كتاب النكاح (الشرح الثالث) - 18
عدد الزيارات 1625

عناصر المادة :
باب الخلع

لو أن المرأة التي وُهِبَ لها القَسْم قالت: أنا ما أرضى ترجع، «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» ، فماذا نقول لها؟
نقول: نعم، هو لا يرجع فيما قبضْتِ، لكن ما لم تقبضي -وهو المستقبل- فلها أن ترجع.
(فإن رجعتْ قَسَمَ لها مُستقبَلًا) وعُلِم من قوله: (مستقبَلًا) أنه لا يقضي الماضي، فلو وهبتْ يومَها -يعني قَسْمها- لواحدةٍ وبقي عندها شهرًا كاملًا ثم رجعتْ، في الشهر المستقبل يقسم أو لا يقسم؟
طلبة: يقسم.
الشيخ: يقسم. الشهر الماضي؟
طلبة: (...).
الشيخ: نعم، لا يقضيه؛ لأنها قد وهبَتْه وقُبِل.
قال: (ولا قَسْمَ لإمائِهِ وأُمَّهاتِ أولادِه) لا قَسْمَ واجبٌ لإمائه ولا أمهات أولاده.
الإماء: المملوكات الرقيقات، لا قَسْم لهن؛ فلو كان عنده عشر إماء وصار يجلس عند هذه يومًا وعند الأخرى يومين وعند الثالثة ثلاثة، هل هذا جائز؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: جائز، ودليل هذا قوله عز وجل: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء: ٣]، وهذا صريح، هذه الآية صريحة في أنه لا يجب العدل بين أيش؟ بين الإماء.
أُمَّهاتُ الأولادِ: هنَّ اللاتي أتَيْنَ من سادتِهِنَّ بولدٍ قد تبيَّن فيه خلْق إنسانٍ سواء وُلِد حيًّا أو ميتًا. يعني أن الرجل إذا جامع أَمَته فولدتْ ما تبيَّن فيه خلْق إنسانٍ صارت أُمَّ ولد، فإن وَلَدتْ دون ذلك؛ أي: وَلَدتْ مُضغةً لم يتبيَّن خَلْقها فليستْ أُمَّ ولد؛ لاحتمال أن تكون هذه المضغة مجرد لحمٍ ما دام لم يتبيَّن فيها خلْق إنسان.
طيب، ما الفرق بينها وبين الإماء اللاتي لم يَلِدْنَ من سادتهن؟
الفرق أن أُمَّ الولد لما أتتْ بالولد انعقد فيها سبب الحرية، ولذلك لو مات هذا الرجل عن أُمِّ ولده عَتَقَتْ، ولو مات عن رقيقته لم تَعْتق.
ثم هناك أيضًا: هل يجوز بيع أمهات الأولاد أو لا يجوز؟
في ذلك خلافٌ بين العلماء، وأكثر العلماء على أنه لا يجوز بيع أمهات الأولاد.
(وأمَّهاتِ أولادِه، بل يَطَأُ مَنْ شاءَ متى شاءَ). بقي واحد هو أيش؟ وأين شاء. (يَطَأُ مَنْ شاءَ) مِن أمهات الأولاد أو الإماء. (متى شاءَ) هذا بالزمن صباحًا أو مساءً أو ظُهرًا أو عصرًا. (أين شاء) المكان؛ في أيِّ مكان، إلا المكان الذي يحرم فيه الجماع فهذا معلوم لا يجوز له ولا لغيره؛ كالمسجد مثلًا.
طيب، هل له أن يجامعها في الطائرة؟ أجيبوا يا جماعة.
طالب: لا.
طالب آخر: إذا كان في غرفة.
الشيخ: نعم؟ أيش؟
طالب: إذا الطيارة خاصة يا شيخ يجوز.
الشيخ: إي، خاصة ما فيها إلا هو وهي؛ يعني سيد وأَمَة، فهذا صحيح، أو هناك مكان خاص؛ قد يكون بعض الطائرات يكون فيه غرفة خاصة مثلما فيه غرفة لقضاء الحاجة، هذا لا بأس به.
طيب، إذَن نقول: (يَطَأُ مَن شاء) هذا باعتبار أعيان الإماء، (متى شاء) باعتبار أيش؟ الزمن، (أين شاء) باعتبار المكان، إلا المكان الذي يُمنع فيه الجماع.
(وإنْ تزوَّج بِكرًا أقامَ عندها سَبْعًا ثم دارَ، وثَيِّبًا ثلاثًا).
إذا تزوج الإنسانُ بِكرًا فهُنا قَسْم ابتدائي، يقسم لها هي سبع ليالٍ؛ إذا تزوج ليلةَ السبت يبقى عندها إلى كم؟ إلى آخِر يوم الجمعة، سبعةَ أيام تمام الأسبوع، وهذا وجوبًا، وهذا من حكمة الله عز وجل ورحمته؛ وذلك لأن البكر أشدُّ حياءً من الثيِّب، فتحتاج إلى طول المقام معها من أجْل أن تطمئنَّ وتزول وحْشتُها وتألف الزوج، هذا من وجْه.
من وجْهٍ آخر بالنسبة للزوج؛ رغبة الزوج بالبكر أقوى من رغبته بالثيِّب، فأُعطِي مُهلةًَ يقضي نهمته فيها، فكان هذا حكمةً مطابقةً لحال الزوج وحال أيش؟ حال الزوجة.
طيب، هل يُلحق بذلك مَن زالتْ بكارتها بغير الجماع؛ كسقوطٍ من عمود أو سقوطٍ على شيء أزالَ بكارتها؟
الجواب: نعم يُلحق، مَن زالت بكارتها بغير الوطء فإنها تُلحق بالبكر.
الثيب يبقى عندها ثلاثة أيام ثم يَقْسم. وإذا كانت عجوزًا؟
طالب: (...).
الشيخ: ولا عجوزًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، ولا عجوزًا؛ لأنه لم يتزوجها إلا لرغبته فيها، ولا يكفيه أن يبقى ليلةً ثم ينصرف.
واعتبار الثلاث كثيرٌ في الشريعة، واعتبار الأسبوع أيضًا له نظائر؛ فالعقيقة تكون في اليوم السابع، وهذا من حكمة الله عز وجل.
الثيب يُقيم عندها ثلاثًا ثم يقسم.
قال: (وإنْ أحَبَّتْ سَبْعًا فَعَلَ وقضى مِثْلَهُنَّ للبَواقِي).
إن أحبَّتْ أن يبقى عندها سبعًا فإنه يفعل؛ يعني يُقيم عندها سبعًا ويقضي للبواقي سبعًا، كلُّ واحدةٍ سبع، ما يقضي أربعًا، يقضي سبعًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خيَّرَ أمَّ سلمة لَمَّا تزوجها وقال لها: «إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ هَوَانٌ عَلَى أَهْلِكِ» -لَمَّا أتمَّ ثلاثة أيام- «فَإِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي» .
طيب، ما الذي تختاره الزوجة: أن يُقيم ثلاثًا ثم يقسم، أو سبعًا؟
طلبة: الأول؛ ثلاثًا ويقسم.
الشيخ: لا، لا تُطلقوا هكذا، بل فيه تفصيل؛ قد تختار سبعة أيام لأنها تعرف أن عادتها في الحيض سبعة أيام، وباقٍ عليها سبعة أيام، وليس عنده إلا زوجة واحدة، تقول: إذا راح لزوجته هذه فهي سبعة الأيام في حيض، فتختار أيش؟ تختار السبعة، إذَن لا تُطلِق تقول: الثلاث هو خيارها، بل قُل: في ذلك تفصيل.
طيب، وهل إذا اختارت التسبيع أو التثليث وخالفها الزوج، هل يُرجع إلى الزوج أو إليها؟ يُرجع إليها؛ لأنه قال: (وإنْ أحبَّتْ سبعًا فعل)، والدليل أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خيَّر أمَّ سلمة فجعل الخيار لها.
وهذا .. قد يسأل السائل: لماذا جُعِل الخيار هنا للمرأة مع أن الزوج قد يكون مشتاقًا إلى الزوجات الأُخريات ولا يصبر عنهن لمدة أسبوع؟
قلنا: هذا لأن المرأة قد لا تطمئن الاطمئنان الكامل إلى معاشرة هذا الزوج الجديد، فتريد أن تبقى معه زيادة أيام حتى تألفه، فلهذا جُعِل الخيار هنا بيد الزوجة لهذه العلة، وإلا لكان الزوج هو المالك وهو السيد، لكن لهذه العلة جُعِل الأمر إلى خيار المرأة.

