كتاب الوقف (الشرح الأول) - 2
عدد الزيارات 1139

.. هذا الرجل على سبيل أيش؟ الوقف، فلا يمكن أن نُخْرِجه عن ملكك على شيء لم ترده.
لو قال: تصدَّقت بهذا على زيد، ومِن بعده على الفقراء؟
طلبة: وقف.
الشيخ: وقف؟ صار وقفًا، من أين علمنا أنه وقف؟ أنه ذكر معه ما يختص بالوقف.
تصدقت ببيتي على فلان والناظر فلان؟
طالب: وقف.
الشيخ: وقف، ليش؟ قَرَنَه بما يختص بالوقف.
تصدقت ببيتي على فلان صدقةً لا يباع فيها ولا يُرْهَن؟ وقف؛ لأنه قرنه بماذا؟ بما يختص بالوقف وهو عدم البيع والرهن.
قال المؤلف: (ويُشْتَرَط فيه المنفعة) إلى آخره.
هذا شروع في شروط الوقف، الوقف كغيره من العقود لا بد أن يكون صادرًا من ذي أهلية، فما الذي يُشْتَرَط في الواقف؟
يشترط أن يكون عاقلًا، فلو قال المجنون: وقَّفْتُ بيتي؟ فإن الوقف لا يصح، لو قال الشيخ الكبير الْهَرِم الْمُهَذْرِم: وقَّفْت بيتي؟
الطالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، ليش؟ لعدم العقل.
لو قال السكران الذي شرب الخمر: وقَّفْت بيتي؟ لا يصح على القول الراجح، أما على المذهب فيصح؛ لأنهم يجعلون أقوال السكران كأقوال الصاحي إذا كان غير معذور بسكره.
يُشْتَرَط أيضًا أن يكون بالغًا، فإن كان غير بالغ فإن الوقف لا يصح.
فلو قال شاب مراهق: وَقَّفْت بيتي لطلبة العلم، رجل طالب علم وطيِّب، وحريص على العلم، وحريص على تعلُّم الناس العلم، ولكنه لم يبلغ، له أربع عشرة سنة وستة أشهر، ولا احتلام ولا إنبات، فقال: وَقَّفْت بيتي على طلبة العلم، وهو رجل غني ثري، قد ترك له والده عقارات كثيرة، هل يصح الوقف أو لا؟
الطلبة: ما يصح.
الشيخ: لا يصح، ليش؟
طلبة: غير بالغ، صغير.
الشيخ: لأنه غير بالغ، صغير، لا بد أن يكون بالغًا.
وهل يُشْتَرَط أن يكون جائز التبرع؟ يعني بمعنى أنه ليس عليه دَيْن يستغرق ماله، هل يشترط هذا؛ ألَّا يكون عليه دَيْن يستغرق ماله؟
في هذا خلاف بين العلماء، وهو مبني على جواز التصرف؛ فإن قلنا بجواز تصرف مَن عليه دَيْن يستغرق ماله، قلنا بجواز الوقف وصحة الوقف.
وإن قلنا بأن مَن عليه دَيْن يستغرق ماله لا يصح تصرفه على وجه التبرع، قلنا: لا يصح وقفه.
والصحيح أنه لا يصح تبرُّعه،
وذلك لأن مَن عليه دَيْن يستغرق ماله قد شُغِلَ ماله بالدَّيْن؛ لأن وفاء الدَّيْن واجب، والتبرع والصدقة مستحبة غير واجبة، فلا يمكن أن نُسْقِط واجبًا بمستحب.
فالصحيح أن مَن عليه دَيْن يستغرق لا يصح منه الوقف ولو وقف، ولا يصح منه العتق، ولا يجوز له أن يتصدق، وذلك لأن قضاء الدَّيْن واجب، ولا يجوز إسقاط الواجب بماذا؟ بمستحب.
أما المذهب فيجوز أن يتبرع مَن عليه دَيْن يستغرق إلا إذا حُجِر عليه، إذا حُجِرَ عليه مِن قِبَل القاضي فإنه لا يصح أن يتبرع، لا بصدقة ولا بوقف ولا بغيرهم.
إذن الشروط: أن يكون بالغًا، عاقلًا، جائز التبرع على القول الراجح.
هل يُشْتَرَط أن يكون جائز التصرف؟ إي من باب أَوْلَى، يُشْتَرَط حتى على المذهب أن يكون جائز التصرف، فلو كان بالغًا عاقلًا لكنه سَفِيهٌ لا يُحْسِن التصرف في ماله فإنه لا يصح وقفُه؛ لأنه ليس جائز التصرف، وإذا كان لا يجوز أن يبيع ماله فإن تبرُّعه به من باب أولى ألَّا يجوز.
هذه الشروط في الواقف، نحتاج إلى شروط تتعلق بالوقف، وإلى شروط تتعلق بالموقوف عليه، يعني شروط الوقف في الحقيقة تدور على ثلاثة أشياء: شروط في الواقف، وشروط في الوقف، وشروط في الموقوف عليه.
شروط الوقف، قال: (ويُشْتَرَط فيه المنفعة دائمًا من معيَّن يُنْتَفَع به مع بقايا عينه). (يشترط فيه) يعني: في الوقف، (المنفعة دائمًا)، يعني: لا بد أن يكون الموقوف ذا منفعة دائمة، دائمة يعني: مستمرة، ما هو بإلى آخر الدنيا؛ لأن هذا شيء لا يمكن، لكن ليست منقطعة.
ولا بد أن يكون (من معيَّن)، وضد المعيَّن الْمُبْهَم.
والثالث: أن (يُنْتَفَع به مع بقاء عَيْنه)، فقولنا: يُشْتَرَط فيه المنفعة، هذا قيد، فإن لم يكن فيه منفعة فإنه لا يصح وقفه، فلو وَقَّفَ حمارًا مُقَطَّع الأربع، يعني: يداه ورجلاه مقطوعات، وقال: هذا وقف، ما تقولون؟ يصح ولَّا لا؟
الطلبة: ما يصح.
الشيخ: ما يصح، ليش؟ هذا لا يستفاد منه، هذا يأكل ولا يؤكل، فلا يصح الوقف.
لو وَقَّفَ طَبْلًا، طبل من الطبول، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟ لأن المنفعة محرَّمة، والمنفعة المحرَّمة وجودها كالعدم.
لا بد أن يكون دائمًا، فلو قال: وَقَّفْت هذا البيت لمدة سنة بس، فالوقف لا يصح؛ لأن المنفعة حينئذ مقيَّدة بسنة، طيب بشهر؟
طالب: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى.
(من معيَّن)، يعني: من شيء معيَّن لا مُبْهَم.
فلو قال: وَقَّفْت أحد بَيْتَيَّ، فإن الوقف لا يصح، لماذا؟
طلبة: غير معيَّن.
الشيخ: لأنه غير معيَّن، ويُشْتَرَط أن يكون معيَّنًا.
هل يُشْتَرَط أن يكون معلومًا؟
ظاهر كلام المؤلف: لا، فلو وَقَّفَ بيتًا وهو لم يَرَه، يعني أنه رجل ذو عقارات كثيرة، فوَقَّفَ أحد عقاراته بدون أن يعلم، مثل أن يقول: وَقَّفْت بيتي الذي في الحي الفلاني، وليس له بيت سواه في هذا الحي، لكنه لا يدري عن هذا البيت، لا يدري هل هو كبير أو صغير، من طين، أو من أسمنت، جيد أو رديء، ما يدري، يصح أو لا يصح؟
ظاهر كلام المؤلف أنه يصح؛ لأن هذا معيَّن، والمذهب أنه لا يصح؛ لأنه مجهول، وإذا كان مجهولًا فإنه قد يكون أكثر مما يتصوره الواقف، يعني: ربما يقف هذا البيتَ ظنًّا منه أنه يساوي عشرة آلاف، لكن يساوي مئة ألف، فإذا علم أنه يساوي مئة ألف ربما يندم، والشارع جاء بإزالة الندم عن الإنسان، فلهذا يقولون: إنه لا يصح إذا كان مجهولًا.
ولكن القول الراجح صحة هذا
؛ لأنه لم يُجْبَر على الوقف، وليس الوقف معاوَضَة حتى يقول: غُلِبْتُ أو خُدِعْت، الوقف تبرُّع أخرجه الإنسان لله، كما لو تصدق بدراهم بلا عدّ، لو تصدق بدراهم، أخذ من الكيس دراهم وأعطاها الفقير بلا عدّ، هل تصح الصدقة أو لا؟ تصح وتنفذ.
