كتاب الوقف (الشرح الأول) - 1
عدد الزيارات 1432

عناصر المادة :
مدخل

هلك الأَبَوَان، كل واحد منهما عن ابن، وهذا اللقيط؟
الطالب: سيرث الابن، سيرث النصف من كل واحد.
الشيخ: يرث النصف مع أخيه من كل واحد منهما.
نحن ذكرنا في آخر الكلام أن الفقهاء قالوا بهذا، وأن في النفس شيئًا من هذا القول أن يُخْلَق حَمْلٌ من رَجُلَيْن.
ولكني رأيت ابن القيم رحمه الله قال: إنه صح عن عمر رضي الله عنه أنه ألْحَقَهُ بأَبَوَيْه ، وكذلك رُوِيَ عن علي بن أبي طالب ، وأخذ به الإمام أحمد.
وقال ابن القيم: إن هذا ليس ببعيد أن يخلقه الله عز وجل من ماءين، كما أن الله تعالى يخلقه من أبيه وأمه فلا مانع من أن يخلقه من أبوين.
قال: وهذا الذي صح عن عمر أَقَرَّه الصحابة عليه، ولم ينكر أحد منهم ذلك، وأخذ به إمام أهل السنة.
وعلى هذا فنحن نتبع هذا القول بناءً على الآثار الواردة عن الصحابة، وإن كان الشافعي رحمه الله يرى أنه لا يمكن أن يُلْحَق بأَبَوَيْن.
وكذلك بعض الأطباء في العصر الحاضر قالوا: هذا لا يمكن، ولكن إذا جاءت الآثار عن الصحابة لا سيما أن الذي رُوِيَ عن عمر قضيتان: قضية أن الولد كان يشبههما جميعًا، فإذا كان الولد يشبههما جميعًا فلا شك أنه مخلوق من مائهما، حتى وإن أنكر الطب هذا فلا عبرة به؛ لأن هذا الشبه لا بد أن يكون بأثر كل من الأبوين، أما إذا لم يكن شبه فإن الأثر الثاني عن عمر أيضًا يدل على أنه يُلْحَق بهما، ما دامت القافة ألحقته بهما؛ لأن القافة عندها دقة وحذق في هذا الأمر، تدرك من الشبه ما لا يدركه غيرهم.
فالأن الشبه قد يكون ظاهرًا بيِّنًا لكل أحد، كل مَن رأى هذا اللقيط قال: فيه شبه من فلان ومن فلان، فهذا لا شك أنه يُلْحَق بهما وإن كذَّب الطب هذا؛ لأن الوارد عن الصحابة مع وجود الآية الكونية التي تشهد لصحة هذا يلغي قول الأطباء.
أما إذا كان لا يشبههما ولكن، وهو النوع الثاني من الشبه؛ الشبه الخفي الذي لا يدركه إلا أهل الخبرة، وهم القافة، فهذا محل نظر.
لكن أرى أن الأفضل اتباع ما جاء عن السلف، فما دام صحَّ عن عمر أنه أَلْحَق الولد بأبويه بقول القافة فليكن معتبرًا.
وقد أيَّد ذلك ابن القيم رحمه الله أنه يُلْحَق بأبويه، أَيَّدَه في كتابه زاد المعاد.

مدخل
00:03:32

ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب الوقف)
الوقف مصدر وَقَفَ يَقِفُ وَقْفًا، ويقال: وَقَفَ أي: تَوَقَّف عن المشي، ومصدره: وُقُوف، وَقَفَ اللازم الذي بمعنى توقَّف عن المشي مصدره وقوف، كقَعَدَ قُعُودًا، قال ابن مالك:
وَفَعَلَ اللَّازِمُ مِثْلُ قَعَدَ لَهُ فُعُولٌ بِاطِّرَادٍ كغَدَا