***

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصلٌ في النُّشُوز).
قال: (النُّشُوز مَعصيتُها إيَّاُه) أي: الزوج (فيما يجبُ عليها) هذا ضابط.
النشوز أصله من النشز؛ وهو الارتفاع، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أسفاره إذا علا نَشَزًا كبَّر . ومناسبة المعنى للمحسوس ظاهرة؛ لأن المرأة تترفَّع على الزوج وتعصيه فيما يجب عليها، ولهذا قال: (معصيتُها إيَّاه فيما يجب عليها) هذا هو النشوز.
ولكن لا بد أن نعرف ما يجب عليها، الواجب عليها المعاشرة بالمعروف. فإذا قُدِّر أن الزوج نفسه لا يقوم بواجبه؛ يعني هو ناشز، فهل لها أن تنشز؟
الجواب: نعم، لها أن تنشز بدلالة القرآن؛ قال الله عز وجل: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل: ١٢٦]، وقال تعالى: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة: ١٩٤]، ولا يمكن أن نُقيمها على القيام بحقِّه مع أنه لا يقوم بحقِّها.
طيب، ثم ضرب المؤلف أمثلة لهذا، (فيما يجبُ عليها) ويش بعده؟
طالب: (فإذا ظَهَرَ منها أَمَاراتُه).
الشيخ: (فإذا ظَهَرَ منها أَمَاراتُه) أي: علامات النشوز؛ أي: تبيَّن (...).
(بأنْ لا تُجيبَهُ إلى الاستمتاعِ) يعني طَلَبَها يستمتع بها وقالت: لا، هذه ناشز.
-يا بنت الحلال؟
-قالت: أبدًا؛ أنا عندي درس، مراجعة، واجب.
ماذا نقول؟
نقول: إن كانت قد اشترطتْ عليه أن تبقى في التعلُّم فهي غير ناشز؛ لأن التعلُّم له مستلزمات لا بدَّ أن تفي بها، أمَّا إذا كانت تريد أن تماطل في حق الزوج فإنها ناشز.
كذلك (أو تُجِيبُهُ مُتَبَرِّمَةً أو مُتَكَرِّهَةً)، تجيبه للاستمتاع لكن يظهر عليها أثر الملل والتبَرُّم والتَّكَرُّه؛ إمَّا بهيئتها بأنْ تجيء مسترخية تمشي خطوة وترجع خطوة، وإمَّا بكلامها بأن تقول ما تقول. المهم أننا إذا رأينا أن المرأة ما تجيب إلا بإلحاح متبرِّمة متكَرِّهة فهذه ناشز، والنساء لهن عواطف ما يعرفهن إلا إنسان ذكي قوي المراقبة. ذُكر أن رجلًا..
طالب: فيه سؤال، لكن أنا متحرِّج منه وما أدريه.
الشيخ: إن الله لا يستحيي من الحق.
الطالب: شيخ، ما فهمت ويش هي البكارة يعني، شيء يعني قطعة ولَّا أيش؟
الشيخ: هذه -سلَّمك الله- تعرفها إن شاء الله أول ليلة (...).
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، أحسن الله إليكم، قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء: ٣] طيب، لو اشترى عشر إماء هل له أن يَقْسم لهن ويترك واحدة أو ثنتين مثلًا؟
الشيخ: نعم، له أن يباشر مَن شاء منهن ويترك الباقي.
الطالب: طيب، الزوج الآن هو إنما ترك التزوُّج لخوف عدم العدل، فهنا جار على الواحدة.
الشيخ: إي، العدل بين مَن يجب العدل بينهن.
الطالب: العدل (...).
الشيخ: ما هو، هذا آخَر، إماء اللي عنده.
الطالب: إي.
الشيخ: الزوجة -يأتيها كما قلنا فيما سبق- من كل أربعة أيامٍ يومًا، أو على القول الراجح حسب العُرف، لا بد.
الطالب: نعم يا شيخ، لكن الإماء الآن؟
الشيخ: لا، الإماء ما عليه قَسْم لهن.
الطالب: زين، لكن يأتي سيد مثلًا يتمتع بالإماء (...).
الشيخ: لا، ما يخلِّيها، هذه لا بد إمَّا كما قال الفقهاء: ليلة من أربع، وإلا على العُرف.
طالب: شيخنا حفظك الله، بالنسبة لقولنا: الحرة، هل يدخل فيه الكافرة؟
الشيخ: إي نعم، اللي من أهل الكتاب يعني.
الطالب: إي نعم، إذا كان عنده زوجات بعضهن مسلمات وبعضهن من أهل الكتاب فهل يجوز..؟
الشيخ: يجب العدل بينهن.
الطالب: يجب أن يعدل بينهن؟
الشيخ: نعم.
الطالب: طيب، الآن بعض النساء إذا أحسَّت بالحمل هجرتْ فراش زوجها وقت الحمل كله.
الشيخ: ما يجوز.
الطالب: ما تستطيع هي، لو أتته تتقيأ يا شيخ.
الشيخ: المعروف أن هذا ما هو بيأتي النساء في كل الحمل، يأتيها في الشهر الرابع أو ما قارب، تكره الزوج.
الطالب: بعضهم طوال فترة الحمل.
الشيخ: على كل حال هذا شيء مثل المرض، يجب عليه أن يراعيها.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، هناك عادة في بعض البلاد إذا تزوج الرجل لم يخرج إلى الشارع أسبوعًا كاملًا، فإذا خرج صار هذا وصمة عار في وجهه في عادة الناس هذه.
الشيخ: ما يخرج للشارع؟
الطالب: ما يخرج، حتى صلاة الجماعة ما يخرج إلى الصلاة.
الشيخ: ولا يطلب الرزق.
الطالب: لا يخرج أبدًا.
الشيخ: سبحان الله!
الطالب: أسبوعا كاملا ما يطلع من باب البيت.
الشيخ: أيُّ عُرفٍ هذا؟!
الطالب: في بعض البلاد.
الشيخ: أيُّ بلادٍ هذه؟
الطالب: في مصر.
الشيخ: ما أظن هذا، يمكن في بعض القبائل.
الطالب: نعم، بعض القبائل.
الشيخ: على كل حال هذا غلط، ويجب أن يُقضى على هذه العادة السيئة، لا سيما أنه سيترك الجماعة مثلًا، ما يجوز.
نحن عندنا في عُرفنا أن الرجل إذا صلى الفجر مع الجماعة ليلة الزواج فهذا يعني أنه أعلن عدم الرغبة في الزوجة، ولهذا يقول: لازم تصلي الفجر عند زوجتك ولَّا في بيتك، المهم لا تظهر للناس. لكن الحمد لله هذه العادة الآن تكاد يُقضى عليها.
الطالب: (...).
الشيخ: زالت (...).
الفقهاء رحمهم الله قالوا: إن الإنسان يُعذر بترك الجماعة إذا كان ينتظر العروس تُزفُّ إليه؛ لأنه في عادتهم أن الزوج يبقى في بيته ويؤتى بالزوجة إليه وتُدَخَّل عليه، لكن هذه أظن ما هي موجودة.
طلبة: (...).
طالب: (...) عندنا.
الشيخ: موجودة؟
الطالب: عندنا.
الشيخ: عندكم؟
الطالب: إي نعم.
طالب: عند القبائل يا شيخ.
الشيخ: يعني الزوج يبقى في بيته ويؤتى بالزوجة إليه؟
طالب: نعم، الزوجة تأتي الزوج.
الشيخ: لهذا الفقهاء قالوا: إذا كان ينتظر الزوجة فهو معذورٌ بترك الجماعة. لكن القول الصحيح أنه غير معذور، بدل ما يقول: الموعد الساعة مثلًا الواحدة والنصف، يقول: الوعد ثنتين ونصف، ما فيه مشكلة.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، هل يجوز للمرأة الحائض أن (...)؟
الشيخ: إي، لا بأس إذا رضي الزوج، إذا رضي بهذا الزوجُ فلا حرج.