فلو تَبَرَّز الفقير هناك وعدّ ولَا مئة ريال، قال: الله يجزيك خيرًا اللي أعطيتني مئة وأنا محتاج، قال: مئة؟ أنا أحسبها عشرة، أعطني التسعين ريالًا، يصح ولَّا ما يصح؟
ما يصح؛ لأنه تصدَّق وتبرَّع، والمسألة ليست معاوَضَة حتى يدخلها الغَبْن، المسألة تبرُّع، فلهذا كان القول الراجح أنه يصح وقْف المعيَّن وإن كان أيش؟ وإن كان مجهولًا؛ لأنه ليس معاوضة حتى نقول: إنه داخل في الغُنْم أو الغُرْم، بل هو تبرُّع محض إذا أمضاه الإنسان نَفَع.
أذن (من معيَّن) ويش ضده؟
طالب: الْمُبْهَم.
الشيخ: الْمُبْهَم، مثل: وَقَّفْت أحد بَيْتَيَّ، فإن هذا الوقف لا يصح.
(يُنْتَفَع به مع بقاء عينه) يعني: لا بد أن يكون هذا المعيَّن يُنْتَفَع به وعينه باقية، فإن كان لا يُنْتَفَع به إلا بتلف عينه فإن الوقف لا يصح؛ لأن الوقف حَبْسُ الأصل وتسبيل المنفعة، فإذا كان هذا الشيء لا يُنْتَفَع به إلا بتلفه فأين حَبْس الأصل وتسبيل المنفعة؟
المنفعة إتلاف له، فلو وَقَّفَ الإنسان تمرًا للصُّوَّام يُفْطِرُون به في رمضان فإن الوقف لا يصح، لماذا؟
الطالب: لأن المنفعة لا تزيل الأصل.
الشيخ: لا يمكن الانتفاع بالتمر إلا بأكله، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: إذا كان لا يمكن الانتفاع به إلا بأكله فأين الوقف؟ الوقف تَحْبِيس الأصل وتسبيل المنفعة، فلا يصح أن يوقِف طعامًا للأكل.
لو أوقف ثيابًا؟
طلبة: يصح.
طلبة آخرون: ما يصح.
الشيخ: يصح ولَا يصح، وفيه التفصيل، بقي عليكم واحد؟
يصح؛ لأنه يمكن الانتفاع بها مع بقائها، ولَّا لا؟ يمكن ألبسها اليوم وتبقى، حصل لي نفع الآن وهو اللبس، أليس كذلك؟ حتى البيت أيضًا سيؤول إلى انهدام.
يعني قد يقول أحدكم: الثياب تبلى، نقول إذن: والبيت ينهدم، لكن في حال الانتفاع تستطيع أن تنتفع به وهو إيش؟ وهو باقٍ، لكن لو وَقَّفَ كيلو تمر على زيد، فجاء زيد وجلس على هذا الكيلو وأكله كله، ويش يبقي؟
طلبة: لا شيء.
الشيخ: لا شيء، فلهذا هناك فرق بين إيقاف الطعام للأكل وإيقاف الثياب للبس، الثاني صحيح حتى على كلام المؤلف، والأول غير صحيح.
يُسْتَثْنَى من هذا -على كلام المؤلف- الماء، فلو سَبَّل الإنسان خزَّانًا من الماء على المارّة من هذا الطريق صار الوقف صحيحًا؛ لآثار وردت في ذلك.
ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: إن تصحيحكم لوقف الماء وهو لا يُنْتَفَع به إلا بإتلافه يُلْزِمُكم أن تُصَحِّحُوا وقف الطعام الذي لا ينتفع به إلا بإتلافه، وأنه يصح أن يوقِف الإنسان التمر على الْمُفْطِرِين في رمضان.
وما ذهب إليه شيخ الإسلام هو الصحيح، أي أنه يجوز وقف الشيء المعيَّن وإن كان لا يُنْتَفع به إلا بإتلافه.
فيجوز –مثلًا- أن آتي بإناء كبير من التمر وأقول: هذا وقف على فلان، ماذا يفعل فلان بهذا التمر؟ يأكله حتى يفنى، المذهب يقولون: إنه لا يصح الوقف، وهل يصح صدقة؟
الطلبة: يصح.
الشيخ: يقولون: لا ما يصح، يعني لو قلت: هذا وقف، ما يصح أن يكون صدقة، إلا إذا قلت: تصدقت به على فلان، إذا قلت: تصدقت به على فلان، صح، وإذا قلت: وَقَّفته على فلان إيش؟ على كلام المؤلف: لا يصح.
إذن فالمخرج مما قال المؤلف أن نقول بدل وقّفت: تصدقت، عرفتم يا جماعة؟
قد تقولون: إذن ما الفرق بين اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية في جواز الوقف والصدقة؟ شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: الصدقة جائزة والوقف جائز، ما الفرق من حيث اللفظ؟
يقولون: الفرق أنك إذا تصدقت به على زيد وأخذه مَلَكَ التصرف فيه، يبيعه، يرهنه، يهبه، ملكه هو فيه حر، وإذا قلت: هذا التمر وَقْفٌ على زيد، لم يتمكن من التصرف فيه، فلا يملك أن يبيعه، أو أن يرهنه؛ لأن الوقف لا يباع.
أيهما أصلح للفقير: الوقف ولَّا الصدقة؟
الطلبة: الصدقة.
الشيخ: الصدقة أحيانًا والوقف أحيانًا، إذا كان هذا الفقير أخرق فالوقف أحسن؛ لأن الأخرق ممكن يبيعه برُخص، ممكن يبيعه ويشتري أشياء غير هامة، لكن لو تصدقت به صدقة راح يبيعه ويشتري جِرَار بيبسي وما أشبه ذلك، يموت من الجوع ويشتري أشياء تنزّل الطعام اللي في معدته وتزيده جوعًا إلى جوعه، هذا ما هو أحسن نعطيه صدقة، أعطيه أيش؟ نعطيه وقفًا، أجعله وقفًا عليه، وإذا شفته يبغي يطلّع منه كيلو منعته، قلت: أنا موقفه عليه توقيفًا، ما يمكن تبيع منه شيئًا.
إذن القول الراجح في هذه المسألة أنه يجوز أن يوقِف شيئًا.. أتموا.
الطلبة: لا ينتفع به إلا بإتلافه.
الشيخ: لا يُنْتَفَع به إلا بإتلافه، قياسًا على ما قالوه هم أنفسهم في وقف الماء؛ لأنه لا فرق
.
(يُنْتَفَع به مع بقاء عينه)، كعقار، العقار يُنْتَفَع به مع بقاء عينه؟
طالب: نعم.
الشيخ: مثل أيش؟ كدكان –مثلًا-، أوقف دكانًا على فلان يمكن يُنْتَفَع به مع بقاء عينه، لكن إذا قال الموقوف عليه: أنا لست صاحب بَيْع وشراء، ويش ينفعني الدكان، ويش نقول؟ أَجِّرْه، الآن منفعة الدكان لك، سواء استوفيتها بنفسك أو بغيرك، ممكن تؤجّره، يمكن تعطيه صديقًا لك ينزله وينتفع به.
حيوان، يمكن يوقِّف حيوانًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، يمكن يوقِّف حيوانًا، مثل أن يوقِف فرسًا للجهاد في سبيل الله، يمكن يوقف بقرة على عائلة ينتفعون بأيش؟ بلبنها، يوقف بعيرًا على حَطَّاب ينتفع به، يوقف بعيرًا على قَصَّاب يذبحها ويبيع لحمها؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؟
طالب: على التفصيل السابق.
الشيخ: ما هو على التفصيل السابق، يصح وقفه على الجزار لكن يقال: لا تذبحها، انتفع بها، أَجِّرها، يقول: والله أنا لست جَمَّالًا حتى أروح أحطب عليها، نقول: أَجِّرْها.
يقول: (ونحوهما): نحو الحيوان والعقار، أَوْقَفَ كتابًا على زيد، يصح؟
طالب: يصح.
الشيخ: كتابًا، هل هو معيَّن يُنْتَفَع به مع بقاء عينه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم. أوقف سيارة؟
طلبة: يصح.
الشيخ: يصح، أوقف قلمًا؟
طلبة: يصح.
الشيخ: يصح؛ لأن كل هذا يمكن أن يُنْتَفَع به مع بقاء عينه، أوقف ولده على فلان؟
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنه لا يملك.
الشيخ: لأنه لا يُمْلَك، الولد لا يُمْلَك، ولهذا لا بد أن يكون مما يصح ببيعه، المؤلف ما ذكرها لكن معروفة، لا بد أن يكون مما يصح بيعه، فإن كان لا يصح بيعه ولا تملُّكه كالحر –مثلًا- لا يجوز.