فَوَقَفَ من الوقوف الذي ضد المشي مصدره وقوف، ووَقَفَ المتعدي الذي بمعنى أَوْقَفَ الشيء مصدره: وَقْفًا، مثل: مَنَعَ يَمْنَع مَنْعًا، وقوف الآن، مصدر وَقَفَ اللازم، وجمْع وَقْف من المتعدي، إذا صار إنسان وقف -مثلًا- عشر دُور، يقال: هذه وُقُوف فلان، جمع وَقْف، لكن إذا قلت: وقف، يعني عن المشي تكون بمصدر وقوف.
على كل حال الوقف مصدر وَقَفَ، اللازم أو المتعدي؟
الطلبة: المتعدي.
الشيخ: باب الوَقْف، مصدر وَقَفَ اللازم ولّا المتعدي؟
الطلبة: المتعدي.
الشيخ: المتعدي، إي نعم، وَقَفَهُ أي: أَوْقَفَه، هو مأخوذ من الإيقاف، أوقف الشيء يعني: مَنَعَهُ من التحرك، لكن في الإصطلاح قال: (هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة)، هذا الوقف، (تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة)، الأصل يعني العين، المنفعة منفعة العين، تحبيسها عن أي شيء؟
تحبيسها عن التصرف، يعني: يُحَبِّسُها لا يُتَصَرَّف فيها، لا ببيع، ولا هبة، ولا ميراث، ولا غير ذلك، يُحَبِّسُها.
تسبيل المنفعة يعني إطلاقها، يطلق المنفعة، يجعل المنتفع حرًّا طليقًا يفعل ما يشاء، ولنضرب لهذا مثلًا:
قال رجل: بيتي هذا وَقْفٌ، البيت نسميه الأصل، هو الأصل، سُكْنَى البيت منفعة، سُكْنَى البيت يجوز أن يسكنها من وُقِّف عليه البيت بنفسه، ويجوز أن يمنحها لشخص، ويجوز أن يُؤَجِّرها، وتأجير المنفعة كبيعها، فالآن المنفعة مطلقة ولّا لا؟ مطلَقة، مُسَبَّلَة، والأصل محبوس.
فإذا قلت: وقَّفْتُ داري على فلان، صارت الدار أصلها محبوس، لا يمكن لفلان أن يبيعها، ولا يمكن أن يرهنها، ولا يمكن أن يهبها، ولا تورث بعده، لكن منفعتها له، مُسَبَّلَة مطلقة، إن شاء سكن، وإن شاء أجرها، وإن شاء رهن المنفعة، وإن شاء تركها لا ينتفع بها لا بسكنى ولا بتأجير ولا بغيره؛ لأنه حر فيها، واضح؟
طالب: نعم.
الشيخ: وهنا نسأل: هل الوقف مما حدث في الإسلام، أو كان معروفًا في الجاهلية؟
الجواب: الأول، الوقف من الأمور الحادثة في الإسلام التي لا تُعْرَف في الجاهلية، ولهذا يقال: إن أول وقف كان في الإسلام وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك بعد فتح خيبر ، فإن عمر رضي الله عنه أصاب أرضًا في خيبر؛ لأن خيبر نصفان بعضها قُسِّم، أصاب أرضًا في خيبر، وكانت من أَنْفَس أمواله عنده وأَحَبّ أمواله إليه.
والصحابة رضي الله عنهم ليسوا مثلنا، كلما كان المال أنفس تمسَّكْنَا به أكثر، الصحابة كلما كان المال أنفس بذلوه لله، فكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به، يتأول قول الله تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢]، وأبو طلحة رضي الله عنه لما أنزل الله هذه الآية: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، إن الله أنزل: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، وإن أحب مالي إليّ بَيْرُحاء، بَيْرُحَاء اسم نخل (...) مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، وكان فيها ماء عزب طيب يأتي إليه النبي صلى الله عليه وسلم فيشرب منه، وهذا الماء الذي يأتي إليه الرسول ويشرب منه لا بد أن يكون أغلى شيء عند الصحابة؛ لأنه أين الرجل الذي يأتي الرسول إلى بستانه ويشرب منه، مَن يُحَصِّل هذا، فكان أغلى شيء عنده هذا الماء، وإني يا رسول الله أتركها، ضعها حيث شئت، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «بَخٍ بَخٍ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ». صحيح هذا ذكي، ثم قال: «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ» ، شوف فضل صلة القرابة؟ ما قال: في الفقراء والمساكين، قال: «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ»، فجعلها في قرابته وبني عمه.
الشاهد من هذا أن عمر رضي الله عنه لما أصاب هذه الأرض من خيبر وكانت أحب إليه وأنفس ماله عنده جاء يستشير النبي صلى الله عليه وسلم، يستشيره لسببين: الأول سداد رأي الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه أرجح الناس عقلًا وأسدّهم رأيًا، والثاني: التشريع؛ لأنه عليه الصلاة والسلام مُشَرِّع، فاستشارته تتضمن الأمريين: الاستنارة برأيه، والثاني: الاهتداء بشرعه.
فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: «حَبِّسْ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْ بِثَمَرَتِهَا» ، يعني: امنع أصلها لا يُبَاع، واجعل ثمرتها صدقة، ففعل عمر، وتصدق بها للفقراء والمساكين وابن السبيل، وفي غيرهم، تصدَّق بها في مصالح الخير، فكان هذا أول وقف في الإسلام.
السؤال الثاني: هل الوقف سُنَّة، أو جائز، أو واجب، أو مُحَرَّم؟
نقول: الأصل فيه الجواز، لكن إذا وُقِّف لسبب للخير صار مستحبًا، ولا يجب إلا إذا نَذَرَهُ الإنسان، إذا نذر أن يوقف هذا الشيء لطلبة العلم -مثلًا-، هذا البيت لطلبة العلم، قال: لله عليّ نذر أن أُوقِف هذا البيت لطلبة العلم، وجب عليه؛ لأن ذلك من الطاعة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ» .
فالأصل فيه الحل، ويكون مستحبًا إذا كان في طرق الخير، ويكون واجبًا بماذا؟ بالنذر، ويكون حرامًا إذا اشتمل على محرَّم في مآله أو في توزيعه، فمثلًا إذا وَقَّفَ على بعض ولده دون بعض صار حرامًا؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» .
إذا وقَّفَه على شيء مُحَرَّم، قال: هذا وقف على أهل القبور، فيه ناس –مثلًا- يطلعون كل ليلة إثنين أو أحد للبر يضربون الطبول ويصخبون بالأغاني، قال: هذا وقف على أهل الطبول والأغاني، يكون حلالًا ولّا حرامًا؟
الطلبة: حرامًا.