***

طالب: (...) رحمه الله تعالى في الفصل الأخير من باب عِشرة النساء: فإذا ظهرَ منها أَمَاراتُهُ بأن لا تُجيبه إلى الاستمتاع أو تُجيبه مُتبرِّمةً أو مُتكرِّهةً وعَظَها، فإن أصرَّتْ هَجَرها في المضجع ما شاء.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
حاصل ما سبق من عِشرة النساء أن الواجب على كلٍّ من الزوجين أن يعاشر الآخَر بالمعروف ما لم يكن المعروف منكرًا في الشرع، فإنه لا يعاشرها عليه، كما لو كانوا في مجتمعٍ يبيحون وطءَ النساء في أدبارهن، فإن ذلك لا يجوز؛ لأن الحكم الشرعي مقدَّم على الحكم العرفي.
وكذلك أيضًا ينبغي أن يصبر كلٌّ من الزوجين على الآخَر فيما نقص من حقه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حثَّ على ذلك وقال: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا خُلُقًا آخَرَ» ، وأخبر أن النساء خُلِقْنَ من ضِلَعٍ، وأن أعوج شيءٍ في الضِّلَع أعلاه، وأنه إن ذهب الإنسان يُقيمها كَسَرها -وهو الطلاق- وإن استمتع بها استمتع بها على عِوَج . فالمهم أن يكون كل واحدٍ من الزوجين على باله هذا الأمر.
ثم إن الصبر على أذى من يُعرَف خير من الدخول فيما لا يعرف؛ يعني أنت مثلًا إذا قُدِّر أنك طلَّقت المرأة هذه لكراهة شيء فيها، هل تضمن أنك تتزوج امرأة تكون خيرًا منها؟ لا، ولهذا قال الحكماء: الصبر على ما يُعرَف خيرٌ من استقبال مَن لا يعرف. وهذه حكمة، يعني: لا تقدِّم رِجلًا حتى تعرف كيف تخرج.
ثم ذكر فصل النشوز، النشوز يكون من الزوج ويكون من الزوجة، من كليهما كما جاء في القرآن؛ قال الله عز وجل في نشوز الزوج: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًاعلى أيِّ وجهٍ كان هذا الصلح، حتى بالفراق وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء: ١٢٨].
أما نشوز المرأة فقال تعالى: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ [النساء: ٣٤].
فإن قال قائل: إن الله فرَّق في الحكم بين نشوز الزوج ونشوز الزوجة؛ نشوز الزوجة أمر بوعظها، ونشوز الزوج أمر بالإصلاح؛ قال: لَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًايعني أنه إذا أصلح فهو خيرٌ لأنه قال: الصُّلْحُ خَيْرٌ؟
فالجواب: نعم، التفريق حكمة؛ وذلك لأن الزوج له سُلْطة على زوجته، فإذا خاف نشوزها فأيش؟ يعظها ويهجرها ويضربها، لكن الزوجة ليس لها سلطان على الزوج، فما بقي إلا؟ أجيبوا.
طلبة: الصلح.
الشيخ: إلا الإصلاح، ولذلك صار الفرق بين هذا وهذا.
المرأة إذا نشزت، يقول المؤلف رحمه الله: (النُّشوزُ: مَعصيتُها إيَّاهُ فيما يجبُ عليها).
طيب، إذا كان نشوزها ردًّا لنشوزه؛ بمعنى أنه لم يقُم بواجب حقِّها فأرادت ألَّا تقوم بواجب حقه، فهل هي معذورة أو مأزورة؟
الجواب: معذورة؛ لأن الله تعالى قال في كتابه العزيز: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة: ١٩٤]، وقال: إِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل: ١٢٦]، لكن إذا كان الرجل مستقيمًا وظهر منها علامات النشوز بألَّا تجيبه إلى الاستمتاع؛ يعني إذا طلب منها أن يستمتع بها أبتْ؛ قالت: عندي شغل، فهذا نشوز؛ لأن الواجب أن تطيعه، إلا إذا كان عليها ضرر، وإذا كان عليها ضررٌ حَرُم على الزوج في هذه الحال أن يدعوها إلى الاستمتاع؛ لأنه بين أمرين: إما أن تجيب على وجهٍ يضرُّ بها، أو لا تجيب فتكون عاصية.
(أو تُجيب) يعني: تجيب إلى الاستمتاع لكن (متبرِّمة أو متكرِّهة).
(متبرِّمة) يعني بتثاقل لا بانقياد، (متكرِّهة) يظهر منها كلام يدل على كراهيتها لذلك، فهذا نشوز.
يقول: (أو متكرِّهة)، ويش بعدها؟
طلبة: (وعَظَها).
الشيخ: (وعَظَها). الموعظة هي التذكير بما يُرَغِّب أو يُخَوِّف، فيعظها بذكر الآيات الدالة على وجوب العشرة بالمعروف، بذكر الأحاديث المحذِّرة من عصيان الزوج؛ مثل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» ، وأمثال ذلك، فيعظها أولًا، وإذا استجابت للوعظ خيرٌ من كونها تستجيب للوعيد؛ يعني: خيرٌ من كونه يقول: استقيمي وإلا طلَّقتُك، كما يفعله بعض الجهال، تجده يتوعَّدها بالطلاق، وما عَلِم المسكينُ أن هذا يقتضي أن تكون أشدَّ نفورًا من الزوج أن يهدِّدها بالطلاق، كأنها شاة إن شاء باعها وإن شاء أمسكها. لكن الطريق السليم أن أيش؟
طلبة: يوعِّيها.
الشيخ: أن يعظها، يذكِّرها بآيات الله عز وجل حتى تنقاد امتثالًا لأمر الله عز وجل.
طيب (وَعَظها)، هذه المرتبة الأولى، فإن امتثلت وعادت إلى الطاعة فهذا المطلوب، وإلا يقول المؤلف: (فإنْ أصرَّتْ هَجَرها في المضجع ما شاء).
(هَجَرها) أي: تركها (في المضجع)، وتَرْكها في المضجع على وجهين، بل على ثلاثة:
الوجه الأول: ألَّا ينام في حجرتها، وهذا أشد شيء.
الثاني: ألَّا ينام على الفراش معها، وهذا أهون من الأول.
الثالث: أن ينام معها في الفراش ولكن يُلقيها ظهرَه ولا يحدِّثها، وهذا أهونها.
كل هذا له، لكن هل يبدأ بالأهون فالأهون؟
الجواب: نعم، يبدأ بالأهون فالأهون؛ لأن ما كان المقصود به المدافعة، فالواجب البداءة بالأسهل فالأسهل، كما قُلنا في الصائل عليه: إنه لا يعمد إلى قتله من أول مرَّة، بل يدافع بالأسهل فالأسهل، فإن لم يندفع إلا بالقتل قتله.
إذَن الهجر ثلاثة أقسام؟
طالب: الأول -وهو أشدُّها-: ألَّا ينام في هجْرها في نفس الغرفة.
الشيخ: نعم، ألَّا ينام في غرفتها. الثاني؟
الطالب: الثاني: أن ينام في نفس الغرفة لكن ليس على الفراش معها.
الشيخ: تمام، في نفس الغرفة ليس على الفراش. الثالث؟
الطالب: الثالث -وهو أخَفُّها-: أن ينام معها على الفراش ولكن يعطيها ظهره.
الشيخ: تمام، كل هذا هجْر.
وقول المؤلف: (في المضجع ما شاء) ليس على إطلاقه، بل المقصود أن يهجرها حتى تستقيم حالها، ربما تستقيم حالها في ليلة أو ليلتين، وربما لا تستقيم إلا بشهر، المهم أن قوله: (ما شاء) مقيَّد بما إذا بقِيَتْ على نشوزها، فالحكم يدور مع عِلَّته، والتأديب يرتفع إذا استقام المؤدَّب، فإذا استقامت حين هجرها أسبوعًا الحمد لله، ما له يزيد؛ لأن هذا مثل الدواء يتقيَّد بأيش؟
طالب: بالحاجة.
الشيخ: بالداء، متى شُفِيَ الإنسان ما يستعمل الإنسان الدواء؛ يكون ضررًا.
إذن قوله: (ما شاء) أيش؟ مقيَّد ولَّا غير مقيَّد؟
الطلبة: مقيَّد.
الشيخ: مقيَّد بما إذا دام النشوز، وإلا وجب عليه قطْع الهجر ورفْع الهجر إذا استقامت.
(وفي الكلام ثلاثةَ أيامٍ) يهجرها في الكلام ثلاثة أيام، ولا يزيد على هذا.
دليلُ الأول (يهجرها في المضجع ما شاء): قوله تعالى: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ [النساء: ٣٤]، ولم يقيِّد.
في الكلام يقيَّد بثلاثة أيام؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» .
طيب، له أن يهجرها يومين؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يومين. ثلاثة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم. زيادة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا.
ويزول الهجر بالسلام، فإذا دخل البيت وهي موجودة عند الباب أو في الصالة القريبة وقال: السلام عليكم، زال الهجر. وإذا قال: كيف أصبحتِ يا أمَّ عبد الرحيم؟ يكفي ولَّا ما يكفي؟
طالب: يكفي.
الشيخ: يكفي؛ لأنه كلَّمها.