أوقف أَمَة على شخص؟
طلبة: يصح.
طلبة آخرون: لا يصح.
طالب: تفصيل.
الشيخ: أَمَة أوقفها على شخص، يصح؟
طالب: نعم.
الشيخ: يصح، ويمكن أن ينتفع بها ولو بغير الوطء، الوطء يحتاج إلى نظر، لكن غير الوطء -مثلًا- ينتفع بها خادمة؟
الطالب: يصح.
الشيخ: يصح، غير ذلك مما يُنْتَفَع به مع بقاء عينه مثل أيش؟ كالسلاح، النخل؛ أوقف نخلة على شخص يجوز أو لا؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: يصح؛ لأنه يُنْتَفَع بها مع بقاء عينها، كيف ينتفع بها مع بقاء عينها؟ إي نعم، فيها ثمرة، أليس كذلك؟ فيها ثمرة، إذا كان فيها ثمرة فإنه يُنْتَفَع بها.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه أوقف أرضه التي في خيبر بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام ومشورته ، وهي لا تخلو من نخل، ولهذا عامَلَ النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على ما فيها من زرع ونخل بالشَّطْر .
إذن القاعدة: يُشْتَرَط في الموقوف أن يكون مشتملًا على منفعة دائمة، مباحة ولَّا ولو كانت حرامًا؟
الطلبة: مباحة.
الشيخ: مباحة، وأن يكون معينًا، سواء كان معلومًا أو مجهولًا على القول الصحيح، وهو ظاهر كلام المؤلف، وأن يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه.
طالب: شيخ، مَن وقف –مثلًا- داره على طلبة العلم، وبعده سكن فيه بعض لا يهتم بالعلم، هل يجوز لمالكه التصرف حتى يخرج هذا الرجل؟
الشيخ: يعني أوقفه على طلبة العلم، وسكنه غير طالب علم، له أن يُخْرِجه، معلوم.
الطالب: وهو عليه حرام السكن فيه؟
الشيخ: إي نعم، إذا كان هذا البيت وقفًا على طلبة علم فإنه لا يحل لمن لم يكن طالب علم أن يسكنه.
الطالب: والتهاون، إذا كان عنده تهاون بالعلم، كذلك حرام عليه؟
الشيخ: إي، هذا إذا كان عنده تهاون يُرْجَع إلى العُرْف، فإذا قيل: هذا طالب العلم؛ لأنه أحيانًا يكون طالب العلم المتهاون طالب علم بالنسبة لفتور الناس، وأحيانًا يكون طالب العلم المتهاوِن ليس طالب علم بالنسبة لنشاط الناس.
فمثلًا نحن الآن عندنا نحن طلبة علم، ولكن معنا فُتُور، ولَّا لا؟ لأننا لسنا كطلبة العلم السابقين الذين يسهرون الليل ويكدحون النهار، أكثر أوقاتنا نوم وأكل، لكن مع ذلك يقال عنّا: إننا أيش؟ طلبة علم، لكن طلبة علم وقتنا، إي نعم، فلو أردنا أن نقول: لا يسكن الدار التي وُقِّفَت لطلبة العلم إلا رجل كان يطلب العلم كما يطلبه شيخ الإسلام ابن تيمية صعب هذا.

الطالب: شيخ الذين ذهبوا إلى صحيح وقف الماء فقصدهم الماء من المنبع أم الماء حتى المجرَّد عن المنبع؟
الشيخ: لا لا، الماء المحبوس، قلت لكم ما هو، مَثَّلْتُ بماذا؟
طلبة: بالخزان.
الشيخ: بالخزان، أما الماء الذي في البئر هذا واضح ما فيه إشكال؛ لأنك وَقَّفْت البئر والبئر يخرج منه الماء شيئًا فشيئًا.

الطالب: شرط أن يصح بيعه، هذا ليس من ضمن شروط الوقف؟
الشيخ: إي نعم.

الطالب: لأنه (...).
الشيخ: نعم. (...)

***

طالب: .. والإنجيل وكتب زندقة، وكذا الوصية والوقف على نفسه، ويُشْتَرَط في غير المسجد ونحوه أن يكون على معيَّن يملك، لا ملك وحيوان وقبر وحمل، لا قبوله ولا إخراجه عن يده.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، سبق لنا أن للوقف شروطًا، منها ما يعود إلى أيش؟
طلبة: الواقف.
الشيخ: إلى الواقف، ومنها ما يعود إلى الموقوف، ومنها ما يعود إلى الموقوف عليه، وسيأتي إن شاء الله كل هذا، سبق بعضها ويأتي بعضها.
الذي يعود إلى الواقف ما هو؟
طالب: أن يكون بالغًا، عاقلًا، جائز التصرف.
الشيخ: نعم؟
طالب: جائز التبرع.
الشيخ: على القول الراجح، على القول الراجح أن يكون جائز التبرع
.
من هو جائز التصرف؟ الرشيد، يعني إذا لم يكن رشيدًا بأن كان سفيهًا فإنه لا يصح تصرفه.
ما تقول في رجلٍ مَدِين دَيْنًا يستغرق ماله فوقَّف بيتَه؟
الطالب: المسألة فيها قولان، أُرَجِّح أنه لا يجوز له التصرف في ماله لأن ماله..
الشيخ: لا يجوز له التصرف ولّا التبرع؟
الطالب: التبرع.
الشيخ: طيب
.
الطالب: لأن ماله قد شُغِل بالدَّيْن، والدَّيْن واجب والوقف مستحب، ولا يُسْقِط المستحبُّ الواجبَ.
الشيخ: زين، والقول الثاني إذا قلنا: إن الشرط أن يكون جائز التصرف؟
الطالب: يجوز أنه يتبرع.
الشيخ: يجوز أن يوقفه.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ويصح الوقف. رجل مُبَرْسَم؟
الطالب: ما يعني؟
الشيخ: الْمُبَرْسَم الذي أصابه البرسام، وهي علة في الدماغ، رجل مُبَرْسَم وقَّف بيته، ويش تقول فيه؟
الطالب: يعني عقله سالم ولَّا؟
الشيخ: مُبَرْسَم عقله ما هو سالم.
الطالب: لا يصح؛ لأنه غير عاقل.
الشيخ: لأنه غير عاقل، أحسنت، شاب له أربع عشرة سنة وَقَّفَ شيئًا من ماله، ويش يقول؟
طالب: لا يحق له الوقف.
الشيخ: هل يصح وقفه ولّا ما يصح؟
الطالب: ما يصح.
الشيخ: لماذا؟ أنت ما حضرت أمس؟
طالب: لأنه من شروط الواقف أن يكون بالغًا.
الشيخ: من شروط الواقف أن يكون بالغًا، وهذا لم يبلغ.
فيه شروط تعود على الموقوف؟
طالب: يُشْتَرَط في الموقوف أن يكون دائم النفع، وأن يكون مِن عنده..
الشيخ: أن يكون ذا نفع دائم. لو وَقَّفَ ما لا نفع فيه كحمار مكسَّر الأعضاء؟
الطالب: لا يصح.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه لا منفعة فيه.
الشيخ: لا منفعة فيه ولا فائدة، ما الذي يستفيده الموقوف عليه، كمِّل الشروط.
طالب: ألَّا يكون الوقف على حرام.
الشيخ: لا، ما وصلنا لها.
طالب: أن يكون معيَّنًا.
الشيخ: أن يكون الموقوف معيَّنًا، احترازًا من أيش؟
الطالب: مِن الْمُبْهَم.
الشيخ: من المبهم، مثِّل للمبهم؟
الطالب: كأن يكون عنده –مثلًا- عشرة بيوت ويقول: وقّفت أحد بيوتي.
الشيخ: المبهم مثل أن يكون الرجل عنده عدة بيوت، فيقول: وقّفت أحد بيوتي، هذا الوقف لا يصح؛ لأن ما ندري ما الذي وُقِّف.
طالب: بقاء عين الوقف.
الشيخ: أن يكون هذا الموقوف يُنْتَفَع به مع بقاء عَيْنِه، مثل؟
الطالب: مثل أن يوقف سكنًا.
الشيخ: زين، أن يوقف بَيْتًا على شخص، فهنا يُنْتَفَع به مع بقائه، يُسْكَن وهو باقٍ، ثوبًا للبس، احترازًا؟
طالب: مما لا ينتفع بالصفة التي..
الشيخ: مما لا يمكن الانتفاع به إلا بفنائه، مثل؟
الطالب: الأكل.
الشيخ: الأكل ولَّا المأكول، هل أحد يوقِّف الأكل؟ يقول: وَقَّفْت أكلي على فلان؟
الطالب: الموقوف مثل التمر.