الشيخ: حرامًا، وإذا كان الشيء حرامًا فهو غير نافذ شرعًا، يجب ابطاله شرعًا؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
إذن الوقف قد يكون حرامًا، والمؤلف رحمه الله لم يغيِّر حكمه، لعل ذلك استنادًا إلى ما هو معروف، وهو أن الأصل في المعاملات الحِل ّ، إلا ما قام الدليل على تحريمه.
أخذنا الآن ثلاثة أمور، بل أربع: تعريف الوقف لغةً، وتعريفه اصطلاحًا، وهل هو مما جاء به الإسلام، أو مما كان معروفًا في الجاهلية، والثالث ما هو؟ ما هو أول وقف في الإسلام، والرابع الحكم.
الحكم التكليفي عرفناه، أما الحكم الوضعي قال: ويصح بالقول وبالفعل الدال عليه، بَيَّنَ المؤلف في هذا الكلام صيغة الوقف، أنه يكون (بالقول وبالفعل الدال عليه)، يعني أنه ينعقد؛ إما بالقول، بأن يقول: وقَّفْت داري، وقَّفْت سيارتي، وما أشبه ذلك.
أو بالفعل الدال عليه، الفعل لا بد أن يكون هناك قرينة تدل على أنه أراد الوقف.
مثاله: قال: (كمن جعل أرضه مسجدًا وأَذِنَ للناس في الصلاة فيه). رجل حَوَّش أرضًا، وجعل بعضها مُسَقَّفًا وبعضها مفتوحًا، ووضع فيها منارة، وأَذِنَ للناس أن يصلوا، نقول: الآن صارت هذه الأرض وقفًا، هو ما قال: وقَّفْت الأرض، ما قال هذا أبدًا.
ولكن نقول: حصل الوقف بالفعل الدالّ عليه، فإن تَسْوِير الأرض ووضع المنارة، وتسقيف بعضها وفتحها للناس يصلون بها قرينة ظاهرة قوية جدًّا على أنه أراد أن تكون مسجدًا، فتكون هذه الأرض مسجدًا، ولا يمكنه أن يتصرف فيها بعد ذلك لا ببيع ولا غيره؛ لأنها خرجت عن ملكه.
كذلك إذا جعلها مقبرة وأذن للناس بالدفن فيها، سَوَّى الأرض وفتحها، وقال للناس: مَن أراد أن يدخل في الأرض فليدخل، ولما دُفِن قَبْرٌ أو قبران رجع، قال: هَوَّنْت، الأراضي زادت قيمتها، وهي في محل استراتيجي.
يا رجل، أنت أَذِنْت للناس في الدفن فيها ودُفِن فيها مَن دُفِن، قال: أما مَن دُفِن فلا ننبشه، وأما ما بقي من الأرض فهي لي، ماذا نقول له؟
طلبة: ليس لك ذلك.
الشيخ: نقول: ليست لك؛ لأنك سَوَّرْتَها بسور واحد، وأَذِنْت للناس في الدفن فيها، ومن المعلوم أن الناس لن يدفنوا فيها جميعًا في يوم واحد، فإذن الأرض خرجت عن ملكك، وهي وَقْف، ولا يمكن أن ترجع.
إذا قال: هل أنا وقّفتُها؟ هاتوا دليلًا إني وقّفتُها، شو ماذا نقول له؟
نقول: أنت لم تُوَقِّفْهَا باللفظ، ولكن بالفعل الدال عليه.
إذن الوقف له صيغتان ينعقد بهما: صيغة قولية، وصيغة فعلية.
لكن الصيغة الفعلية لا بد فيها من قرينة ظاهرة تدل على أنه أوقفها.
لو أن رجلًا عنده أرض، وهي بين شارعين، فجعل الناس بدلًا من أن يذهبوا مع الشوارع يستطرقون هذه الأرض، وهو ساكت، فهل نقول: إن هذا الطريق صار وَقْفًا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
الطالب: ليس فيه قرينة دالة.
الشيخ: لأن هذا لا يدل على الوقف، كثير من الناس إذا لم يكن محتاجًا للأرض يسمح للناس أن يتجاوزوا منها، أليس كذلك؟
الطالب: بلى.
الشيخ: ولكن إذا احتاجها حرثها وسدَّ الطريق.
إذن لا بد في الفعل من قرينة ظاهرة تدل على الوقف، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الأصل بقاء ملك الإنسان فيما يملك، هذا هو الأصل، ولا نخرجه عن هذا الأصل إلا بقرينة ظاهرة.
الآن للوقف صيغتان؛ الصيغة الأولى: قولية، والثانية: فعلية، الصيغة القولية تنقسم إلى قسمين: صريح وكناية.
قال المؤلف: (وصريحٌ: وقَّفت وحبَّست وسبَّلت) صريح الوقف، (وقَّفت وحبَّست وسبَّلت).
فإذا قال: وقَّفْتُ بيتي على كذا، فهذه صيغة صريحة ما تحتاج إلى (...)، بمجرد أن يقول: وَقَّفْتُ، صار وقفًا.
إذا قال: حبَّسْت بيتي، هذا لقب صريح يكون البيت وقفًا بمجرد قوله: حبّست.
سَبَّلْت؟
طلبة: كذلك.
الشيخ: كذلك صريحة، يكون البيت وقفًا بمجرد هذا الأمر، ولا يحتاج إلى نية.
هل يحتاج إلى أن أُكَرِّر فأقول: حبَّست وسبَّلت ووقَّفت؟ لا.
طلبة: لا، يكفي واحدة.
الشيخ: يكفي واحدة، ونجد في بعض الكتابات بعض الكتاب إذا أراد يكتب وثيقة الوقف يقول: وَقَّفْت وحَبَّسْت وسَبَّلْت وأَبَّدْت وحَرَّمْت وتصدقت، يجيب كل الألفاظ.
هذا غلط، هو مجتهد لكنه مخطئ، وذلك لأن العقود لا يحتاج إلى تكرار صيغها.
وإلا لو قلنا: إذا قال الرجل لشخص يتزوج: زَوَّجْتك بنتي، قال: قبلت، أنكحتك بنتي، قَبِلت، ملَّكْتك بنتي، قبلت، جوزتك بنتي، قَبِلت، يكرر هذا ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ما نكرر؛ لأنه ينعقد العقد بأول صيغة، فيكون ما بعده من باب التنطع والتكلُّف، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» .
فلهذا ربما يُعْرَض عليكم مثال في وقت مكتوب فيها: فلان وَقَّفَ حَبَّسَ سَبَّل وحَرَّم وأَبَّد، أنا قرأت كل هذا قبلًا، لكن بعض الكتاب يجتهدون وليس كل مجتهد مصيبًا، فيفتونك.
نقول: بدل من هذا، بسم الله الرحمن الرحيم وقَّف فلان بيته على فلان، نصف سطر يكفي، وتقبَّل الله منه، يعني يصلح أن يقول: حضر عندي فلان بن فلان. وتعيَّن الرجل، فوقَّف بيته الفلاني على الجهة الفلانية، تقبَّل الله منه، وتذهب إلى المحكمة وتصدق عليها.
وأما الكلام الطويل العريض الذي ليس منه فائدة فهو من باب التنطع، ولا ينبغي أن يُكْتَب.
الطالب: شيخ، إذا أراد النهوض بمسجد، بناءه؟
الشيخ: يهدمه ويبنيه من جديد.
الطالب: نعم، (...) مسجد قريب من الملك استعاره حتى ينتهوا من (...)؟
الشيخ: الثاني يعني؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ويش لون هذا السؤال؟ يقول: لو أعار أرضه أهل المسجد ليصلوا فيها ما دام مسجدهم يُبْنَى، فهل تكون هذه الأرض وقفًا؟ ما تكون وقفًا، معروف أنه إعارة.