طيب، إذَنْ يبقى على رأس كل ثلاثة أيام يُسَلِّم مرَّة، في هذه الحال سوف تتفجَّر المرأة غيظًا ويحصل الأدب.
(فإن أصرَّتْ ضَرَبَها غيرَ مُبرِّح) أي: ضربًا غير مبرِّح؛ لقول الله تبارك وتعالى: وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء: ٣٤].
لكن لو قال قائل: إن الله عز وجل قال: عِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء: ٣٤]، فذكرها بالواو الدالة على الاشتراك وعدم الترتيب.
فالجواب: تقديم الشيء يدل على الترتيب في الأصل، ولهذا لما قال الله عز وجل: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة: ١٥٨] قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» ، وكذلك قال الفقهاء في قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة: ٦٠] قالوا: نبدأ بالفقراء لأنهم أشد حاجة.
فعليه نقول: إنَّ الله وإنْ ذكر هذه الثلاث المراتب بالواو فإن المعنى يقتضي الترتيب؛ لأن الواو لا تمنع الترتيب، لكنها لا تستلزمه.
فعليه نقول: المسألة علاج ودواء، فنبدأ بالأخف؛ الموعظة، ثم الهجر في المضاجع ويضاف إليه الهجر في المقال، الثالث: اضْرِبُوهُنَّ [النساء: ٣٤].
الآية مطلقة: اضْرِبُوهُنَّ، لكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في حجة الوداع في حق النساء وحق الرجال، قال: «لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلَّا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ» . وإذا كانت هذه المسألة الكبيرة تُضرب فيها المرأة ضربًا غير مبرِّح، فما بالك في النشوز؛ يكون أَوْلى ألَّا يكون الضرب مبرِّحًا، وعلى هذا فمطلق الآية يُقيَّد بالقياس على ما جاء في الحديث فنقول: ليس الضرب كما يريد؛ يعني مثلًا يجيب مثلًا خشبة زي الذراع ويضربها، مع أنه يمكن يضربها بسوط زي الأصبع، ماذا نقول؟ أخطأ أو أصاب؟
طلبة: أخطأ.
الشيخ: أخطأ لا شك، لا شك أنه أخطأ، فيضربها ضربًا غير مبرِّح.
طيب، وهل يجوز أن يضربها في الوجه؟ لا، في الْمَقاتل؟ لا، فيما هو أشدُّ ألَمًا؟ لا؛ لأن المقصود هو أيش؟ هو التأديب.
طيب، العدد كم من مرة؛ مئة، مئتين، عشرة، عشرين؟ ما يحصل به المقصود ولا تتضرَّر به المرأة؛ لأن هذا يا إخواني للتأديب. الفقهاء رحمهم الله يقولون في العدد: لا يزيد على عشر جلدات، مستدلِّين بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» ، لكن الحديث: «فِي حَدٍّ» ليس المراد بالحد العقوبة كحد الزنى مثلًا، المراد بالحد تَرْك الواجب أو فِعْل المحرم؛ لأن الله سَمَّى المحرَّمات حدودًا فقال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا [البقرة: ١٨٧]، وسَمَّى الواجبات حدودًا فقال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا [البقرة: ٢٢٩]، فالصواب أن المراد بالحديث: «لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ» أن المراد بالحدِّ هنا الحدُّ الشرعيُّ وليس الحدَّ العقوبيَّ؛ حد العقاب، فإذا كانت لا تتأدَّب إلا بعشرين جلدة نضيف إليها عشرًا أخرى، لكن نرجع إلى القيد الأول: وهو أن يكون غير مبرِّح.
طيب، فإن لم يُفِد؟ يعني وَعَظها ثم هَجَرها ثم ضَرَبها ولا فائدة، فماذا نصنع؟
قيل: إنه إذا كان التعدِّي منها، تُسْكن هي وزوجها بقرب رجُلٍ ثقةٍ أمينٍ يراقب الحال ويعرف أيهما الذي أساء إلى صاحبه.
ولكن هذا ليس بصحيح؛ أولًا: أن هذا لم يَرِد لا في الكتاب ولا في السنة. وثانيًا: أن مهما كان في الرقابة لا يمكن أن يكون عندهما في الحجرة مثلًا، فهو عملٌ لا فائدة منه، وهو عملٌ ليس له أصلٌ في الشرع؛ يعني إسكانهما عند الثقة هذا لا أصل له.
لكن هنا طريقة ذكرها الله في القرآن؛ قال: إِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا [النساء: ٣٥]، شوفوا المسألة يا إخواني مهمة؛ ابْعَثُواالخطاب للأمَّة كلها، كل الأمَّة مسؤولة عن هذين الزوجين، يتنازعان، الإسلام لا يريد أن يقع النزاع بين أحد: ابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَايعني رجُلين حَكَمين.
ومن المعلوم أنه يُشترط في الحكَم أن يكون عالمًا بالشرع عالمًا بالحال؛ يعني ذا خبرة وأمانة، فهل يمكن أن يأتي بابن عمِّها وابن عمِّه اللذينِ لا يعرفان كيف يأكلان ليكونا حَكَمين؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش يا جماعة؟
طالب: لا، ما يصلح.
الشيخ: ليش؟
الطالب: ما يعرفون الشرع.
الشيخ: ما يعرفون الشرع، وإذا كانوا يعرفون الشرع، عندهم عِلْم، لكنهم غُفل عن أحوال الناس مشتغلون بتعلُّمهم، ما يعرفون شيئًا عن حال قريبتهم ولا قريبهم. هل يصح أن نجعلهما حكمًا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ ما يعرفون الحال، كيف يكونان حكَمين! ولهذا كان من المهم في القاضي أن يكون عارفًا بأحوال الناس الذين يقضي بينهم.
طيب، إذَن الحاكم لا بد فيه من العدالة حتى نأمن الحيف، ولا بد أن يكون عالمًا بالشرع وأيش؟
طلبة: وبالحال.
الشيخ: وبالحال.
طيب، هذان الحكمان هل هما حَكَمان مستقلَّان، أو هما وكيلان للزوجين؛ بمعنى أن نقول إذا ألَّفنا رجلين: وكِّلي أنتِ هذا اللي من قرابتكِ، وأنتَ هذا الذي من قرابتكَ، أو نقول: هما حكمان مستقلَّان؟
في ذلك قولان:
القول الأول: أنهما وكيلان للزوجين، وعلى هذا لا بد أن توكِّل المرأةُ قريبَها والرجلُ قريبَه.
والثاني: أنهما حكَمان مستقلَّان، هما يفعلان ما شاءا، يجمعان أو يفرقان بعِوَض أو بغير عِوَض.
أيُّ القولين ظاهر القرآن: أنهما مستقلَّان أو وكيلان؟
طالب: مستقلَّان.
الشيخ: أنهما مستقلَّان؛ لم يقُل الرب عز وجل: فإنْ خفتم شقاق بينهما فليوكِّلا مَن يقوم مقامهما، لا، قال: فَابْعَثُوا، والخطاب كما قلت لكم: للأمَّة للعناية بهذا الأمر، حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِأقاربه، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَاأقاربها.
وماذا على الحكَمين؟ هل يجوز للحكَمين أن يريد الإنسان الانتصار لنفسه وقريبه؟
الجواب: لا، إنْ أرادا ذلك فلا توفيق بينهما، لكن ماذا يريدان؟ اسمع للآية الكريمة: إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا [النساء: ٣٥]، سبحان الله العظيم! إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًاأي: الحكَمان، يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَاأي: بين الحكَمين أو بين الزوجين؟
طلبة: الجميع.
الشيخ: الجميع، يوفِّق الله بين الحكَمين فيتَّفق الرأي؛ لأنه لو تنازع الحكَمان كل واحد له رأي ما استفدنا شيئًا، لكن مع إرادة الإصلاح يوفِّق الله بينهما، فيتفق الحكَمان على شيء، أو يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَاإنْ حكم الحكَمان بأن يَبْقيا في دائرة الزوجية، فإن الله يوفِّق بين الزوجين من بعد العداوة، فالآية تحتمل هذه وهذه، ويصح أن يُراد بها الجميع فيقال: إن أراد الحكَمان الإصلاح وفَّق الله بينهما وجعل قولهما على قولٍ واحدٍ واتَّفَقا.
ثانيًا: إذا كانا أرادا الإصلاح وحَكَما بأن تبقى الزوجية فإن الله يوفِّق بين الزوجين.
فصارت المراتب: وعْظ، هَجْر، ضَرْب، إقامة الحكَمين؛ أربع مراتب.
وأمَّا المرتبة التي قبل إقامة الحكَمين وهي الإسكان عند ثقة فهذه لا أصل لها ولا دليل لها ولا فائدة منها، فتكون المراتب أربعًا لا خمسًا.