الشيخ: زين، أحسنت، مثل الطعام، لو وقَّف الإنسان طعامًا، فقال: وَقَّفْت هذا التمر على الفقراء يُفْطِرُون به في رمضان، أو على الصُّوَّام يفطرون به في رمضان، يصح ولَّا ما يصح؟
الطالب: ما يصح؛ لأنه لا يُنْتَفَع به إلا بتلفه.
الشيخ: ومن الذي قال لك: إنه لا يوقَف الذي لا يُنْتَفَع به إلا بتلفه.
الطالب: نعم؟
الشيخ: مَن الذي قال لك: إنه لا يوقَف إلا الشيء الذي يُنْتَفَع به مع بقائه؟
الطالب: المذهب.
الشيخ: قال لك المذهب، يقول واحد مش أنت: المذهب! أنا عندي مذهب ثانٍ.
الطالب: استدلوا بآثار ورَدَت عن الصحابة أنه لا يوقَف على شيء يُنْتَفَع به إلا عينه.
الشيخ: ما هو الوقف؟
الطالب: تسبيل المنفعة وتحبيس الأصل.
الشيخ: قالوا: فإذا كان تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وكان هذا الشيء لا يمكن الانتفاع به إلا بفنائه فأين حبس الأصل؟ كذا ولَّا لا؟
قالوا: هذا أصلًا يعارض الوقف؛ لأن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، فإذا كان لا يمكن الانتفاع به إلا بتلفه إذن أين التحبيس، واضح؟
هل يستثنى من هذا الشيء على القول بالاشتراط؟
الطالب: نعم، يستثنى الماء؛ لأنه يصح وقفه.
الشيخ: هل المراد الماء في البئر أو المراد الماء في الإناء؟
الطالب: الماء في الإناء.
الشيخ: الماء في الإناء، صحيح، يعني يجوز للإنسان –مثلًا- يأخذ برميل ماء ويجعله على السابلة ويقول: وَقَّفْت هذا الماء، مع أنه لا يمكن الانتفاع به إلا بتلفه، إلا بالشرب، استثنى هذا لأنه وردت آثار عن الصحابة في ذلك.
هل هناك خلاف في هذا الشرط؟
الطالب: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه يصح وقف ماء..
الشيخ: القول الثاني لشيخ الإسلام ابن تيمية أنه يجوز إيقاف ما لا يُنْتَفَع به إلا بتلفه، وقال: إن هذا كما ورد عن الصحابة في الماء أيضًا يقاس عليه غيره.
الطالب: فيه فائدة.
الشيخ: وفيه فائدة، وهي أنه لا يباع، يعني المذهب يقولون: بدل أن توقفه تصدَّق به عليهم، قل: هذا صدقة، فنقول: لا، بينهما فرق؛ لأني إذا وَقَّفْتُه لا يمكن أن يباع، فإذا تصدقت به صار المتصدَّق به عليه يملكه، يبيعه وينتفع به بما شاء.
ما تقول في شخص وَقَّف بيتًا له وهو لا يعرفه؟
طالب: لا يصح الوقف؛ استنادًا إلى أن الموقوف مجهول.
الشيخ: اشتراطًا أن يكون الموقوف معلومًا، وهنا الموقوف مجهول، فلا يصح وقفه، كذا؟ هل تعلم في هذا قولًا آخر؟
الطالب: نعم، فيه قول آخر، يكون الوقف هذا..
الشيخ: إنه يصح الوقف ولاّ ما يصح؟
الطالب: يصح.
الشيخ: يصح الوقف.
الطالب: والسبب أنه ما أُلْزِم بذلك الوقف.
الشيخ: أيش معنى إنه ما أُلزم؟
الطالب: ما أُلْزِم أن يوقف على البيت مثلًا.
الشيخ: ما هو ظاهر.
طالب: هذا الوقف ليس معاوضة، ولكنه تبرع، فلم يُلْزَم على هذا الوقف، ولكن تصدق به ..
الشيخ: لأن الوقف تبرع، ليس معاوضة يُشْتَرَط فيه العلم، الذي يشترط فيه العلم هو المعاوضة؛ لأن المعاوضة إذا لم يكن معلومًا صار ميسرًا، قد يكون غانمًا وقد يكون غارمًا، لكن المعاوضة تبرع محض، أي شيء يحصل منها فهو مفيد، واضح؟
أظن انتهى المناقشة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأن يكون على بِرّ).
هذا من الشروط، من الشروط (أن يكون على بِرّ)، أي: على شيء يُقَرِّب إلى الله، وهذا شرط في الجهة التي يوصف إليها الوقف؛ أن تكون جهة بِرٍّ، أي: جهة طاعة وعبادة لله عز وجل.
قال الإمام أحمد: لا أعلم الوقف إلا ما أُرِيدَ به وجه الله، ولأن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما استشار النبي صلى الله عليه وسلم في أرضه التي غنمها في خيبر إنما يريد بذلك أيش؟ التقرب إلى الله، وإذا لم يكن الوقف على بِرٍّ فلا قربة فيه.
مثاله: (كالمساجد والقناطر والمساكين والأقارب)، هذه عدة جهات.
(كالمساجد) فإذا قال –مثلًا-: أوقفت بيتي لمصلحة المساجد، فالوقف على بِرٍّ ولَّا على إثم؟
طالب: بِرّ.
الشيخ: على بِرّ، إذا قال قائل: المساجد لا تَمْلِك، قلنا: لكنها جهة لها مَن يتولى أمرها.
ولا فرق في هذا بين أن يكون الوقف على مسجد معيَّن أو على المساجد عمومًا، فإن كان على مسجد معيَّن تعيَّن فيه ولا يجوز صرفه إلا غيره، وإن كان على المساجد عمومًا وجب على الناظر أن يبدأ بالأحَقّ فالأحَقّ، سواء كانت هذه الأحقية عائدة إلى ذات المسجد، أو عائدة إلى المصلين فيه، انتبه.
فإذا وقَّف عقارًا على مصالح المساجد، وأخذنا غَلَّةَ هذا الوقف، وعندنا عدة مساجد، مَن نقدم بها؟
الأحق، سواء كان عائدًا إلى ذات المسجد، أو إلى المصلين فيه، فإذا كان أحد المساجد هذه فيه عيب وخَلَل يحتاج إلى ترميم، والمساجد الأخرى ليست في حاجة إلى ذلك، فنُقَدِّم الذي يحتاج، هذا يحتاج إلى ترميم نقدمه؛ لأن العيب إن لم تداركه ازداد.
إذا كانت المساجد كلها سواءً في الترميم لا تحتاج إلى ترميم، لكن بعضها يكثُر فيها المصلون فتحتاج إلى زيادة تهوئة وتبريد، فما الذي نقدِّم؟
نقدم هذا الذي يحتاج إلى تهوئة وتبريد؛ نفتح فيه منافذ، نضع فيه مكيفات، ونقدمه على غيره؛ لأن المصلين يكثرون فيه.
أحد المساجد جامع يحتاج إلى مكبِّر صوت في الخطبة والأذان، والأخريات غير جوامع، لا تحتاج إلَّا إلى الأذان، ما الذي نقدِّم؟
الطلبة: الجامع.
الشيخ: الجامع؛ لأن فيه فائدتين؛ الخطبة والأذان.
إذن الوقف على المساجد جائز ومشروع، كذا؟ سواء كان المسجد معيَّنًا أم على المساجد عمومًا، فإن كان معيَّنًا وجب تخصيص الوقف به، وإن كان عامًّا قُدِّم الأحق فالأحق حسب ما تقتضيه المصلحة.
(القناطر) أيش هي القناطر هذه؟
القناطر الأنهُر، يعني من جنس الجسور، فإذا وقَّف وقفًا على تعمير القناطر، أو الجسور، أو شق الأنهر، أو حفر الآبار، أو ما أشبه ذلك مما ينفع المسلمين فهذا بِرّ يُصْرَف فيه، ويتعيَّن أن يُصْرَف في النوع الذي عَيَّنَه الواقف، وفي العين أيضًا.
فإذا وَقَّفَ على شق الأنهر لم يَجُزْ صرفه في القناطر، وإذا وَقَّفَ على القنطرة المعيَّنة لم يَجُزْ صرفه في قناطر أخرى، يتعيَّن النوع ويتعيَّن العين الذي عيَّنَها الواقف.
(المساكين) جهة ولَّا معين؟
طالب: جهة.