الطالب: لو بعد أن أوقف، وكُتِبَت الوثيقة قال: بطّلت، قبل أن تُصَدَّق من المحكمة، فهل له ذلك؟
الشيخ: ويش تقولون؟ رجل قال: وَقَّفْت بيتي، وقبل أن تُصَدَّق من المحكمة رجع، نقول: لا يملك، حتى ولا في نصف العقد؛ لأنه في مجلس، قال: وَقَّفْت بيتي الفلاني، قالوا: الإيجار (...) يا ابن الحلال لا تُوَقّف البيت هذا، وَقِّف البيت الثاني، نزل وقال: هذا بيت عائلتي، قال: هَوَّنْت، اشهدوا إني جعلت الوقف البيت الثاني، هل يصح الرجوع ولّا لا؟ ما يصح الرجوع، وباقي نفس المكان لا يصح الرجوع، إي نعم.

الطالب: يا شيخ، من قال: وقفت الدار إلى شيخ الدِّيرة، وبعد –مثلًا- مات هذا الشيخ لشيخ آخر، -مثلًا- مات الآخر، (...) أهل الديرة، بعد هذا ما أبغى شيخًا، هذه الدار تنزع من ملكه ولَّا للديرة؟
الشيخ: شوف إذا كان ما لهم الشيخ لازم يملكهم شيخ، كيف ما يملكهم شيخ؟
الطالب: مات.
الشيخ: ما يخالف، مات الشيخ الأول ومات الثاني ومات الثالث، وبعدما مات الثلاثة قالوا: ما نريد شيخًا، (...) لا بد.
الطالب: هم يقولون (...) شيخ ديرتنا نحن محبوسون، خلي (...) إذا كان فيه مشاكل..
الشيخ: الله يهديك، خلي ويش هذا الربع ويش صار (...)، على كل حال المسألة غير هذا، يعني –مثلًا- لو وَقَّفَ على جهة وانقطعت، مثل قال: هذا وقف على زيد، ولم يذكر بعده شيئًا، ومات زيد، هل يعود الملك للواقف، ولّا يعود لورثته، أو للمساكين؟ فيها خلاف، ستُذْكَر إن شاء الله تعالى.
يعني معناه يسمُّون هذا إذا انقطعت الجهة، على كل حال البيت هذا لا يمكن أن يعود ملكًا؛ لأنه أخرجه لله فلا يمكن يعود ملكًا، لكن هل يعود إلى صاحبه، أو إلى ورثته، أم ماذا؟ في هذا خلاف.
والقول بأنه يعود ملكًا قول ضعيف؛ لأن الرجل أخرجه من ملكه.

