.. تعالى، باب الهبة والعطية.
الهبة والعطية من عقود التبرعات، وسيذكر لنا
المؤلف تعريفها، لكن الفرق بينهما أن العطية في مرض الموت الْمَخُوف، والهبة في حال
الصحة، أو في مرض غير مَخُوف، أو في مَخُوف لم يَمُتْ به، هذه الهبة، فالعطية تكون
في؟
طلبة: في حال الصحة.
الشيخ: العطية في مرض الموت الْمَخُوف، والهبة؟
طالب: في الصحة.
الشيخ: فيما عدا
ذلك، فتكون في الصحة، وفي مرض غير مَخُوف، وفي مرض مَخُوف لم يَمُت به.
ثم هناك
تبرع آخر وهو الصدقة والهدية، فهذه ثلاثة أنواع من التبرعات، بل أربعة أنواع من
التبرعات: هبة، وهدية، ووصية، وعطية.
الصدقة: ما قُصِدَ به ثواب الآخرة،
والهدية: ما قُصِدَ به التودد والتحبب للشخص والإكرام، والهبة: ما لم يُقْصَد به
هذا ولا هذا، وإنما قُصِدَ به نفع الموهوب له فقط.
فإذا رأيت فقيرًا وأعطيته
دراهم تريد بذلك التقرب إلى الله فهي؟
طلبة:
صدقة.
الشيخ: صدقة، وإذا رأيت ذا جاه وسلطان فأعطيته
شيئًا.
طلبة: هدية.
الشيخ:
فهذه هدية يُقْصَد بها التودد والإكرام، وإذا أعطيت شخصًا عاديًّا من الناس شيئًا
ينتفع به فهذه؟
طلبة: هبة.
الشيخ: هذه هبة، وإن وقع ذلك منك في مرض الموت
الْمَخُوف؟
طلبة: عطية.
الشيخ: فهذه عطية، ومع هذا فإن الهبة والهدية قد يُثَاب عليها
الإنسان إذا قَصَدَ بذلك وجهَ الله؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام لسعد بن أبي
وقاص رضي الله عنه: «وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً
تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُهُ
فِي فِي امْرَأَتِكَ» .
الهبة
والصدقة والهدية والعطية كلها من أنواع التبرعات، والتبرع تطوُّع، ولهذا لا تجوز من
شخص عليه دَيْن يَنْقُص الدَّيْنَ هذا التبرع، يعني إنسان عليه عشرة ريالات، وليس
عنده إلا عشرة ريالات، نقول له: لا يجوز لك أن تتبرع بشيء من هذه الدراهم، لا بصدقة
ولا بغيرها، لماذا؟
لأن الدَّيْن واجب القضاء، وهذه التبرعات ليست بواجب،
والواجب مقدَّم على غير الواجب؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» ،
وأنت إذا تبرَّعت من هذه الدراهم التي هي بمقدار دَيْنِك فإن هذا سيؤدي حتمًا
إلى..
طلبة: المماطلة.
الشيخ: إلى المماطلة، والمماطلة ظُلْم ومُحَرَّم، وهي أيضًا
-أعني هذه العقود الأربعة- أوسع من عقود المعاوضات من وجه، وأضيق من وجه.
فعقود
المعاوضات كالبيع والإجارة تجوز حتى ممن عليه دَيْن، وأما هذه فلا تجوز ممن عليه
الدَّيْن، وهذه تجوز في الأشياء المجهولة، وعقود المعاوضات لا تجوز في الأشياء
المجهولة، فبينهما عموم وخصوص من جهة أيهما أضيق، نقول: هذه أضيق من وجه، وتلك أضيق
من وجه.
الهبة، يقول: (هي التبرع بتمليك ماله المعلوم الموجود في حياته
غيرَه).
قوله: (التبرع بتمليك)، (بتمليك) متعلِّق
بـ(التبرع)، وقوله: (غيره) مفعول لـ(تمليك)، وقوله:
(ماله) مفعول، لكنه أُضِيفَ إليه المصدر فصار مجرورًا، و(المعلوم)
صفة لـ(مال)، و(الموجود) صفة لـ(مال)، و(في حياته) جار
ومجرور متعلّق بـ(التبرع).
إذن التبرع ما شاء الله مثل عذق النخلة فيه
شماريخ كثيرة.
(بتمليك) متعلق بأيش؟
طلبة:
بالتبرع.
الشيخ: بـ(التبرع)، (في حياته)
متعلق؟
طلبة: بـ(التبرع).
الشيخ: بـ(التبرع)، (غيره) مفعول (التبرع)،
يعني: أن يتبرع الإنسان بتمليك ماله لغيره، ومعنى التبرع هو بَذْل المال بلا عِوَض،
بذل المال بلا عوض يسمى تبرعًا.