الشيخ: المساكين جهة، قال: هذه وقف على المساكين، يُصْرَف الوقف للمساكين في حوائجهم، ويقدَّم مَن؟ الأحوج فالأحوج؛ لأن الحكم إذا عُلِّق بوصف ازداد قوة بحسب قوة الوصف فيه، والعطاء إذا قُيِّد بحاجة ازداد قوة بحسب الحاجة، وعلى هذا فنبدأ بالأحوج فالأحوج من المساكين.
(الأقارب) جهة ولَّا عين؟
طالب: الأقارب جهة.
الشيخ: جهة، فإذا قال: هذا وقف على أقاربي، وجب أن يُصْرَف للأقارب، الأقارب من أين إلى أين؟ من الجد الرابع فنازلًا، هؤلاء كلهم أقارب، الإخوان؟
طلبة: أقارب.
الشيخ: والأعمام؟
طلبة: أقارب.
الشيخ: وأعمام الأب.
طلبة: أقارب.
الشيخ: أعمام الأب يتصلون بك في أي جد؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: أعمامك في الجد الأول، وأعمام أبيك في الجد الثاني، وأعمام جدك في الجد الثالث، وأعمام جد أبيك في الجد الرابع، فمن الجد الرابع فما دون هؤلاء أقارب، ومَن فوق ليسوا بأقارب، وإن كان فيهم قرابة لكن لا يُعَدُّون من القرابة الأدنين، ولهذا لما أنزل الله وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤]، لم يَدْعُ النبي صلى الله عليه وسلم كل قريش، بل دعا مَن شاركوه في الأب الرابع فما دون.
إذن إذا وَقَّفَ على الأقارب اختص الوقف بهم، ولكن مَن نقدِّم الأحوج أو الأقرب؟
طالب: الأحوج، والأقرب، الوصف من هذا.
الشيخ: الآن الوصف القرابة، ما هو الحاجة، ونحن قلنا قبل قليل: إن ما عُلِّقَ على وصف كان أقوى بحسب قوة ذلك الوصف، فإذن نقدِّم الأقرب، ولهذا يقدَّم في الميراث ابن العم الغني على ابن ابن العم الفقير، لماذا؟ لأنه أقرب، إلا إذا علمنا أن مراد الواقف دَفْع الحاجة دون الصلة، فحينئذ نقدِّم مَن؟
طلبة: الأحوج.
الشيخ: نقدِّم الأحوج ولو بعده، إذن إذا علمنا أن مراد الواقف الصلة مَن نقدم؟
طلبة: نقدم الأقرب.
الشيخ: الأقرب، إذا علمنا أن مراده دفع الحاجة نقدِّم الأحوج، إذا أشكل علينا الأمر فالأقرب؛ لأننا نقضي بنحو ما نسمع، والواقف عَيَّن الاستحقاق بالقرابة، فمن كان أقرب فهو أحق، ولكن هل المسألة ترتيب أو تقديم؟
طالب: ترتيب.
الشيخ: أنت الآن تعرف الفرق بينهم؟
الطالب: إن كان ترتيبًا نقدم المنازل الأقرب، وإن كان تقديمًا نقدم الثاني.
الشيخ: ويش هو الثاني؟
الطالب: نقدم الأقرب لحاجته.
الشيخ: لا.
طالب: يعني الجهة.
الشيخ: لا، إذا كان ترتيبًا فلا حق للأبعد مع الأقرب ولو زاد على حاجة الأقرب، يعني –مثلًا- إذا قَدَّرنا أن الريع عشرة آلاف، والأقرب يكفيه خمسة آلاف، فإننا نعطي الأقرب كل العشرة، هذا إذا قلنا: إنه ترتيب.
وإذا قلنا: إنه تقديم، قلنا: أَعْطِ الأقرب ما يحتاج فقط، فنعطيه في هذا المثال كم؟
طالب: خمسة آلاف.
الشيخ: خمسة آلاف، والباقي للآخر، فهذه نقول: إنها من باب التقديم وليست من باب الترتيب؛ لأن الترتيب لا حق للثاني مع الأول مطلقًا، والتقديم له الحق فيما فضل عن حاجة الأول.
(الأقارب)، قال: (من مسلم وذمي)، فإذا قال: هذا وَقْفٌ على أقاربي، وله ثلاثة أبناء عم؛ أحدهم مسلم، والثاني يهودي، والثالث نصراني، لكنهم ذِمِّيُّون، هل نخصه بالمسلم أو للجميع؟
قال المؤلف: (من مسلم وذمي)، للجميع، نعطي المسلم درهمًا، واليهودي درهمًا، والنصراني درهمًا، ليش؟ لأن وصف القرابة ينطبق عليهم جميعًا وإن كانوا مخالفين في الدين، صح ولَّا لا؟
لكن لو قال: القريب المسلم، كذا، فهل نعطي اليهودي والنصراني؟ لا؛ لأنه خصّه بالمسلم.
قال المؤلف: (غير حربي)، (من مسلم وذمي غير حربي)، الاستثناء هنا منقطع؛ لأن الحربي ليس من الذمي في شيء، يعني أنه لا يُعْطَى القريب الحربي.
مَن الحربي؟ الذي ليس بيننا وبينه ذمة ولا عهد ولا أمان، الكافر الذي ليس بيننا وبينه ذمة ولا عهد ولا أمان فهذا حربي، يحلّ لنا قتله أينما وجدناه؛ لأنه محارب.
فإذا كان رجل أوقف على أقاربه، ووجدنا أبناء عم له، أحدهم مسلم، والثاني يهودي ذمي، والثالث نصراني ذمي، والرابع يهودي حربي، مَن نعطي؟
الثلاثة الأُوَل، والرابع لا نعطيه؛ لأن الرابع ليس له حق ولا كرامة، بل نقتله إذا وجدناه، كيف نعطيه ما يحيا به؟!
ثم إن الحربي إذا أعطيناه ماذا يفعل بالمال؟ يشتري به سلاحًا يقتلنا به، فكيف نعطيه من الوقف؟
ولهذا استثنى المؤلف قال: (غير حربي) مَن الحربي؟ هو الكافر الذي ليس بيننا وبينه ذمة ولا عهد ولا أمان.
الطالب: إذا وقف رجل قال: هذا وقف على الفقراء؟
الشيخ: على إيش؟
الطالب: على الفقراء، ثم أصبح فقيرًا هو، الواقف، هل له الحق الأخذ منه؟
الشيخ: أيش تقولون في هذا؟ قال: هذا وقف على الفقراء، وافتقر، هل يأخذ منه؟
طالب: يأخذ.
الشيخ: يأخذ منه، إي نعم.
الطالب: نحن قلنا الآن: ما يحق له أن يملك شيئًا منه.
الشيخ: كيف؟
الطالب: قلنا: إذا أوقفه ما يحق له أن يملك شيئًا منه، خرج من ملكه أصلًا.
الشيخ: متى قلنا هذا؟ أنت لو قلت: لأن الواقف يخرج من ملكه، أما إننا قلنا، ونحن ما قلنا، هذا ما هو بصحيح.
الطالب: هذا القصد.
الشيخ: القصد ما نعرف اللي في قلبك، رجعت؟
الطالب: نعم.
الشيخ: أيش تقول؟
الطالب: قلت: إنه خرج الآن من ملكه، كيف نعيده له مرة ثانية؟
الشيخ: خرج من ملكه على وصف معيَّن، واتصف هو بهذا الوصف، فيستحق.

***

طالب: .. محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى: وأن يكون على بِرٍّ، كالمساجد والقناطر والمساكين والأقارب من مسلم وذمي غير حربي، وكنيسة ونسخ التوراة والإنجيل وكتب زندقة، وكذا الوصية والوقف على نفسه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد.
ذكر المؤلف من شروط الوقف أن يكون على بِرٍّ، وهل هذا على إطلاقه؟
طالب: نعم، على إطلاقه، إذا كان على جهة عامة على إطلاقه.
الشيخ: إذا كان على جهة عامة فهو على اطلاقه، صح، إذن ليس على إطلاقه، على بِرٍّ، متى؟ إذا كان على جهة عامة، أما إذا كان على معيَّن فلا يُشْتَرَط أن يكن على بِرٍّ.
يقول المؤلف رحمه الله : (كالمساجد والقناطر والمساكين والأقارب من مسلم وذمي غير حربي).
لو وقَّف على الأغنياء قال: هذا البيت وقفٌ على الأغنياء، فهل يصح الوقف؟
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟
الطلبة: لأنه ليس على بِرٍّ.
الشيخ: لأنه ليس على بِرٍّ؛ إذ إن الأغنياء ليسوا جهة صدقة، فلا يصح، لكن لو وقَّف على فلان وهو غني؟
طلبة: يصح.
الشيخ: صح؛ لأن هذا ليس وقفًا على جهة، والإنسان له أن يُمَلِّك ماله مَن شاء.