***

يقول المؤلف رحمه الله: (باب عِشْرة النساء)، فما معنى العِشرة؟ يعني معاملة الزوجين كل واحدٍ منهما الآخر.
طيب، هل المعاشرة بالمعروف واجبة؟
طالب: نعم.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: قول الله عز وجل: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء: ١٩].
الشيخ: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ.
طيب، يرى المؤلف رحمه الله أنه لا يلزمه أن يبيت عند الحرة إلا ليلةً من أربع، فما وجه ذلك؟
طالب: لأن الله عز وجل أكثر ما أباح للرجل أن يتزوج بأربع، فيجب عليه واحدة فقط من أربع، كأنما عنده أربع نساء.
الشيخ: إي، لأن الله أباح له أن يتزوج أربعًا، فإذا تزوج واحدة بقي حق الثلاث. طيب، هل هذا وجيه؟
طالب: لا، ليس بوجيه.
الشيخ: ليس بوجيه.
الطالب: لأن هذا مخالف لقول الله عز وجل: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ.
الشيخ: لمخالفته قوله تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، ولأن المفروض ليس كالواقع، هو الآن لم يتزوج حتى نقول: هذا أمر ضروري ألَّا يبيت عندها إلا ليلة، هذا الأمر مفروض.
طيب، يرى المؤلف رحمه الله أنه لا يجب على الزوج أن يطأ إلا في كل أربعة أشهر مرة، ماذا تقول في هذا الرأي؟
طالب: يا شيخ يعني يطأها حسب ما يأتيها بالمعروف، ما هو لازم، قد يكون أقل من أربعة أشهر.
الشيخ: يعني بالمعروف، وهذا يختلف باختلاف الأحوال واختلاف الزوجين شبابًا وشِيبًا.
طيب، ما وِجهة هذا النظر أنها أربعة أشهر؟ يعني ما وجهة هذا الرأي؟
الطالب: لأن المجاهد لو..
الشيخ: المجاهد؟!
الطالب: المسافر.
الشيخ: لا، ما يسافر هذا.
طالب: لأن الله حدَّد للذي آلَى من نسائه أربعة أشهر.
الشيخ: لأن الله حدَّد للذين يُؤْلون من نسائهم أربعة أشهر. طيب، كيف نُجيب عن هذا؟
طالب: نُجيب عن هذا أن الإيلاء ليس.. هذا قياس لا يصح.
الشيخ: طيب، يعني الآية؟
الطالب: الآية في الإيلاء.
الشيخ: في الإيلاء.
الطالب: لما أقسم ألَّا يطأ، فجعلت له الشريعة حدًّا أربعة أشهر حتى يتراجع، وإلا يُطلَّق عليه.
الشيخ: إي، وأمَّا غير الْمُؤلِي؟
الطالب: وأما غير الْمُؤلِي ليس (...) هذا الحد.
الشيخ: فلا مانع له، لم يُقسِم حتى نقول: فيه مانع.
طالب: نقول: إن الإيلاء هذا لا يكون إلا في حال الضرورة، وأما..
الشيخ: لأن الإيلاء يعني (...) ضرورة؛ لأنه آلى، أمَّا لمن لم يؤلِ فلا حُجة له.
طيب، قال المؤلف رحمه الله: إنه يُكره أن يطأ زوجته بمرأى أحد. ماذا تقول في هذا الرأي؟
طالب: ليس بصواب.
الشيخ: ليس بصواب، لماذا؟
الطالب: السؤال مرة أخرى أحسن الله إليك.
الشيخ: أجبتَ عنه! يُكره أن يطأ زوجته بمرأى أحد؛ المؤلف يرى أنه يُكره، وأن الإنسان لو أتى أهله وعنده نساء أو رجال فلا بأس.
الطالب: الصواب التحريم.
الشيخ: طيب، لكن لماذا؟ كلام المؤلف ويش حُجته؟
الطالب: لأنه لا يراه مانعًا.
الشيخ: كيف لا يراه مانعًا!
الطالب: قد سترا عورتيهما من الناظر .
الشيخ: لكن سبحان الله العظيم! يُشاف الرجَّال راكبًا على المرأة نقول : مكروه؟!
طيب، ما رأيك أنت، التحريم ولَّا الكراهة؟
الطالب: التحريم.
الشيخ: التحريم. ما هو الدليل؟
الطالب: لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى الْمَرْأَةِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» .
الشيخ: «إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى الْمَرْأَةِ»؟
الطالب: «وَتُفْضِي إِلَيْهِ».
الشيخ: « وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ»؟
الطالب: «يَنْشُرُ سِرَّهَا».
الشيخ: نعم، «ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا».
الطالب: فإذا كان الكلام أو وصْف حال الجماع محرَّمًا، فمن باب أَوْلى..
الشيخ: أن يُرى، إي، بارك الله فيك، صحيح. وعلى هذا نقول: التحدث به، كلام المؤلف يرى أنه مكروه، نقول: هذا؟
الطالب: محرَّم.
الشيخ: محرَّم، وهذا إذا تحدَّث فيما جرى بينه وبين زوجته، أمَّا لو كان يتحدَّث عن صفة الجماع مثلًا وأن الأَوْلى أن يكون كذا أو كذا، فهذا لا بأس به، وقد يكون من المصلحة إذا كان يريد أن يعلِّم الإنسان اللي بيتزوج لم يتزوج من قبل، ويقول: افعل كذا، افعل كذا، يوجِّهه. تمام؟
الطالب: ما لم يُظَن أنه يتحدث عن أهله.
الشيخ: لا، هو ما تحدَّث عن امرأته أبدًا، قال: الذي ينبغي مثلًا إذا حصل الدخول أن تفعل كذا وتفعل كذا، ويذكر له.
طيب، هل يجوز للرجل أن يمنع زوجته من إرضاع ولدها من غيره؟
طالب: نعم، يجوز أن يمنعها.
الشيخ: يجوز أن يمنعها. طيب، أرأيت لو شُرط عليه أن تُرضع ولدها من غيره؟
الطالب: لها ذلك، لا يجوز أن يمنعها لأنه شُرط على العقد.
الشيخ: لا يجوز لأنه شُرط عليه، صحيح، وإنما جاز منعها لأن هذا قد يؤدي إلى تضييع حقه.
ذكرنا أنه يجب عليه أن يسوِّي بين زوجاته في أيش على المذهب؟
طالب: القَسْم.
الشيخ: في القَسْم، دون النفقة ولَّا أيش؟
الطالب: لا، في القَسْم والنفقة.
الشيخ: في القَسْم والنفقة، الواجبة أو حتى الزائدة عن الواجب؟
الطالب: لا، الزائدة عن الواجب. واجبة: يعطي كل واحدة ما تحتاج إليه.
الشيخ: طيب، هذه هي، لكن غير الواجبة هل يجب أن يسوِّي أو لا؟
الطالب: الزائدة نعم، لا بد من التسوية.
الشيخ: يجب أن يسوي، إي، هذا هو القول الراجح. المذهب؟
الطالب: لا يسوِّي إلا في النفقة الواجبة.
الشيخ: إلا في النفقة الواجبة، ولكن هذا قول ضعيف، يعني مثلًا النفقة الواجبة أن يأتي بالغداء خبز ولبن وتمر، وفي العشاء رز ولحم، هذه الواجبة، يقول: إذا ساوى بينهما في ذلك فإذا أعطى إحداهما زيادةً فلا حرج، وكذلك في اللباس: درع وخمار وملحفة، وأعطى الأخرى زيادة، يقول: لا بأس. فما مدى صحة هذا القول؟
طالب: غير صحيح يا شيخ.
الشيخ: غير صحيح! على طول! ويش الدليل؟
الطالب: لأن هذا الآن زاد، مال إلى إحداهما بهذا.
الشيخ: إي، قال مثلًا للأخرى: أنا ما قصرت عليكِ، الشيء الواجب عليَّ أعطيك إياه.
الطالب: خلاف العدل.
الشيخ: أنا أقول: أين الدليل؟
طالب: قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا، فدلت الآية أنه يجب عليه العدل بين النساء.
الشيخ: إي، العدل في الواجب، التطوع لا.
الطالب: عموم الآية يا شيخ، وعموم الأمر بالمعاشرة بالمعروف، لأن ضرتها لو سمعت بأنه ينفق على ضرتها أكثر لغاظها ذلك.
الشيخ: إي.
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَتَانِ فَمَالَ إِلَى أحدهما..
الشيخ: «إِلَى إِحْدَاهُمَا».
الطالب: «إِلَى إِحْدَاهُمَا».
الشيخ: ترى (أحدهما) ما هي فائدة (...)، عرفت؟
الطالب: الفرق يا شيخ؟
الشيخ: الفرق واضح، عجيب! أحدهما للرجال، وإحداهما؟
الطالب: للنساء.
الشيخ: للنساء. طيب.
الطالب: «فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» ، وهذا يَصْدق عليه أنه مالَ.
الشيخ: أنه مالَ. طيب، هذا هو الراجح. طيب، هل يجب عليه أن يعدل بينهما بالجماع؟
طالب: لا يجب عليه.
الشيخ: لا يجب؟!
الطالب: نعم.
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله. كذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يعني يجوز أن يأتي الواحدة مثلًا (...) نام عندها والأخرى بعد شهر أو شهرين؟
الطالب: على حسب ثوران شهوته.
الشيخ: إي، حسب شهوته. لكن لو صار يجمع (...)؟
الطالب: لا، هذا يحرم لأنه متقصد.
الشيخ: إي، تمام، نعم، نقول: إذا كان يمكنه العدل في الجماع وجب، وإذا كان لا يمكنه لم يجب. صحيح.
المرأة إذا نشزتْ قُلنا: إن لها أحوالًا؟
طالب: إي نعم. أولًا: الوعظ.
الشيخ: أولًا: الوعظ. الثاني؟
الطالب: هَجْر.
الشيخ: الهجر. الثالث؟
الطالب: الضرب.
الشيخ: الضرب. الرابع؟
الطالب: الرابع: بعْث الحكَمين.
الشيخ: بعث الحكمين، صحيح. طيِّب، والوعظ ذكرْنا أنه هو التذكير ترغيبًا أو ترهيبًا، يعني بما يُلين القلب.