مثاله: وجدت شخصًا محتاجًا لكتاب، وعندك الكتاب
زائد عن حاجتك فأعطيته هذا الكتاب مجانًا، ماذا نسمي هذا؟
طلبة: تبرعًا.
الشيخ: نسميه تبرعًا؛
لأنه بَذْل للمال بلا؟
طلبة: بلا عِوَض.
الشيخ: بلا عِوَض، وقول المؤلف: (بتمليك ماله) أي: مال
الإنسان الْمُمَلِّك، فيؤخَذ منه أنه يُشْتَرَط في الموهوب أن يكون مملوكًا للواهب،
فلو وهبت شيئًا لشخص وهو لغيرك، ثم ذهبت فاشتريته من مالكه، فإن الهبة الأولى لا
تصح، لماذا؟ لأنك حين وهبته لم تكن مالكًا له.
مثال ذلك: شخص وهب آخر ساعة وهو
لا يملكها، ثم اشتراها من مالكها بعد أن وهبها، فإن هذه الهبة لا تصح؛ لأنها وقعت
من غير مالك.
وقوله: (بتمليك ماله)، (تمليك) يؤخَذ منه شرط آخر،
وهو أن يكون الموهوب له ممن يصح تَمَلُّكُه؛ لأن قوله: (بتمليك ماله) إذا ما
لم يصح تملكه فإنه لا يصح أن يهب له.
مثال ذلك: لو قال: هذا البيت هبة لجبريل
الملَك، يصح ولَّا لا؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: لماذا؟
طلبة: ما يصح
تملكه.
الشيخ: لأنه لا يصح تملكه، فلا بد من وقوع
التمليك من الْمُمَلِّك لشخص يصح تملُّكه.
إذن أخذنا من هذا شرطين؛ الأول: أن
يكون الموهوب ملكًا للواهب، وأخذناه من قوله؟ قولوا يا جماعة.
طلبة: (ماله).
الشيخ:
(ماله)، الثاني: صحة تَمَلُّك الموهوب له، وأخذناه من قوله؟
طلبة: (تمليك).
الشيخ:
(تمليك)، الثالث، قال: (المعلوم) هذا شرط ثالث: أن يكون الموهوب
معلومًا، فإن كان غير معلوم فإن الهبة لا تصح، لماذا؟ لأنه غرض، قد يهبني شيئًا وهو
غير معلوم فنقع في الجهالة، ولكن هذا الشرط غير صحيح، والصحيح صحة هبة المجهول؛ لأنه لا يترتب عليه شيء،
فإن الموهوب له إن وَجَدَ الموهوب كثيرًا فهو غانم، وإن وجده قليلًا.
طلبة: فليس عليه ضرر.
الشيخ: فلا ضرر
عليه، هو غانم أيضًا، فلذلك القول الصحيح: إنه لا يُشْتَرَط عِلْمُ الموهوب، لو
وهبتَ لشخص حملًا في بطن فإنه لا يصح على كلام المؤلف، ويصح على القول الثاني الذي
اخترناه، ونقول: متى وَلَدَتْ هذه البهيمة فولدها لِمَن؟
طالب: للموهوب له.
الشيخ: للموهوب
له.
فإن قال قائل: قد يندم الواهب إذا رأى أن الحمل متعدِّد، أو رأى أن
الحمل على صفة مرغوب فيها عنده؟
فنقول: ولو ندم، فهو الذي أوقع نفسه في الندم،
لماذا يتسرع فيهب الحمل قبل أن يوضَع؟
أيضًا (الموجود في حياته)، (في
حياته) متعلق بأيش؟
طالب:
بـ(التبرع).
الشيخ: بـ(التبرع)، يعني: أن
يهب ذلك في حياته، فإن تبرَّع بعد موته فهي وصية، لو قال مثلًا: إذا مِتّ فهذه
السيارة لفلان. فهذا تبرُّع، لكنه بعد الموت فلا يسمى هبة، وإنما يسمى؟
طالب: وصية.
الشيخ: وصية، وقوله:
(غيره) بيان للواقع، وإلَّا فإنه لو تبرع بتمليك ماله نفسَه؟
طلبة: فليس هبة.
الشيخ: فليس بهبة،
ليش؟
طلبة: لأنه تحصيل حاصل.
الشيخ: لأنه تحصيل حاصل، لو قال: وهبت نفسي ثوبي، هذا ما فيه
فائدة، هذا تحصيل حاصل.