يقول: (الأقارب) جهة برّ؟
طالب: نعم.
الشيخ: جهة بِرٍّ ولو كانوا غير مسلمين؟
الطالب: ولو كانوا غير مسلمين.
الشيخ: ولهذا قال المؤلف: على أقارب مِن مسلم وذمي، لكن يقول: غير حربي.
وهنا إشكال في كلام المؤلف، قال: (ذمي غير حربي)، فهل المقابل للذمي هو الحربي؟
لا، الحربي يقابله الذمي والمعاهَد والمستأمِن، لكن كأن المؤلف أسقط المعاهَد والمستأمِن؛ لأن العهد لا يدوم، وكذلك الأمان لا يدوم، بخلاف عقد الذمة، فالأصل فيه الدوام، ومن المعلوم أنه لا بد أن يكون الوقف على جهة دائمة، هذا ما يظهر؛ أن الوقف على المستأمِن وعلى المعاهَد لا يصح، بخلاف الذمي؛ لأن الذمي له أحكام خاصة.
قال: (غير حربي)، فلا يصح الوقف عليه، ولا يدخل في الأقارب إذا وقَّف على أقاربه.
فهذا رجل وقّف على أقاربه، وكان له ثلاثة من الأقارب أحدهم مسلم، والثاني ذمي، والثالث حربي، مَن يستحق الوقف؟
طلبة: المسلم والذمي.
الشيخ: المسلم والذمي، أما الحربي فلا.
قال: (وكنيسة)، يعني: ولا يصح الوقف على كنيسة، والكنيسة متعبَّد النصارى، والكنيست برلمان اليهود في العهد الحاضر، انتبهوا، ربما تسمعون في إذاعة اليهود: الكِنِيست، لا تظن أن الكِنِيست متعبَّد لهم، لكنها برلمان يعني مجتَمَع، مؤتمر، أما الكَنِيسة فهي متعبَّد النصارى، والِبيعَة متعبَّد اليهود، والصومعة للرهبان.
المهم دُور الكفر -هذه القاعدة العامة- دُور الكفر لا يصح الوقف عليها، ما الدليل؟ الدليل قوله تعالى: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: ٢].
ونحن إذا وقَّفْنا على بيوت الكفر فإن ذلك معونة على الإثم والعدوان، وكيف يليق بالمسلم أن يُوقِف على بيت يُشْرَك فيه بالله، ويُكْفَر فيه بالله؟! هذا لا يمكن.
وظاهر كلام المؤلف أن الوقف على الكنيسة لا يصح ولو من أهل الكنيسة، فلو كان هناك ذمي نصراني وقّف شيئًا من أملاكه على كنيسته فظاهر كلام المؤلف أن ذلك لا يصح.
ولكن الصحيح أنه يصح؛
لأن إقرارنا إياهم على الكنيسة والتعبُّد بها يجب أن يكون إقرارًا على ما يتعلق بها من المصالح، والمال ليس مالنا نحن حتى نقول: لا يمكن أن نصرف مال المسلم في معابد الشرك، المال ماله هو، وهو يعتقد أن هذا دين، ونحن نُقِرُّهم على دينهم أو لا؟
نقرُّهم على دينهم، ولهذا كان القول الثاني في المسألة أنه يصح الوقف على الكنيسة من أصحاب الكنائس، (وكنيسة) ويش بعدها؟
(ونسخ التوراة والإنجيل).
الطالب: عندي (وبيعة).
الشيخ: إي نعم، عندنا (وبيعة وبيت نار وصومعة)، لكن مشطوب عليها، هذا ظاهر من الشرح.
على كل حال القاعدة العامة حتى لو فُرِضَ أن الماتِن ما ذكرها، عندنا قاعدة عامة، كل بيوت الكفر لا يجوز من المسلم أن يُوقِف عليها شيئًا، ليش؟ لأن هذا من التعاون على الإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.
قال: (ونَسْخ التوراة والإنجيل وكتب زندقة)، أيضًا لا يجوز الوقف على نسخ التوراة والإنجيل وكتب الزندقة.
نسخ التوراة والإنجيل لا يجوز لأحد أن يُوقِف عليه شيئًا؛ أما من مسلم فالأمر ظاهر أنه لا يجوز لأي واحد من المسلمين أن يوقف شيئًا على نسخ التوراة والإنجيل، وذلك لأن هذه الكتب كتب محرَّفة من حيث ذاتُها، كتب منسوخة من حيث أحكامها، فلا يُعْتَمَد عليها إطلاقًا، فهي منسوخة، وما فيها من حق فقد تضمنته الشريعة الإسلامية، وهي أيضًا محرَّفة لا يوثَق بها، فاليهود والنصارى كلهم حرَّفوا كتبهم وغيَّرُوها.
إذن لا يجوز لمسلم أن يوقِف شيئًا على نسخ التوراة والإنجيل، وهل يجوز لغير المسلم أن يوقِف شيئًا على نسخ التوراة والإنجيل، كالنصراني –مثلًا- يوقف شيئًا من أملاكه على نسخ الإنجيل؟
نقول: في هذا تفصيل؛ إن كان على نسخه ونشره فإننا نمنعه؛ لأننا نمنع النصارى من نشر كتبهم بين المسلمين، وإن كان على نسخه لينتفع به النصارى فقط فهذا لا بأس به.
على أن في نفسي منه شيئًا؛ لأنه يمكن أن يقال: إن الفرق بينه وبين الكنيسة أن الإنجيل كتاب يمكن أن يوزَّع من هنا وهناك، والكنيسة بيت لا يمكن أن توزَّع على الناس، فخطر نسخ الإنجيل وكذلك التوراة أعظم من تعمير الكنيسة.
أي أنه يقال: إذا وقَّف اليهودي على نسخ التوراة، أو النصراني على نسخ الإنجيل، فإن كان على النسخ والنشر فهو ممنوع، ما ننفذ الوقف؛ لما في ذلك من الضرر على الإسلام والمسلمين، وإن كان على النسخ لينتفع بها أهلها فقط فهذا قد يقال: إنه لا بأس به، قياسًا على الكنيسة، يعني على الوقف على الكنيسة، وقد يقال: يُمْنَع ولا يصح القياس على الكنيسة، لماذا؟ لأن هذا يتنَقَّل ويمكن توزيعه ولو بالسِّرّ، لكن الكنائس لا يمكن أن تتنقل، ولا يُمَكَّنُون من بناء كنائس جديدة في بلاد المسلمين.
يقول: (وكتْب الزندقة)، كتب الزندقة نعم ممنوعة أصلًا وفرعًا، لا يجوز أبدًا أن يُوقِف إنسانٌ على كتب الزندقة ككتب الشيوعية، وكذلك كتب البدع الْمُكَفِّرة أو الْمُفَسِّقَة فلا يجوز أن يوقَف عليها شيء، وذلك لأن الْمُوقِف على كتب البدع ينتسب للإسلام، وإذا كان ينتسب للإسلام فإن الواجب على حُكّام الإسلام أن يُنَزِّلُوا تصرفاته على ما يقتضيه الإسلام، فإذا كان هذا الْمُبْتَدِع عنده بدعة مكفِّرة وكَتَبَ فيها ما كَتَبَ، ووقَّفَ بيته على هذا الكتاب، فإن لِحُكَّام المسلمين أن يُبْطِلُوا الوقف.
ولا يقال: إن هذا كالنصراني إذا وقَّف على نسخ الإنجيل؛ لأن النصراني مُعْتَرِف بأنه على غير الإسلام، وهذا يَدَّعِي أنه مسلم، فنمنعه.
فإن قال قائل: إذا وَقَّف الشيوعي بيته على نشر كتب الشيوعية، كتب زندقة، فهل نقول: إن هذا كإيقاف النصراني بيته على نسخ الإنجيل؟
فالجواب أن نقول: لا، وذلك لأن النصراني له شبهة؛ لأن الإنجيل كتاب مُنَزَّل من عند الله، لكنه مُحَرَّف ومنسوخ، بخلاف الشيوعي؛ فإن الكتب الشيوعية كتب ضلال وإلحاد، وليست من عند الله.
وعلى هذا فنقول: كتب الزندقة يُمْنَع فيها من إثبات الأوقاف والعمل بها مطلقًا، كتب البدع كذلك يُمْنَع، لا يُوَقَّف أي شيء في بلاد الإسلام على نَسْخ كتب البدع.