***

باب الخلع
00:54:05

الآن نبدأ بالخلع، درس جديد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الْخُلع).
(الخلع) يجوز بالفتح والضم: الْخَلْع، والْخُلْع؛ أمَّا بالضم فهو المعنى، وأمَّا الْخَلْع فهو الفعل؛ مثل: الغَسْل والغُسْل؛ الغُسْل للمعنى، والغَسْل للفعل.
فمعنى الْخُلع أصله من خَلْع الثوب؛ من: خَلَع الثوب، إذا نزعه.
والمراد به اصطلاحًا: فراقُ الزوجِ زوجتَه على عِوَض، هذا هو الخلع.
وهل له ألفاظ معلومة أو يصح بكل لفظ؟
المذهب: له ألفاظ معلومة، لفظ الْخُلع أو الفِداء أو الفَسْخ أو ما أشبه ذلك، فإن وقع بلفظ الطلاق صار طلاقًا.
واختار شيخ الإسلام رحمه الله أنه ليس له ألفاظ معلومة؛ لأن المقصود به هو فِداءُ المرأةِ نفسَها من زوجها، وعلى هذا فكل لفظ يدل على الفراق بالعِوَض فهو خُلع، حتى لو وقع بلفظ الطلاق؛ قال: طلقتُ زوجتي على عِوَض قدره ألف ريال، نقول: هذا خُلع. وهذا هو المروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنَّ كلَّ ما جازه العِوَض -أي: دخل فيه العِوَض- فليس بطلاق. انتبه، وهذا يترتَّب عليه مسألة مهمة:
لو طلَّق الإنسانُ زوجتَه مرتين متفرِّقتين ثم حصل الخلع بلفظ الطلاق، فعلى قول مَن يرى أن الخلع بلفظ الطلاق طلاقٌ تكون بانتْ منه، لا تحلُّ له إلا بعد زوج، وعلى قول مَن يرى أن الخلع فَسْخٌ ولو بلفظ الطلاق تحلُّ له بعقدٍ، حتى في العِدَّة، وهذا القول هو الراجح.
لكن مع ذلك ننصحكم وغيرَكم عندما تكتبون المخالعة ألا تقولوا: طلق زوجته على عِوَض قدره كذا وكذا، قولوا: خالع زوجتَه على عِوَض قدره كذا وكذا؛ لأن أكثر الحكَّام عندنا -وأظن حتى عند غيرنا- يرون أن الخلع إذا وقع بلفظ الطلاق صار طلاقًا، ويكون في هذا ضررٌ على المرأة، إن كانت الأخيرة فقد بانت وإن كانت غير الأخيرة حُسِبتْ عليه، فانتبهوا لهذا.
أكثر الناس الذين يكتبون مثل هذه الأشياء لا يدرون، طلَّقَ زوجتَه بعِوَض قدره كذا وكذا، فإذا جاز إلى القاضي إذا كان يرى أن الخلع بلفظ الطلاق طلاقٌ سيحسبه طلقة عليه. لكن نقول: تَخَلُّصًا من هذا أن تكون كتابة ذلك بلفظ: خالع زوجته فلانة بعِوَض قدره كذا وكذا.
ثم الخلع هل يكون بطلب من الزوج، أو بطلب من الزوجة، أو بطلب من وليِّها، أو بطلب من أجنبي؟
فالجواب: كل هذا يمكن؛ قد يكون بطلب من الزوج بأن يكون الزوج ملَّ زوجتَه لكنه أمهرها -يعني أَصْدَقَها- مهرًا كثيرًا، وأراد أن تُخالعه بشيءٍ تردُّه عليه من المهر.
وقد يكون -وهو الغالب- بطلب من الزوجة. فهل للزوجة أن تطلب الخلع أو لا؟
فالجواب: إن كان لسببٍ فلها ذلك، وإن كان لغير سببٍ فليس لها ذلك؛ إن كان له سبب شرعي لا يمكنها المقام مع الزوج فلها ذلك، وأمَّا إذا لم يكن هناك سبب فليس لها ذلك.
ولننظر: امرأة كرهت عِشرة زوجها، إما لسوء منظره، أو لكونه سيئ الْخُلُق، أو لكونه ضعيف الدين، أو لكونه فاترًا دائمًا، المهم لسبب، سبب تنقص به العِشرة، فهل لها أن تطلب الخلع؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، ولهذا قالت امرأة ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ثابت بن قيس لا أعيبُ عليه في خُلُق ولا دِين -مستقيم الدين مستقيم الْخُلُق- ولكنِّي أَكْره الكفر في الإسلام. (الكفر) تعني عدم القيام بواجب الزوج؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ» ، وليس مرادها أن تكفر بالله عز وجل، لا، أن تكفر بحق الزوج.
في بعض الروايات شدَّدت بهذا حتى قالت: لولا مخافةُ اللهِ لبصَقْتُ في وجهه. من شِدَّة بُغضها له، ولا تستغربْ، النساء لهنَّ عواطف جيَّاشة كُرهًا وحُبًّا. فقال لها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟». ويش الحديقة هذه؟
طلبة: المهر.
الشيخ: المهر، معطيها حديقة؛ بستانًا.
قالت: نعم، أرُدُّ عليه حديقتَه. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لثابت: «خُذِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا». فأخذها وطلَّقَها .
الشاهد من هذا الحديث أنها قالت: لا أعيبُ عليه في خُلُق ولا دِين. وعلى هذا فإذا كان الزوج قليلَ شهودِ الجماعة في الصلاة، أو قليلَ الصلاة، أو عاقًّا لوالديه، أو يتعامل بالرِّبا وما أشبه ذلك، فللزوجة أن تطلب الخلع، لأيش؟ لأجل..
طالب: (...).
الشيخ: نعم، لكراهتها دينه، لا سيما أن بعض الأزواج أول ما يخطب تجده يأتي بصورة تروق للناظرين مِن حيث الْخُلُق والتديُّن كما قال الله عن المنافقين: إِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ [المنافقون: ٤] يعني تعجبك أجسامهم في الطول والقِصَر والسِّمَن والضعف؟! لا، تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْحيث ترى أنهم من خيرة عباد الله في الدِّين، ولهذا جاء في المقابل: وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ [المنافقون: ٤]، فهم يُعجبون الناظر والسامع.
بعض الناس -نسأل الله العافية- أول ما يخطب تجده متنسِّكًا بَشُوشًا حسن الْخُلُق، إذا تحدَّث عن المقصِّرين في الصلاة قال: أعوذ بالله، هؤلاء ما يخافون الله. وإذا تحدَّث عن أصحاب القنوات الفضائية قال: نسأل الله العافية، هؤلاء يخربون بيوتهم بأيديهم. وإذا تزوج ضعُفَ لا يصلي إمَّا مُطْلقًا أو لا يصلي مع الجماعة، ثم يأتي بالدش لاستقبال القنوات الفضائية، وهذا واقع، يعني تَرِد علينا أسئلة من هذا النوع، مِثْلُ هذا هل يمكن للمرأة أن تصبر عليه؟ لا واللهِ، ما يمكن، فلها أن تطلب الخلع.
طيب، إذا طلبَت الخلع في هذه الحال حتى وصلتْ بها الحال إلى ما وصلتْ إليه امرأة ثابت، هل يُلْزَم الزوج بالخلع أو لا يُلْزَم؟
هو لا شكَّ أنه يُستحَبُّ للزوج أن يوافق، وهو خير له في حاله و(...)؛ لقوله تعالى: وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ [النساء: ١٣٠]، لكن إذا أبى وعُرِضَ عليه مهره، قيل: نعطيك المهر كاملًا، هل يُلْزَم بذلك أو لا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة؛ أكثرهم يقول: لا يُلْزَم؛ هو زوج بيده الأمر. والقول الراجح أنه يُلْزَم إذا قالت الزوجة: أنا ما عندي مانع أعطيه مهره، وإن شاء أعطيته أكثر، فإنه يُلْزَم؛ لأن بقاءها معه على هذه الحال شقاءٌ له ولها وتَفَرُّق، والشارع يمنع كلَّ ما يُحدِث البغضاء والعداوة، يمنعه منعًا، أرأيتم البيع على بيع المسلم ، حكمه؟
الطلبة: حرام .. لا يجوز.
الشيخ: حرام؛ لئلَّا يحدث العداوة، فكيف بهذا! ستكون حياتهما شقاءً، فيُلْزم الزوج أن يطلِّق، وحديث ثابت يدل عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «خُذِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا» ، والأصل في الأمر الوجوب، وقول الجمهور: إن هذا للإرشاد، فيه نظر. واضح يا جماعة؟
هذا القول هو الراجح؛ يقول في الفروع: إنه أَلْزَمَ به بعضُ القضاة في عهده. وهؤلاء الذين أَلْزَموا به وُفِّقوا للصواب.
طالب: حفظكم الله، يعني في بعض الأماكن يا شيخ أهل المرأة يأخذون من الرجل أكثر، يعني مالًا زائدًا عن المهر، هل إذا أخذ الرجل من المرأة هذا المال الزائد، هل يكون خُلعًا يا شيخ؟
الشيخ: المال الزائد دون المهر؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: أو مع المهر؟
الطالب: زائد على المهر، يقولون: مال مقطوع لأهل المرأة.
الشيخ: سؤالي: هل يأخذون المهر مع ما أعطى أهلَها، أو ما أعطى أهلَها فقط؟ يعني هو -مثلًا- المهر خمسون ألفًا، وأعطى أهلها خمسين ألفًا، ماذا؟ كمِّل.
الطالب: طيب، إذا أخذ الرجل هذا الخمسين الذي أعطاه أهلها هل يكون هذا خلعًا؟
الشيخ: إي نعم، بيجينا إن شاء الله هذا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، بالنسبة للمرأة إذا كان سبب غير شرعي قد تحتال المرأة على الشرع وتقول: إن السبب الذي -مثلًا- أريد به الخلع هو شرعي، فكيف نُلْزم الزوج؟
الشيخ: على كل حال هذا شيء يعود إلى ما في قلبها، ما ندري.
الطالب: يعني متى أرادت الخلع (...) لها الخلع.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: إطلاقًا؟
الشيخ: لا، ما هو.. أصلًا تعرف أن الجمهور على أنه ما يُلزَم الزوج. السؤال: هل يجوز أن تطلب الخلع؟ ليس المعنى: هل يُلزَم الزوج، هذا شيء ثانٍ.