***

طالب: فتُشْتَرَط النية مع الكناية، أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة، أو حكم الوقف، ويُشْتَرَط فيه المنفعة دائمًا من معيَّن يُنْتَفَع به مع بقاء عينه، كعقار وحيوان ونحوهما.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبق لنا أن الوقف شرعًا: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، مثل أن يقول: هذا البيت وَقْف على طلبة العلم، فيبقى أصل البيت مُحَبَّسًا، ممنوعًا من التصرف فيه ببيع أو هبة أو رهن أو غير ذلك، والمنفعة مُسَبَّلَة، يعني أنها ملك للموقوف عليه.
إذا حَبَّسَ نخلًا فالنخل يبقى والثمرة سبيل ملك للموقوف عليه يبيعها ويعمل فيها ما شاء.
وسبق لنا أن الوقف مما جاء به الشرع الإسلامي، وليس معروفًا في الجاهلية، وأن أول وَقْف حصل في الإسلام وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وسبق لنا أنه –أي: الوقف- سُنَّة، إذا كان على بِرٍّ، إذا كان على بِرٍّ فهو سنة.
وسبق لنا أنه ينعقد بصيغتين: قولية وفعلية، وأن الفعلية مثل أن يجعل داره مسجدًا ويأذن للناس إذنًا عامًّا بالصلاة فيه.
وقلنا: مثل أن يُسَوِّر أرضًا ويجعل فيها منارة، ويُسَقِّف بعضها ويقول للناس: صلوا في هذا، فتكون هذا الأرض وقفًا.
وكذلك لو سَوَّرها وجعلها مقبرة، أَذِنَ للناس في الدفن فيها، صار هذا وقفًا وإن لم يقل: إنها وقف؛ لأن هذا فعل دالّ على الوقف.
أما الصيغة القولية فلها صريح وكناية؛ فالصريح: ما لا يحتمل إلا الوقف، والكناية: ما يحتمل الوقف وغيره، هذا الضابط.
وهل الصرائح والكنايات أمرٌ جاء به الشرع بحيث يستوي فيه جميع الناس، كالصلاة والزكاة والصيام والحج، أو أمرٌ يُرْجَع فيه إلى العُرْف؟
الصحيح أن جميع صِيَغ العقود القولية أمرٌ يُرْجَع فيه إلى العُرْف، فقد يكون هذا اللفظ صريحًا عند قوم، وكناية عند آخرين، ولا يدل على المعنى إطلاقًا عند ثالث، قد يكون كلمة واحدة هي عند قوم صريحة، وعند آخرين كناية، وعند قومٍ ثالثين لا تدل أصلًا على المعنى.
فالصحيح أن جميع ألفاظ العقود ترجع إلى أيش؟ إلى عُرْف الناس
.
فما اطَّرَد عند الناس أنه دالّ على هذا المعنى فهو صريح، وما لم يطَّرِد ولكنه يراد به أحيانًا فهو كناية، وما لا يدل على المعنى أصلًا فليس بشيء، ولا يثبت له حكم ذلك الشيء، وعلى هذا فنقول: القاعدة: الصريح من كل شيء ما لا يحتمل غيرَه، عُرفًا ولّا لغة ولّا شرعًا؟
الطلبة: عرفًا.
الشيخ: عُرْفًا؛ لأن هذا كله جاء من الناس وإليهم، فالعقود من الناس وبين الناس وإليهم، فما دَلّ عليه لفظ العقد عند الناس حُكِمَ به.
صريحه: (وَقَّفْت وحَبَّسْت وسَبَّلْت).
وَقَّفْت وحَبَّسْت تعود إلى الأصل، وسَبَّلْت تعود إلى المنفعة، فإذا قال الإنسان: وَقَّفْت هذا البيت على الفقراء، فما الذي وَقَّفَه؟ أصل البيت.
وإذا قال: حَبَّسْت هذا البيت، أو حَبَسْتُ هذا البيت على الفقراء، فالذي حَبَّسَه أو حَبَسَه أصل البيت.
وإذا قال: سَبَّلْت هذا البيت للفقراء، أي: منفعته، وتسبيله المنفعة أو تخصيصه المنفعة بالتسبيل يدل على أن الأصل عنده مُحَبَّس، فإذا كتب كاتب: وَقَّفْت بيتي على الفقراء، أو قاله بلفظه: وَقَّفْت بيتي على الفقراء، صار وقفًا، وإذا قال: حَبَسْت، صار وقفًا، وإذا قال: سَبَّلْت، صار وقفًا.
قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب: «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِثَمَرِهَا» .
وقال عليه الصلاة والسلام: «أَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا؛ فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ» .
فدَلّ هذا على أن الحبس أو التحبيس وقف.
التسبيل يدل على الوقف باعتبار اللازم، فإن من لازم تسبيل المنفعة ألَّا يُسَبَّل الأصل، ويكون الأصل حبيسًا، هل يُشْتَرَط اجتماع هذه الكلمات؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، لا يُشْتَرَط، إذا قال كلمة واحدة منها صار وقفًا.
يقول: (وكنايته)، أي: كناية الصيغة القولية: تَصَدَّقْت وحَرَّمْت وأَبَّدْت، هذه كناية؛ لأنها تحتمل الوقف وغير الوقف، وهي في غير الوقف أظهر؛ لأن قولك: (تصدَّقت) تعني أنك ملَّكت الفقير مالًا؛ لأن الصدقة تمليك المال تقربًا إلى الله، فإذا قلت: تصدقت على فلان بعشرة دراهم، يعني سَبَّلْتها عليه؟ لا، ملَّكْتها إياه، وإذا ملكها يفعل ما شاء.
فالأصل أن الأرض موضوعة لأيش؟ للتمليك لا للحبس.
(حرّمت): حرَّمت مالي، حَرَّمت بيتي، الأصل في التحريم المنع، فمعنى (حرمت بيتي) يعني أنني حَرَّمْته على نفسي فلا أنتفع به، لكن إذا أراد بها الوقف صارت وقفًا.
(أبّدت) أي: جعلته مُؤَبَّدًا، وظاهر اللفظ –أي: جعلته مؤبدًا- أني سأُبْقِي ملكه، ولا أزيله عن ملكي أبدًا، فهذه الكلمات الثلاث نجد أنها عند الإطلاق أنها لا تدل على الوقف، لكن يحتملها الوقف بالنية، فإذا نوى تصدَّقت بداري على زيد، أي: جعلتها وقفًا عليه، صارت وقفًا، حَرَّمْت داري عليَّ لتكون على زيد، صارت وقفًا، أَبَّدْت داري على زيد، صارت وقفًا.
هنا يقول: (كنايته: تصدَّقت وحرَّمت وأَبَّدت)، لكن لا ينعقد بالكناية إلا بواحد من أمور ثلاثة، ولهذا قال المؤلف: (فتُشْتَرَط النية مع الكناية أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة)، هذه اثنان، (أو حكم الوقف)، يعني: لابد في الكناية من انضمام أحد الثلاثة إليها، وهي: (النية)، فإذا نوى بقوله: تصدقت بداري على فلان، نوى الوقف صار وقفًا، وهل يملكه فلان أو لا؟ يعني يملكه ملكًا تامًّا يتصرف فيه كما شاء؟ لا، بل يكون عنده لا يباع ولا يُوهَب ولا يُورَث، بل له منفعته فقط.