ولكن إذا قال قائل: إذا كانت هذه الكتب تشتمل على أمور نافعة، وعلى بدع غير مُكَفِّرَة، كما يوجد في كتب الأشاعرة، ونريد بالكتب المؤلَّفة للعقيدة، لاحظوا التنبه لهذا، كتب الأشاعرة فيه كتب مؤلَّفَة للعقيدة في العقيدة، كتب أخرى مؤلَّفة في غير العقيدة، لكن يُتَعَرَّض بها للعقيدة، مثل الجلالين الآن، تفسير الجلالين لم يؤلَّف أصلًا للعقيدة، مؤلَّف لأيش؟ لتفسير القرآن، لكن فيه أشياء مخالفة، لكن إذا جاء إنسان وألَّف كتابًا في العقيدة على منهج الأشاعرة، نقول: هذا كتاب بدعي، لكن هل يجوز أن نمنع من الوقف على نشر هذه الكتب أو لا؟ نقول: نعم، نمنع، كل ما خالف مذهب السلف في العقيدة يجب منعه، يجب أن يُمْنَع، أما الكتب التي لم تؤلَّف لهذا فإننا لا نمنعها، ونظير ذلك في الأشخاص أن الرجل قد يأخذ بقول من مذهب الشافعي وهو حنبلي، فهل نقول: إنه شافعي؟ لا نقول: إنه شافعي ولو أخذ بقول من أقوال الشافعية، نرجع للأصل.
فالكتاب الذي أُلِّف لتفسير القرآن أو لشرح الحديث، والْمُفَسِّر أو الشارح أشعري إذا أتى على النصوص في الصفات يُحَرِّفها إلى مذهب الأشاعرة، هل نقول: إن هذا الكتاب كتاب أشعري؟ لا، يعني ما نجعله ككتاب العقيدة، ولا نمنع من نشره، ولا من طبعه، ولكننا نعلِّق على ما فيه من مخالفة لمذهب السلف.
صار كتب البدع تنقسم إلى قسمين: بِدَع مُكَفِّرَة، فهذه لا يجوز أن نوقِف عليها، على نسخها أو على نشرها.
كتب بدع غير مُفَسِّقَة، فهذه أيضًا ينبغي أن نمنع، كتب أخرى لم تؤلَّف للعقيدة أساسًا، ولكن فيها شيء يخالف العقيدة، فهذه لا بـأس من الوقف عليها، ولا (...) ولكن ينبه على ما فيها من مخالفات السلف.
يقول المؤلف: (ونَسْخ التوراة والإنجيل وكتب زندقة، وكذا الوصية) يعني: الوصية حُكْمُهَا حكم الوقف في هذا، وهي أنها إذا كانت على جهة عامة فلا بد أن تكون على.. إيش؟ على بِرٍّ، لا بد أن تكون على بِرٍّ، كالمساجد، والقناطر، والأقارب، والمساكين، والمجاهدين، وطلبة العلم، وما أشبه ذلك، ولا تصح الوصية في جهة عامة على الكنائس، وبيوت الكفر، وكتب الزندقة، والبدعة، وما أشبه ذلك، وللوصية في الحكم أيش؟ حكم الوقف.
قال: (والوقف على نفسه)، يعني: لا يصح الوقف على نفسه، إذا أوقف الإنسان شيئًا على نفسه فإنه لا يصح، بأن قال: هذا وقف عليّ، نقول: هذا وقف غير صحيح؛ لأنك أنت المالك، وكيف تُوقِف على نفسك؟! هل الإنسان يُمَلِّكُ نفسه من نفسه؟ أجيبوا.
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، يعني لو قلت: وهبتُ نفسي هذه الحقيبة، تصير هبةً ولَّا ما تصير؟ لا تكون، كيف أهب نفسي لنفسي، كذلك إذا قلت: هذا البيت وقفٌ عليّ، كيف وقفٌ عليّ؟ الوقف لا بد أن يخرج عنك، ولهذا قال الإمام أحمد: لا أعلم الوقف إلا ما أخرجه لله.
وجميع الوقوفات كلها خارجة عن الإنسان، عمر وقَّف أرضه على غير نفسه، فلا يصح الوقف على النفس ابتداءً، ولكن لو وقَّف وقفًا مُعَلَّقًا بصفة واتصف بهذه الصفة، مثل أن يقول: هذا وقف على طلبة العلم، وصار طالبَ علم، فهل يستحق؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم يستحق؛ لأنه لم يوقفه على نفسه ابتداءً، ولو وقَّف على الفقراء وكان غنيًّا ثم افتقر، يستحق منه ولَّا لا؟
طلبة: يستحق.
الشيخ: ولو وقَّف بَرَّادة للشرب، ومرّ بها وهو عطشان، يشرب ولَّا ما يشرب؟
طلبة: يشرب.
الشيخ: يشرب؟ ما نقول: وقّف على نفسه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، نقول: ما وقّف على نفسه، هذا وقّفها للمسلمين، لشرب المسلمين، نقول: مت من العطش ولا تشرب من هذه؟ ما يصير، نقول: لك أن تشرب، واضح؟
فهناك فَرق بين أن يوقِف شيئًا مُعَلَّقًا بوصف ثم ينطبق الوصف عليه، وبين أن يوقِف على نفسه ابتداءً، فإذا وَقَّفَ على نفسه ابتداءً فإنه لا يصح.
إذا كان لا يصح هل يرجع إليه ملكًا، أو يكون وقفًا في المصالح العامة، أم ماذا؟
نقول: كل شيء قيل فيه: لا يصح، فإن ذلك يعني أن وجود العقد وعدمه سواء، وإذا كان وجود الإيقاف وعدمه سواء فإن الوقف يرجع إليه ملكًا.
فإذا قال: وقَّفْت بيتي على نفسي، وكَتَب وثيقة وشَهَّد شهودًا، نقول: الوقف غير صحيح، هذه الورقة شَقِّقْها مَزِّقْها، إذن أين مصير البيت؟
طلبة: لك.
الشيخ: لك، ملكك، ما صار شيء إطلاقًا، إلا إذا ذَكَرَ له غاية، بأن قال: هذا وَقْف عليَّ ومِن بعدي على الفقراء، أو هذا وقف عَلَيَّ ومن بعدي على المساجد، أو هذا وقفٌ عَلَيّ ومن بعدي على طلبة العلم، فإن الوقف يصح، لكن لا يستحق منه شيئًا، ينصرف في الحال إلى مَن بعده، فإذا قال: هذا وقف عليّ ثم على الفقراء، نقول: خرج عن ملكك الآن، وصار لمن؟
طلبة: للفقراء.
الشيخ: للفقراء، قال: يا جماعة أنا مقدِّم نفسي على الفقراء، نقول: نفسك ما لها حق في هذا، الوقف يكون لمن؟
طالب: للفقراء.
الشيخ: للفقراء، هذا وقف على نفسي ثم على طلبة العلم؟ يكون في الحال لمن؟ لطلبة العلم، أما هو فليس له شيء، لو وُفِّق هذا الرجل وصار طالب علم استحق بالوصف الثاني ولّا بالأول؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: بالوصف الثاني؛ أنه طالب علم، لا بالأول أنه وقّف على نفسه، والمسألة فيها خلاف.
فالقول الثاني في المسألة أنه يصح الوقف على النفس، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة كثيرة من أهل العلم، وقالوا: إن الفائدة أنه يبقى هذا لا يُبَاع ولا يُوهَب ولا يُورَث، يبقى وقفًا عليه، عرفتم؟ فالمسألة فيها قولان، ويأتي إن شاء الله ذِكْر دليل هذا القول.
الطالب: شيخ، إذا كانت كتب بعض أهل العلم تُثِير التشويش بين العامة، والشُّبَه عند الفساق، والْمُغْرِضِين بين طلبة العلم؟
الشيخ: هذه عاد يُرْجَع إلى الحاكم في منع انتشار هذه الكتب، مع أن الغالب أن الممنوع متبوع، يمكن لو تُمْنَع بدل ما تكون النسخة بريالين تكون النسخة بعشرين ريالًا، فهذا المسائل ينبغي أن الناس يوجَّهُون توجيهًا سليمًا، ويقال: إنه لا ينبغي تتبع الكتب التي تَضُرّ بالإنسان في تشويش فكره، أو تشويش اجتهاده، أو ما أشبه ذلك، لكن لو رأى وَلِيّ الأمر منعها فالأمر إليه.

طالب: يا شيخ، قلنا: لو وقّف على صفة ثم اتصف بها، لو وَقَّف على صفة هو أصلًا مُتَّصِف بها؟
الشيخ: ما يخالف.
الطالب: يدخل؟
الشيخ: يدخل، نعم، لو وقَّف على الفقراء وهو من أصل فقير أخذ.

الطالب: هل يُشْتَرَط في الوقف أن يجوز بيع العين الموقوفة؟
الشيخ: إي نعم.