طالب: شيخ، أحسن الله إليك، إذا طلب الزوج من الزوجة عند الخلع أن يعطيها مالًا كثيرًا أضعاف أضعاف المهر؟
الشيخ: أن يعطيها؟!
الطالب: إي.
الشيخ: ما هو معطيها، هي يلزم أنها تعطيه.
الطالب: الزوجة يعطي الزوج.
الشيخ: الزوجة يعطي الزوج!
الطالب: إي نعم، القول الحاصل..
الشيخ: لا يجوز تذكير الفعل إذا كان الضمير ضمير مؤنثة.
الطالب: ويش نقول؟
الشيخ: يعني قُل: إذا طلب الزوج في عِوَض الخلع أكثر مما أعطاها أضعافًا كثيرة.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هل هو؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: سيأتي إن شاء الله في الكتاب.

طالب: بعض العلماء يقول: إن الزوج له أن يهجر امرأته في الكلام أكثر من ثلاثة أيام، وأما الحديث الذي رواه أبو هريرة: «لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ...» ، هذا في المصالح الدينية، فما رأيكم؟
الشيخ: الحديث عام.

طالب: شيخ، عفا الله عنك يا شيخ، بالنسبة للقنوات الفضائية يدَّعون الناس فيها دعوى كاذبة يا شيخ.
الشيخ: ويش لون؟
الطالب: يقولون هذه فيها مصالح وهي كلها مفاسد.
الشيخ: ويش لون؟
الطالب: يقولون: نوسع بها صدورنا، وهي ضيَّقت صدورنا الصراحة.
الشيخ: إي، تضيِّق صدور اللي مثلك.
الطالب: الله يرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه.
الشيخ: آمين.
الطالب: يا شيخ يقولون: احنا نوسع صدورنا بعدما نشاهد، وهذه ضيَّقت الصدور يا شيخ، يعني مثل أنه .. حتى يقتل الشهوة (...) وقعت مفاسد كثيرة، وهم يدَّعون (...).
الشيخ: هو صحيح الواقع أنه كما تفضلت، بعض الناس يقولون: فيها مصالح، فيها مثلًا الكلام عن الأخبار على وجهٍ واضح وصريح ولا فيه مداراة، فيها أيضًا مسائل علمية تنفع في الطب والصناعة وغيرها، نعم، ويذكرون لها مصالح، لكن عامة الناس لا يستفيدون من هذه الفوائد، إنما يستفيدون كما تفضلت ما يُثير الشهوة ويحصل به التمتع في النظر إلى ما لا ينبغي أن ننظر إليه.

طالب: جزاك الله خيرًا يا شيخ، كيف يكون إلزام الزوج بالخلع؟ يعني (...) وكان مجرمًا لا يريد أن يطلقها، ماذا يُفعَل؟
الشيخ: إي، هي تريد الخلع والزوج يقول: لا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: نُلْزمه.
الطالب: كيف يكون هذا الإلزام؟
الشيخ: نقول: طلِّق، خالع الزوجة، خالع الزوجة. فإن أبى خَلَعَها القاضي وقال له: متى ما شئتَ أعطيناك العِوَض.
الطالب: جزاك الله خيرًا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك يا شيخ، لو رأى الرجل أن في الخلع -مثلًا- مفسدة؛ تشتُّت الأسرة والأولاد، هل هذا يُلْزَم أيضًا؟
الشيخ: هذا أحيانًا يُنظر، إذا كان يترتب على هذا المفاسدُ يُشار على الزوجة ألَّا تفعل.

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
قال المصنف رحمه الله تعالى في كتاب النكاح في باب الخلع..
الشيخ: لا، ما تقول: في كتاب النكاح. باب الخلع.
الطالب: باب الخلع: فإذا كرهتْ خُلُقَ زوجِها، أو خَلْقَهُ، أو نَقْصَ دينِه، أو خافتْ إثمًا بتَرْكِ حقِّه أُبيحَ الْخُلْعُ، وإلا كُرِهَ ووَقَع، فإنْ عَضَلَها ظُلمًا للافتداءِ ولم يكنْ لزِناها أو نُشوزِها أو تَرْكِها فرضًا فَفَعلتْ، أو خَالعَت الصغيرةُ والمجنونةُ والسفيهةُ أو الأَمَةُ بغيرِ إذنِ سيِّدها لم يصحَّ الخلعُ، ووقع الطَّلاقُ رَجْعيًّا إن كان بلفظِ الطلاقِ أو نيَّتِه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
سبق لنا أنه يقال: الْخُلع والْخَلع، ما الفرق بينهما؟
طالب: إذا قلنا بالضم فالمراد المعنى، وإذا قلنا بالفتح فالمراد نفس الفعل؛ مثل: الغُسل والغَسل.
الشيخ: طيب، الْخَلع؟
الطالب: الْخَلع فعل الْخَلع، والْخُلع معنى الْخَلع.
الشيخ: إي، الْخَلع مصدر خَلَعَ يَخْلَعُ خَلْعًا، والْخُلع المعنى. طيب، فما هو اصطلاحًا؟
الطالب: هو فراقُ الزوجِ زوجتَه على عِوَض.
الشيخ: بأيِّ لفظ ولَّا بألفاظ معلومة؟
الطالب: أمَّا المذهب فله ألفاظ معلومة كالْخُلع والفداء، وإن وقع بصيغة الطلاق فهو طلاق، وذهب شيخ الإسلام رحمه الله كما ذكرتم يا شيخ هنا.
الشيخ: فيه شك عندك؟
الطالب: (...)؟
الشيخ: أقول: عندك شك؟
الطالب: أبدًا والله.
الشيخ: كيف تقول: كما ذكرتم؟
الطالب: الإخبار يا شيخ.
الشيخ: إخبار! ما دام مقتنع أن خبري صحيح كيف تقول: كما ذكرتم؟
الطالب: حتى ما يتوهَّم أحد يا شيخنا.
الشيخ: يتوهم أيش؟
الطالب: حتى ما يتوهم أحد أن الكلام هذا من كيسي.
الشيخ: على كل حال يعني من باب المناقشة المخلوطة بالمداعبة، وإلا ما يحتاج يقول: كما ذكرتم.
الطالب: ذهب شيخ الإسلام رحمه الله إلى أنه ليس له ألفاظ معينة؛ لأن المراد فداء الزوجة من زوجها.
الشيخ: تمام، صحيح. إذَن نقول في تعريف الخلع: هو فراقُ الزوجة بعِوَض. بس، على القول الراجح، بأيِّ لفظٍ كان، وهذا هو المروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، وإليه ذهب الإمام أحمد وقدماء أصحابه كما حكاه شيخ الإسلام عنه؛ قال عبد الله بن أحمد: كان أبي يرى في الخلع ما يراه عبد الله بن عباس (...) أيش؟ فَسْخٌ بأيِّ لفظٍ كان، ولا يُحسَب من الطلاق.
وذكرنا لكم مثالًا فيما سبق: لو أن الإنسان خالَعَ زوجتَه بعد طلقتين سابقتين بلفظ الطلاق، فعلى قول مَن يقول: إنه طلاق، لا تحلُّ له إلا بعد زوج، وعلى القول الثاني: تحلُّ له بعقد جديد، وهذا القول هو الراجح.