(حرَّمت) نفس الشيء، إذا قال: أنا نويت بحرّمت، يعني حرَّمت البيت على نفسي وجعلته للموقوف عليه، هذه نيتي، يكون وقفًا؟ يكون وقفًا.
إذا قال: أَبَّدْتُ داري على فلان، وقال: أنا نويت الوقف، صار وقفًا.
ودليل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . فهذا نوى فله ما نوى.
فإن قال قائل: لو قلت: اشترِ لي ثوبًا، فذهب فاشترى ثوبًا، وقال: أنا نويت أن تشتري لي خبزًا، يصح؟
الطلبة: ما يصح.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: اللفظ لا يحتمل.
الشيخ: لأن اللفظ لا يحتمل، ولو قال: لله عَلَيَّ نذرٌ أن أتصدق بثوب، فذهب وتصدَّق بخبز، هل وَفَى بنذره؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟ لأن اللفظ لا يحتمل.
فإذا قال قائل: أنتم تقولون: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، لماذا لا تجعلون هذا حسب ما نوى؟
نقول: لأن اللفظ لا يحتمله، والحديث «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» في عمل يحتمل هذه النية.
(تَصَدَّقت) هل تحتمل الوقف؟
طالب: نعم.
الشيخ: تحتمل؛ لأن الوقف صدقة على الموقوف عليهم.
(حَرَّمت) تحتمل الوقف؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن الوقف فيه تحريم الموقوف على الواقف ما يتصرف فيه.
(أَبَّدْت) كذلك؛ لأن الوقف مؤبَّد لا يُبَاع ولا يُوهَب، يبقى على ما هو عليه.
الثاني قال: (أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة)، كيف قال: الخمسة، وهي ستة، هي خمسة ولّا ستة؟
الطلبة: خمسة.
الشيخ: لا، ستة: وَقَّفْت، حَبَّسْت، سَبَّلْت، تَصَدَّقت، حرَّمت، أَبَّدْت.
طالب: غير الذي اقترنه.
الشيخ: ها، غير الذي اقترنه، لأنه قال: (اقتران أحد الألفاظ الخمسة)، يكون عندنا لفظ أول اقترن به واحد من الألفاظ الخمسة.
فمثلًا إذا قال: تصدَّقت بهذا البيت صدقة موقوفة، صار وقفًا؛ لأنه اقترن بأحد الألفاظ الخمسة.
إذا قال: تصدَّقت به صدقة مُحَبَّسة صار وقفًا، صدقة مُسَبَّلة صار وقفًا، صدقة محرَّمة صار وقفًا، صدقة مؤبَّدة صار وقفًا.
فإذا قرن بواحد من ألفاظ الكناية أحد الألفاظ الخمسة، والباقي عندنا إذا أخذنا واحدًا من الكناية كم يبقى عندنا من الكناية؟ اثنين، يبقى اثنان وثلاثة صريح.
(أو حُكْم الوقف)، لو قال المؤلف: أو بما يدل على الوقف، لكان أولى وأعم.
حكم الوقف مثل أن يقول: تصدَّقت بهذا البيت على فلان صدقة لا تباع.
إذا قال: صدقة لا تباع، فما الذي لا يباع؟ الوقف، إذن عرفنا أنه أراد بالصدقة الوقف؛ لأنه قال: لا تباع، تصدَّقت بهذا البيت على فلان صدقة لا تُرْهَن، هذا وقف أيضًا؛ لأن الوقف لا يُرْهَن.
نحن قلنا: لو قال: أو بما يدل على الوقف لكان أعم، لو قال: تصدقت بهذا البيت على فلان والناظر عليه فلان، يكون وقفًا ولّا لا؟ يكون وقفًا، من أين علمنا ذلك؟ لقوله: والناظر، والنظر إنما يكون في الأوقاف.
قلت: تصدَّقت بهذا البيت على فلان ومن بعده فلان، هذا أيضًا يكون وقفًا؛ لأنك إذا قلت: ومن بعده فلان، عرفنا أنك أردت الوقف؛ إذ لو كان ملكًا لزيد لم يكن لك تصرف فيه بعده، يكون بعد زيد لمن؟ لورثته.
فالمهم أنه إذا قَرَن بالكناية أحد الألفاظ الخمسة، أو قَرَن بها ما يدل على الوقف، مثل أن يقول: لا تباع، أو يقول: الناظر فلان عليها، أو يقول: على فلان ومِن بعده فلان، أو ما أشبه ذلك من الكلمات التي تدل على الوقف فإنه يكون وقفًا.
إذن ياجماعة صِيَغ الوقف نوعان: فعلية وقولية، والقولية نوعان: صريح وكناية، والفرق بينهما؛ بين الصريح والكناية أن الصريح لا يحتمل غير الوقف، والكناية يحتمله وغيره.
ثانيًا: الصريح لا يحتاج إلى نية ولا اقتران شيء من الألفاظ معه، والكناية تحتاج إلى نية أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة، أو ما يدل على الوقف؛ لأنه كناية.
هل تُشْتَرَط النية في الصيغ الفعلية؟ الصيغ الفعلية الذي يجعل أرضه مسجدًا أو مقبرة هل تُشْتَرَط فيها النية؟
ظاهر كلام المؤلف: (كمن جعل أرضه مسجدًا وأَذِن للناس بالصلاة فيه) أنها لا تُشْتَرَط النية، وهذا العمل –يعني: جَعْل الأرض مسجدًا أو مقبرة- لا يخلو من ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن ينوي بذلك أنها مسجد أو مقبرة، فتكون مسجدًا أو مقبرة، ولا إشكال في ذلك.
الثانية: أن ينوي خلاف ذلك، بأن ينوي بجعلها مسجدًا أنها مؤقَّتة، أو بأنها مقبرة أنها مؤقتة، فقد صرّح شيخ الإسلام ابن تيمية أنها تكون وقفًا ولو نوى خلافها؛ لأن هذه النية تعارض الواقف، فإن مَن جعل أرضه مسجدًا فإن المعلوم أن المسجد سوف يبقى، فكيف تنوي أنه لا يبقى؟ مَن جعلها مقبرة فإن من المعلوم أن المقبرة سوف تبقى، فكيف تنوي خلاف ذلك؟!
الحال الثالثة: ألَّا ينوي هذا ولا هذا، لا ينوي أنها وقف، ولا أنها غير وقف، فتكون وقفًا لا إشكال فيه.
إذن لا إشكال في أنها تكون وقفًا بالفعل الدال على الوقف في حالين، ما هما؟
إذا نوى أنها وقف، وإذا لم يَنْوِ شيئًا، الحال الثالثة: إذا نوى خلاف الوقف، وأن تكون عاريَّة، فهذه محل خلاف بين العلماء، وقد صرَّح شيخ الإسلام رحمه الله أنها تكون وقفًا ولو نوى خلاف ذلك.
ثم قال المؤلف: (ويُشْتَرَط فيه المنفعة دائمًا)، (يُشْتَرَط فيه) يعني: في الوقف، والله أعلم، نقف على هذا.
طالب: لو قال: وَقَّفْت هذا البيت على أن يكون ناظره فلان وفلان، ولكن فلان أبى أن يكون ناظرًا على هذا، فهل لا يثبت الوقف؟
الشيخ: لا يثبت الوقف، ويعيِّن القاضي ناظرًا.

الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، أحيانًا بعض الناس يوقف أرضًا للمقبرة بدون تحديد، ما يحدد المسافة، ثم إذا رأى المقبرة اتسعت، يعني مقبرة الموتى يقول: أنا أتوقف عند حد معين، فهل له ذلك؟
الشيخ: ما فيه بأس، ما دام لم يعيِّنها فله إذا قُبِر عشرة عشرون يتوقف.

الطالب: أحسن الله إليك يا شيخ، (...) يأتي رجل ويجعل أرضه مقبرة، ويؤجر هذا القبر بمبلغ معين، هل القبر يدخل في الوقف (...)؟
الشيخ: لا ما هو بوقف، ليس بوقف، والإيجار هذه كيف تصير؟ كيف تكون الإجارة؟ كل سنة؟
الطالب: لا أدري.
الشيخ: لا تدري! أنت اللي جيبت السؤال.
الطالب: الظاهر يعني (...) اشترى قطعة أرض مبنية إلى أن ..
الشيخ: لا بأس، ولكن الشراء انتهينا ما إشكال، لكن أنت عرضت السؤال على أنه إجارَة، فحدِّد المدة الآن وإلا انسحب.
الطالب: يعني مثلًا (...).
الشيخ: عشر سنوات، هل نعلم أن الميت يبلى بعشر سنوات؟
الطالب: هذا الغالب.
الشيخ: الغالب؟! لا ما هو بعلى كل حال، الغالب تختلف الأراضي، فعلى كل حال يصح أنها تُشْتَرَى لا بأس، الفقهاء ذَكَرُوا أنه يصح أن يعيره الأرض حتى يبلى، إعارة؛ لأن الإعارة إباحة انتفاع، لكن الإجارة لما كانت عِوَضًا فإنها تكون مجهولة؛ لأننا ما ندري متى يبلى.

الطالب: (...) عاريّة، ولم يصرح بأنها عاريّة، كيف نقول (...)؟
الشيخ: إي نعم، نقول: يرجع.
الطالب: هو ما نوى شيئًا.
الشيخ: إي نعم.

الطالب: أصلح –مثلًا- الأرض وسَوَّرَها وجعلها مسجدًا بنية إذا بُنِي مسجد آخر يأخذ الأرض.
الشيخ: هذه لا بد إنه يصرح ولا تكون وقفًا، لا بد أن يصرِّح بأنها عاريَّة، ثم هناك قرائن، مثلًا إذا وضع فيها مسجدًا مؤقتًا، أو علمنا أن حوله أرضًا ستكون مسجدًا عرف، أرى أنها عاريَّة.