الطالب: المختص ما يجوز بيعه، مثل الكلب؟
الشيخ: إي، ما يصح توقيفه، على المذهب ما يصح، والصحيح إنه يصح؛ لأن مدار الوقف على الانتفاع، فكل شيء يجوز الانتفاع به فإنه يصح وقفه، حتى الكلاب
.


طالب: إذا قال رجل: وقَّفْت هذا البيت على طلبة العلم، ثم طلبه، وأسكن معهم أنا؟
الشيخ: أيش تقولون في هذا. قال: وقّفت هذا على طلبة العلم بشرط أن أسكن فيه، يصح الشرط، أو قال: وقّفت هذا على الفقراء ولي السكنى فيه مدة حياتي، فله ذلك؛ لأن هذا استحقاق ذي صفة، إي نعم.

***

طالب: .. وصحبه أجمعين، قال رحمه الله تعالى: ويُشْتَرَط في غير المسجد ونحوه أن يكون على معيَّن يَمْلِك، لا ملك وحيوان وقبر وحمل، لا قبوله ولا إخراجه عن يده.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما تقول يا أخ في رجل وقَّف دكاكين على أن تكون غَلَّتُها لطبع كتب الجهمية، هل الوقف يصح أو لا يصح؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟
الطالب: لأنهم مبتدعة، ولا يجوز أن يوقف على..
الشيخ: لأن الوقف على المحرَّم باطل، ما هو الدليل على أن الوقف على المحرَّم باطل؟
طالب: قوله تعالى: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.
الشيخ: وفي السنة؟
الطالب: قال النبي صلى الله عليه وسلم: كُلُّ شرط ..
الشيخ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» ، تمام، هل يجوز الوقف على الكنائس؟
الطالب: الوقف على الكنائس لا.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن فيها شركًا (...).
الشيخ: والدليل كما قال الإخوان، ما فيه خلاف؟
طالب: فيه خلاف.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: الخلاف أنه لا يجوز أو يجوز.
الشيخ: يجوز أو لا يجوز، الذين قالوا بالجواز مطلقًا ولَّا فيه تفصيل؟
الطالب: بدون تفصيل.
الشيخ: بدون تفصيل، يعني سواء كان الموقِف مسلمًا أو كافرًا.
الطالب: لا، إن كان مسلمًا هذا لا يجوز مطلقًا، أما بالنسبة للذمي فيجوز له ذلك؛ لأن هذا تعتبر من شرائع دينهم.
الشيخ: هذا القول ذكرنا أنه هو القول الراجح
.
رجل قال: هذا البيت وقفٌ عليّ؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز ولّا لا يصح؟ بنتكلم عن الصحة الآن، لا يصح الوقف، إذن ماذا نصنع؟
الطالب: يبقى المال في ملكه.
الشيخ: يبقى ملكًا له بدون تفصيل؟
الطالب: التفصل إن شرك معه غيره لو قال: هذا المال وقف لي، ثم لفلان بعينه، فالمال ينتقل لملك الآخر مباشرة.
الشيخ: ينتقل إلى الآخر مباشرة، وإن لم يذكر مآلًا؟
الطالب: إن لم يذكر مآلًا كيف؟
الشيخ: إذا لم يذكر مآلًا يعني ما ذكر: ثم كذا؟
الطالب: يبقى كأنه ما أوقفه.
الشيخ: يعني يعود إلى ملكه؟ أيش تقولون؟ يعني يقول: إن قال: وقف على نفسي، ولم يذكر مآلًا، يعني ما ذكر ما يؤول إليه بعد ذلك، فإن الوقف لا يصح، ويكون ملكًا، وإن ذكر مآلًا بأن قال: (ثم إلى فلان) فإنه يصح الوقف وينتقل إلى مَن بعده في الحال، عرفتم ولَّا لا؟
هذا ما ذهب إليه المؤلف؛ أن الوقف على نفسه لا يصح، فإذا قال: هذا بيتي وقفٌ عليّ، افرض أنه كتب كتابًا بيده: إنّ بيتي وقف عليّ، ثم مات، فإن البيت يرجع إلى الورثة ملكًا؛ لأن الوقف ما صح.
فإن قال: إن بيتي وقفٌ عليّ، ومن بعدي على الفقراء والمساكين، الوقف يصح، ولكنه يُصْرَف في الحال إلى الفقراء والمساكين، ويقال له: اطلع عن البيت؛ لأنك وَقَّفْتَه على الفقراء والمساكين، فإما أن تخرج ويسكن فيه الفقراء والمساكين، وإما أن تبقى بأجرة في البيت، قال: هذا ملكي، قلنا: نعم ولكنك أخرجته لله، جعلته في الفقراء.
القول الثاني في المسألة: أنه يصح الوقف على النفس.
وفائدة هذا أنه إذا أَوْقَفَه على نفسه لم يملك التصرف فيه، يعني لا يبيعه، وإذا توفي فإنه لا ينتقل إلى الورثة، بل يُصْرَف مصرف الوقف المنقطع، وهذا القول أصح، هذا القول هو الصحيح؛ أن الوقف على النفس يصح، وله فائدة، والفائدة ما ذكرت لكم، ماهي؟ أنه لا يتصرف فيه؛ لأنه وقف، فلا يبيعه، ولا يهبه، ولا يرهنه، وأنه إذا مات صُرِف مصرف الوقف المنقطع، ولم يكن ميراثًا للورثة.
لكن ما تقولون فيما لو قال: هذا وقف على الفقراء وَلِيَ السُّكْنَى فيه مدة حياتي، أو لي غَلّته مدة حياتي، يصح ولَّا ما يصح؟
الطلبة: يصح.
الشيخ: يصح، حتى على ما مشى عليه المؤلف؛ لأن الوقف هنا على غيره، لكنه استثنى غَلَّته مدة حياته، ولا بأس بذلك.
ما تقولون فيما لو قال: هذا وقفٌ على طلبة العلم، ثم مَنّ الله عليه وكان طالب علم، هل يستحق أو لا؟
طلبة: نعم يستحق.
الشيخ: نعم يستحق؛ لأنه علَّق الاستحقاق بوصفٍ، فكان من أهل هذا الوصف، وكذلك لو قال: هذا وقفٌ على الفقراء، ثم افتقر، فإن له أن يشاركهم.
قال المؤلف: (ويُشْتَرَط في غير المسجد ونحوه أن يكون على معيَّن يَملك).
الوقف تارة يكون على جهة، وتارة يكون على عين، فإذا كان على جهة فإنه لا يُشْتَرَط أن يكون الموقوف عليه معيَّنًا يَملك.
فإذا قال: هذا وقف على المساجد، فإنه يصح وإن لم يقل: على المسجد الفلاني، مع أن المساجد لا تَمْلِك، لكن نقول: لأن هذا وقفٌ على جهة.
كما لو وقَّف على الفقراء فإنه لا يُشْتَرَط تعيين الموقوف عليه؛ لأنه على جهة.
وقوله: (على معين يملك) احترازًا مما إذا كان على غير معيَّن.
فلو قال: هذا وقفٌ على أحدِ هذين، فإنه لا يصح الوقف، لماذا؟ لأنه على غير معيَّن، أيهما؟ عيِّن بوصف أو بشخص وإلا فلا يصح.
لو وَقَّفَ على مَن لا يملك، مثل: مَلَك، قال: هذا وقف على جبريل، جبريل أحد الملائكة، ما هو على آدمي اسمه جبريل، على جبريل أحد الملائكة، فإن الوقف لا يصح، لماذا؟ لأن جبريل لا يَمْلِك.
أو على حيوان، قال: هذا وقف على حمار فلان، يصح ولَّا ما يصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن الحمار لا يملك.
لماذا لا نقول: إنه يصح على الحيوان ويُصْرَف في مصالحه، يقول: لأن هذا معيَّن وهو لا يملك فلا يصح.
لكن لو قال: هذا وقفٌ على الخيل التي تقاتل في سبيل الله، يصح، لماذا؟ لأنه غير معيَّن، جهة.
ولكن الصحيح فيما إذا وقَّف على حيوان أنه يصح، ويُصْرَف في مصالح هذا الحيوان، في عَلَفِه، فيما يحتاج إليه مما يدفئه أو يُظِلّه عن الشمس في الحر، وما أشبه هذا؛ لأن الواقف إذا وَقَّف على حيوان فإما أن يقصد منفعة مالكه، وإما أن يقصد منفعة الحيوان نفسه، وكل هذا غرض مقصود صحيح.
(ولَا على حَمْل) لا يصح الوقف على حَمْل؛ لأنه لا يَمْلِك..