***

يقول رحمه الله: (مَنْ صحَّ تبرُّعُه من زوجةٍ وأجنبيٍّ صحَّ بَذْلُهُ لعِوَضِهِ).
(مَنْ صحَّ) جملة شرطية، فِعْل الشرط: (صحَّ)، وجواب الشرط: (صحَّ بذلُه).
وقوله: (مَن صحَّ تبرُّعُه)، التبرُّع هو إعطاء المال بلا عوض، ويجب أن تعرف الفرق بين التبرُّع والتصرُّف، التصرُّف: العمل في المال، والتبرع: بذل المال بلا عوض.
وأضرب لكم مثلًا يبين لكم هذا: ولِيُّ اليتيم يصح تصرُّفه في مال اليتيم، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: طيب، ولا يصحُّ تبرُّعُه من مال اليتيم؛ يعني ما يصح أن يتبرَّع ولا بقرش واحد من مال اليتيم، وأما التصرف فيتصرف بكل ماله بالتي هي أحسن.
إذَن لو سألنا سائل: أيهما أوسع: التصرُّف أو التبرُّع؟
طلبة: التصرُّف.
الشيخ: التصرُّف أوسع؛ لأنه يصح ممن لا يصح تبرُّعه.
لننظر إلى الخلع، هل هو تبرُّع أو هو تصرُّف معاوَضة؟
تبرُّع في الواقع؛ لأن الزوجة تتبرع للزوج بما تعطيه في الخلع، وإن كان هناك مقابل، لكن هو في الأصل تبرُّع.
طيب، إذا كانت الزوجة لا يصحُّ تبرُّعها كالمحجور عليها، وأرادت أن تخالع زوجَها، هل لها ذلك؟ لا؛ لأن تبرُّعها بمالها لا يصح.
طيب الأجنبي، يعني يصح أن يتبرَّع أجنبيٌّ ببذل عوض الخلع حتى يخالع الزوج زوجته؛ يأتي إنسان مثلًا من خارج يقول للرجل: تعالَ، خالع زوجتك وأنا أعطيك ألف ريال، يصح هذا.
فإذا قال قائل: الأجنبي ما شأنه والمرأة؟! هو لو كان أباها أو أخاها أو ما أشبه ذلك من أقاربها لقُلنا: هؤلاء تبرَّعوا ببذل العِوَض للمصلحة، لكن الأجنبي؟!
ولذلك قال بعض أهل العلم: إنه لا يصح بَذْل عِوَض الخلع من أجنبي، قالوا: لأنه لا يستفيد شيئًا. ولكن الصحيح أنه يصح من الأجنبي.
وتبرُّع الأجنبي بعِوَض الخلع أقسام، انتبه لها:
الأول: أن يكون لمصلحة الزوج، والثاني: أن يكون لمصلحة الزوجة، والثالث: أن يكون لمصلحتهما جميعًا، والرابع: أن يكون للإضرار بالزوج، والخامس: أن يكون للإضرار بالزوجة، والسادس: أن يكون للإضرار بهما جميعًا، والسابع: أن يكون لحظِّ نفْسِه، والثامن: أن يكون لحظِّ غيره. واضح؟
طيب، نبدأ:
أن يكون لمصلحة الزوج؛ مثل أن يعرف أن الزوج متبرِّم من زوجته، لا يريدها، يكرهها، لكنه قد بَذَل مهرًا كثيرًا لا يستطيعه الآن؛ يعني لا يستطيع أن يفارق الزوجة وقد بَذَل لها مهرًا كثيرًا، فهو في حيرة. ثم نقول: إذا تبرَّع أجنبي بعِوَض الخلع، فالمصلحة لمن؟ المصلحة للزوج، الزوجة قد يكون لها مصلحة وقد لا يكون، لكن هو الآن يقول: أنا أريد أن أفكَّ هذا الزوج من هذه الحيرة. نقول: جزاك الله خيرًا ولا حرج؛ لأن هذا مصلحة.
الثاني: أن يكون لمصلحة الزوجة؛ بأن تكون الزوجة كارهة لزوجها، وزوجها مُتعِبٌ لها، لكن ليس عندها المال الذي تفدي نفسَها منه به، فيأتي رجل طيب ويقول: يا فلان، خالعْ زوجتك وأنا أعطيك كذا وكذا من المال. جائز ولَّا لا؟
طلبة: جائز.
الشيخ: جائز، وهذا إحسانٌ إليها.
الثالث: أن يكون لمصلحتهما جميعًا؛ أي: مصلحة الزوج والزوجة؛ بأن يكون كل واحد منهما يرغب الانفكاك، لكن الزوج شاحٌّ بما بَذَله من المهر، وهي كذلك ليس عندها ما تفدي به نفسها، فهذا لمصلحة مَن؟ لمصلحتهما جميعًا.
الرابع: أن يكون للإضرار بالزوج؛ مثل أن تكون المرأة صالحةً، خادمةً لزوجها، معتنيةً به، فيحسد الزوج على هذا ويقول: تعال، اخلع زوجتك بعِوَض. قصده أيش؟
طالب: الإضرار.
الشيخ: الإضرار للزوج؛ لأنه حاسدُه، وهذا لا شك أنه حرام وأنه عدوان على أخيه، وهو أشد من الحسد المجرَّد، والحسد من الكبائر.
فإذا قال قائل: أليس الأمر بيد الزوج وأنه -أي: الزوج- يستطيع أن يقول: لا، ما أنا مخالع، لو تعطيني الدنيا كلها؟ فالجواب؟
طلبة: بلى.
الشيخ: بلى، لكن الإنسان قد يُخدع ويُغَرَّ بالمال؛ يقول: تعالَ، خالع الزوجة، أنا بأعطيك سيارة كدلك، وبأعطيك مئة ألف ريال، وبأعطيك قصرًا، انظر إليه. والإنسان بشر ربما ينخدع ويُخالع، هنا نقول: الخلع حكمه مُحرَّم؛ يعني بَذْل المال في هذا الخلع مُحرَّم لما فيه من العدوان، وإذا قال هذا الباذل: أنا ما أجبرته، الأمر بيده. قلنا: لكنك خدعته. طيب، هذا الرابع.
الخامس: أن يكون لإضرار الزوجة؛ الزوجة مستقيمة مع الزوج، والحال طيبة، فتأتي امرأة تحسدها، وما أكثر ما تحسد النساءُ النساءَ، تحسدها تقول: تعالي، أنا بأعطيكِ كذا وكذا -لأن الثانية هذه غنية- أنا بأعطيكِ كذا وكذا وافتكِّي من ها الرجَّال، وبيجيب الله (...) رجَّال إن شاء الله طيب ومستقيم. وتخدعها، وتوافق، هذا حرام ولَّا غير حرام؟
الطلبة: حرام.
الشيخ: هذا حرام لا إشكال فيه؛ لأنه عدوان.
القسم السادس: الإضرار بهما؛ بأن يحسد الزوج ويحسد الزوجة ويبذل العِوَض، وهذا أيضًا حرام.
السابع: أن يكون لمصلحة الباذل؛ الباذل أعجبته هذه المرأة عند زوجها، وتحيَّل عليه فقال له: اخلع زوجتك وبأعطيك عشرة آلاف ريال. حلال هذا ولَّا حرام؟
الطلبة: حرام.
الشيخ: هذا حرام، هذا أشدُّ من تخبيب المرأة على زوجها؛ لأن هذا فعلًا أفسدها عليه، فهذا حرام وعدوان وجناية.
وسئل الإمام أحمد رحمه الله عن رجل قال لآخر: طلِّقْ زوجتَك لأتزوَّجها بكذا وكذا من الدراهم. فأنكر هذا شديدًا وقال: يقول هذا؟! لا يجوز.
الثامن: أن يكون لمصلحة غيره؛ رجُل عرف أن فلانًا قد تعلَّق قلبه بهذه الزوجة، فقال له: تعال، أنا أشوفك تحب فلانة الزوجة. قال له: (...). قال: أنا أجيبها لك، أعطني بس. قال: يلَّا خذ. أعطاه دراهم وقال له: روح خالِعها، ففعل، يجوز هذا أو لا يجوز؟
الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: هذا لا يجوز أيضًا؛ لأنه عدوان، وهو ظلم أيضًا، وكما قلنا: إن الأمر بيد الزوج، لكن قد يُخدع بكثرة المال فيخالِع.
طيب، إذا كان ليس له سبب، بس يريد أن يفرِّق بينهما فقط، لا يريد الإضرار ولا يريد المصلحة لنفسه ولا لغيره، فهل يجوز أو لا يجوز؟
هذا ينبني على مسألة وهي: هل يجوز الخلع مع استقامة الحال؟ يعني لو أن المرأة أرادت أن تخلع نفسَها من زوجها والحال مستقيمة، هل يجوز لها ذلك أو لا؟
في هذا خلاف بين العلماء؛ منهم مَن قال: الخلع لا يجوز مع استقامة الحال، واستدلَّ بقول الله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة: ٢٢٩]، فاشترط أيش؟
طالب: أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ.
الشيخ: أن نخاف ألَّا يُقيما حدود الله، وإلا فلا يجوز.
لكن جمهور العلماء على أنه يصح الخلع مع استقامة الحال، إلا أنه يُكره إذا لم يكن له سبب.
قال المؤلف رحمه الله: (من زوجةٍ وأجنبيٍّ صحَّ بَذْلُه لعِوَضِهِ).
(بَذْله لعِوَضه) (عِوَضه) الضمير يعود على أيش؟ على الخلع.
وأفادنا المؤلف رحمه الله أن المخالعة عقْد معاوَضة، فهي بالنسبة للزوجة العِوَض ما هو؟ المنفعة بالتخلُّص من هذا الرجل. بالنسبة للزوج؟ المال المدفوع له.
وهل يجوز أن تجعل عِوَض الخلع غير مال كخدمته مثلًا أو لا يجوز؟
الصحيح أنه جائز، إلا إذا كان العِوَض مُحرَّمًا فهذا لا يجوز.

(صحَّ بَذْلُه لعِوَضِهِ) ثم ذكر المؤلف أسباب الخلع: (فإذا كَرِهتْ) المرأةُ (خَلْقَ زوجِها) (أو خُلُقَهُ).
طلبة: (...).
الشيخ: كيف؟ .. ارفعوا أصواتكم.
طالب: خُلُقه أو خَلْقه.
الشيخ: كله واحد، سواء قدَّمت الْخَلْق أو الْخُلُق.
المهم إذا كرهت المرأة خَلْقَ زوجها بأيِّ نوع من الأنواع، سواء كان هذا الْخَلْق الذي كرهتْه حادثًا بعد العقد أو كان قبل العقد وظنَّتْ أنها ستصبر على هذه الخِلْقة السيئة، ثم بدا لها أن لا تصبر.