***

طالب: .. فيه المنفعة دائمًا من معيَّن يُنْتَفَع به مع بقاء عينه، كعقار وحيوان ونحوهما، وأن يكون على بِرّ، كالمساجد والقناطر والمساكين والأقارب من مسلم وذمي غير حربي، وكنيسة، ونَسْخ التوراة والإنجيل، وكتب زندقة، وكذا الوصية والوقف على نفسه، ويُشْتَرَط في غير المسجد ونحوه أن يكون على معيَّن يملك، لا ملك وحيوان وقبر وحمل، لا قبوله ولا إخراجه عن يده.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى.. سبق أن الوقف له صيغتان: قولية وفعلية، وأن القولية تنقسم إلى قسمين: صريح وكناية، وأن الفرق بينهما أن الصريح ينعقد به الوقف بمجرد النطق به، والكناية لا ينعقد بها الوقف إلا بواحد من أمور ثلاثة: أن تقترن بأحد الألفاظ الخمسة، أو أن ينوي ذلك، أو أن يقرنها بأمر يختص بالوقف.
مثال الأول: أن يقول: تصدَّقت بهذا صدقة مؤبَّدة على فلان، فهنا يكون وقفًا، ليش؟ لأنه قرنها بأحد الألفاظ الخمسة.
ومثال الثاني: أن يقول: تصدَّقت بهذا على فلان، وينوي أنه وقف، والمرجع في النية إليه لا إلى المتصدَّق عليه؛ لأن هذا لا يُعلَم إلا من جهته، ولأن التمليك حصل من جهته فلا يمكن أن نُخْرِج ملكه إلا على النية التي أراد.
مثاله: قال: تصدَّقت ببيتي على فلان، فذهب فلان يعرضه للبيع، فقال صاحب البيت: لا تَبِعْه، أنا نويت أن يكون وقفًا عليك فقال: لا، اللفظ الذي نطقتَ به يقتضي أن يكون ملكًا لي؛ لأنك أنت قلت: تصدَّقت ببيتي على فلان، فقال: قد نويت الوقف، فإلى مَن نرجع؟
طالب: إلى صاحب البيت.
الشيخ: إلى صاحب البيت، نقول: القول قولك؛ لأن النية لا تُعْلَم إلا من جهتك، ولأنك أخرجت ملكك لهذا الرجل على سبيل الوقف، فلا يمكن أن نُخْرِجَه عن ملكك على شيء لم تُرِدْه.
لو قال: تصدَّقت بهذا على زيد، ومن بعده على الفقراء، وقف؟
طالب: وقف.
الشيخ: صار وقفًا، من أين علمنا أنه وقف؟ أنه ذكر فيه معه ما يختص بالوقف. تصدَّقت ببيتي على فلان والناظر فلان؟
الطلبة: وقف.
الشيخ: وقف، ليش؟ قَرَنَهُ بما يختص بالوقف، تصدقت ببيتي على فلان صدقةً لا يباع فيها ولا يُرْهَن؟ وقف؛ لأنه قرنه بماذا؟ بما يختص بالوقف، وهو عدم البيع والرهن.
قال المؤلف: (وتشترط فيه المنفعة..) إلخ.
هذا شروع في شروط الوقف، الوقف كغيره من العقود، لا بد أن يكون صادرًا من ذي أهلية، فما الذي يُشْتَرط في الواقف؟ يُشْتَرَط أن يكون عاقلًا، فلو قال المجنون: وَقَّفْتُ بيتي، فإن الوقف لا يصح، لو قال الشيخ الكبير الْهَرِم الْمُهَذْرِم: وَقَّفْت بيتي؟
الطالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، ليش؟ لعدم العقل، لو قال السكران الذي شرب الخمر: وَقَّفْت بيتي؟
الطالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، على القول الراجح، أما على المذهب فيصح؛ لأنهم يجعلون أقوال السكران كأقوال الصاحي إذا كان غير معذور بسكره
.
يُشْتَرَط أيضًا أن يكون بالغًا، فإن كان غير بالغ فإن الوقف لا يصح.
فلو قال شابّ مراهق: وَقَّفْت بيتي لطلبة العلم، رجل طالب علم وطيِّب، وحريص على العلم، وحريص على تعلُّم الناس العلم، ولكنه لم يبلغ، له أربعة عشر سنة وستة أشهر، ولا احتلام ولا إنبات، فقال: وَقَّفْت بيتي على طلبة العلم، وهو رجل غني ثري، قد ترك له والده عقارات كثيرة، هل يصح الوقف أو لا؟
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، ليش؟
طالب: غير محتلم، صغير.
الشيخ: لأنه غير بالغ، صغير، لا بد أن يكون بالغًا.
وهل يُشْتَرَط أن يكون جائز التبرع؟ يعني بمعنى أنه ليس عليه دَيْن يستغرق ماله، هل يُشْتَرَط هذا؟ ألَّا يكون عليه دَيْن يستغرق ماله.
في هذا خلاف بين العلماء، وهو مبني على جواز التصرف، فإن قلنا بجوازِ تَصَرُّف مَنْ عليه دَيْنٌ يستغرق ماله قلنا بجواز الوقف وصحة الوقف، وإن قلنا بأن مَن عليه دَيْن يستغرق ماله لا يصح تصرُّفه على وجه التبرع، قلنا: لا يصح وقفه.
الصحيح أنه لا يصح تبرُّعه، وذلك لأن مَن عليه دَيْن يستغرق ماله قد شُغِل ماله بالدَّيْن؛ لأن وفاء الدَّيْن واجب، والتبرع والصدقة مستحبة غير واجبة، فلا يمكن أن نُسقِط واجبًا بمستحَبّ.
فالصحيح أن مَن عليه دَيْن يستغرق لا يصح منه الوقف ولو وَقَّف، ولا يصح منه العتق، ولا يجوز له أن يتصدق، وذلك لأن قضاء الدَّيْن واجب، ولا يجوز إسقاط الواجب بماذا؟ بالمستحب.
أما المذهب فيجوز أن يتبرَّع مَن عليه دَيْن يستغرق، إلا إذا حُجِرَ عليه، إذا حُجِر عليه من قِبَل القاضي فإنه لا يصح أن يتبرع، لا بصدقة ولا بوقف ولا بغيره.
إذن الشروط: أن يكون بالغًا، عاقلًا، جائز التبرع على القول الراجح.
هل يُشْتَرَط أن يكون جائز التصرف؟ إي، من باب أولى، يُشْتَرَط حتى على المذهب أن يكون جائز التصرف، فلو كان بالغًا عاقلًا لكنه سفيه لا يُحْسِن التصرف في ماله، فإنه لا يصح وَقْفُه؛ لأنه ليس جائز التصرف، وإذا كان لا يجوز أن يبيع ماله فإن تبرعه به من باب أولى ألَّا يجوز.
هذه الشروط في الواقف، نحتاج إلى شروط تتعلق بالوقف، وإلى شروط تتعلق بالموقوف عليه، يعني: شروط الوقف في الحقيقة تدور على ثلاثة أشياء: شروط في الواقف، وشروط في الوقف، وشروط في الموقوف عليه.
شروط الوقف، قال: (ويُشْتَرَط فيه المنفعة دائمًا من معيَّن يُنْتَفَع به مع بقاء عينه)، (يُشْتَرَط فيه)، يعني: في الوقف، (المنفعة دائمًا) يعني: لا بد أن يكون الموقوف ذا منفعة دائمة، دائمة..