالإناث، وعلى هذا فكلمة (النساء) تارة يراد بها الزوجات، وتارة يراد بها عموم النساء، حسب ما يقتضيه السياق، والمراد به هنا الزوجات، يعني: كيف يعاشِر الرجل زوجته؟ وكيف تعاشر المرأة زوجها؟ هذا هو المقصود بهذا الباب.
والحقيقة أنه باب عظيم تجب العناية به؛ لأن تطبيقه من أخلاق الإسلام، ولأن تطبيقه تدوم به المودة بين الزوجين، ولأن تطبيقه يحيَا به الزوجان حياة سعيدة، ولأن تطبيقه سبب لكثرة الولادة؛ لأنه إذا حَسُنَت العشرة بين الزوجين ازدادت المحبة، وإذا ازدادت المحبة ازداد الاجتماع على الجِماع، وبالجِماع يكون أيش؟ الأولاد، فالمعاشَرة أمرها عظيم.
ثم اعلم يا أخي أن معاملتك لزوجتك يجب أن تقدِّر كأن رجلًا زوجًا لابنتك، كيف يعاملها؟ هل ترضى أن يعاملها بالجفاء والقسوة وهي ابنتك؟ أجب يا رجل.
طلبة: لا.
الشيخ: لا، إذن لا ترضى أن تعامل بنت الناس بما لا ترضى أن تعامَل به ابنتك، وهذه قاعدة ينبغي أن يعرفها كل إنسان.
وقد روى الإمام أحمد في مسنده بإسناد لا يحضرني الآن، لكنه سأله رجل عن الزنا؟ فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَتَرْضَى أَنْ يَزْنِيَ أَحَدٌ بِأُخْتِكَ، أَوْ بِنْتِكَ، أَوْ أُمِّكَ؟»، قال: لا، قال: كيف ترضى أن تزني ببنت الناس وأم الناس وأخت الناس ، وهذا مقياس عقلي واضح جدًّا، فكما أن الإنسان لا يرضى أن تكون ابنته تحت رجل يقصِّر في حقها ويهينها ويجعلها كالأَمَة، يجلدها جَلْد العبد، فكذلك يجب أن يعامل زوجته بهذا، لا بالصَّلَف والاستخدام الخارج عن العادة.
وعلى الزوجة أيضًا أن تعامل زوجها معاملة طيبة أطيب من معاملته لها؛ لأن الله تعالى قال في كتابه: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، كمِّل.
الطلبة: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ.
الشيخ: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة: ٢٢٨]، ولأن الله سَمَّى الزوج سيدًا، فقال عز وجل في سورة يوسف: وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ [يوسف: ٢٥]، ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سَمَّى الزوجة أسيرة، فقال: «اتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّهُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ» ، جمع (عانية) وهي الأسيرة.
فعلى كل حال الواجب أن الإنسان إذا كان يحب أن يحيا حياة سعيدة مطمئنة هادئة أن يعاشر زوجته بالمعروف، وكذلك بالنسبة للزوجة مع زوجها، وإلا ضاعت (...) وصارت الحياة حياةَ شقاء.
ثم هذا أيضًا يؤثر على الأولاد يا جماعة، الأولاد إذا رأوا المشاكل بين أمهم وأبيهم سوف يتألمون وينزعجون، وإذا رأوا الألفة فسيُسَرُّون.
فعليك يا أخي بالمعاشرة بالمعروف.
يقول المؤلف رحمه الله: (يَلزمُ الزوجينِ العِشْرَةُ بالمعروفِ).
(يلزم)، بمعنى: يجب، و(الزوجين) يعني: الرجل والمرأة، (العِشْرة) فاعل (يلزم)، يعني: المعاشرة بالمعروف، أي: بما يُعْرَف شرعًا وعُرْفًا، ولاحظ الآن أن العِشْرة هنا بالمعروف يُقْصَد المعروف الشرعي والمعروف العُرْفي، وهذا مما يجب فيه مراعاة الشرع والعرف.
فمثلًا: لو قُدِّر أن الزوجين في مجتمع لا يبالي الرجل أن يطأ امرأته في دُبُرِها –مثلًا-، كما يوجد في بعض المجتمعات، هل يجوز أن يعاشرها هذه المعاشرة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: ليس معروفًا شرعًا.
الشيخ: لأنه غير معروف شرعًا، ولو أراد الرجل من امرأته ما لا يلزمها في العرف بأن قال: كَسِّرِي العَبَس؟ يعني: النوى، كَسَّرَته، كَسِّرِي الحصى؟ كسَّرَته، يجوز يلزمها بهذا؟ لا يجوز.