إذن يُشْتَرَط عدة شروط؛ الشرط الأول: أن يكون الواهب
ممن يصح تبرعه؛ لقوله: (التبرع)، الثاني: أن يكون الموهوب له ممن يصح
تملُّكه؛ لقوله: (تمليك)، الثالث: أن يكون مملوكًا للواهب حين الهبة؛ لقوله:
(ماله)، الرابع: أن يكون معلومًا، وفيه خلاف، الخامس: أن يكون في
الحياة.
لو تبرَّع بشيء لا يُتَمَوَّل؛ لكونه حرامًا، مثل أن يتبرع بخمر أو
بدخان، فهل يصح هذا أو لا؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن ملكه ليس بصحيح، ولأن في تنفيذ ذلك إعانة على
المحرَّم، وقد قال الله تعالى: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: ٢].
قال المؤلف: (وإن شَرَط فيها
عِوَضًا معلومًا فبَيْع)، (إن شرط فيها)، أي: في الهبة، والفاعل يعود
على الواهب، يعني: (إن شرط) الواهب (فيها)، أي: في الهبة،
(عِوَضًا معلومًا فبَيْع)؛ لأنها صارت حق معاوضة، مثل أن يقول: وهبتك هذه
السيارة بشرط أن أسكن في بيتك لمدة عشر سنوات، ماذا تكون هذه الهبة؟
طلبة: بيع.
الشيخ: هذه بيع، بيع
بمنفعة ولَّا بعَيْن؟
طلبة: بمنفعة.
الشيخ: بمنفعة، كأنه باع هذه السيارة بمنفعة البيت لمدة عشر
سنوات، ولكن المؤلف يقول: (إن شرط فيها عوضًا معلومًا) ففُهِمَ منه أنه لو
شرط فيها عِوَضًا مجهولًا فإن ذلك لا يصح، وهو في الحقيقة لو لم يأتِ بمعلوم، لو
قال: إن شرط فيها عوضًا فبيع، لعلمنا أنه لا بد أن يكون معلومًا؛ لأننا إذا حكمنا
بأنها بيع صار لها جميع أحكام البيع، فلا بد أن توجد جميع شروط البيع، وتنتفي جميع
موانع البيع.
ولهذا لو وهب شخصًا شيئًا بعد أذان الجمعة الثاني، وهو ممن يلزمه
حضور الجمعة، فهل تصح الهبة؟
طالب: لا.
الشيخ: نقول: إن شَرَط فيها عوضًا معلومًا..
طلبة: فلا تصح.
الشيخ: فلا تصح؛
لأنها صارت بيعًا، وإن لم يشترط فيها عِوَضًا معلومًا..
طالب: صحت.
الشيخ: فصحيح، لماذا؟
لأنها تبرع، والْمُحَرَّم بعد نداء الجمعة الثاني هو البيع، وأما التبرع كالصدقة
والهبة والهدية؟
طالب: جائز.
الشيخ: فإن ذلك جائز؛ لأن الله إنما حرَّم البيع حيث قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة: ٩].
قال المؤلف: (ولا يصح مجهولًا إلا ما تعذَّر علمه)، نعم،
لا يصح أن يهب مجهولًا بناء على اشتراط العلم في الموهوب، كما هو صريح كلام المؤلف
في قوله: (ماله المعلوم)، فإذا كان مجهولًا فإنه لا يصح، وله أمثلة: لو وهب
جَمَلَه الشارد أو عبده الآبق فالهبة؟
طالب: لا
تصح.
الشيخ: لا تصح، مع أنه ليس بها ضرر، إذا وهب هذا
الشخص جملًا له شاردًا، قال: يا فلان، فقال: نعم، قال: لي جمل شارد منذ شهر، وأنا
وهبتك إياه لك، على كلام المؤلف؟
طلبة: لا
تصح.
الشيخ: لا تصح الهبة، والصحيح أنها تصح؛
لأن هذا الموهوب له إن وَجَدَ الجمل فهو غانم، وإن لم يجده فهو سالم،
فليس هذه مَيْسِرًا، الْمَيْسِر هو الذي يدور فيه الفاعل بَيْنَ؟
طالب: غُنْم وغُرْم.
الشيخ: بين
غُنْم وغُرْم، أما بين غُنْم وسلامة فليس هذا من باب الْمَيْسِر، نقول له: روح دوّر
على الجمل، فقال الموهوب له: أنا أخشى أن أتعب ولا أجده، ويش نقول له؟ نقول: لا
تتعب، كما أنك لو خرجت لتحتشّ من البلد قد تجد وقد لا تجد، كما أن الإنسان لو خرج
يجني الكمأة، تعرفون الكمأة؟
طلبة: الفَقْع.
الشيخ: الفَقْع، لو خرج يجني الكمأة وبقي طول نهاره ما وجد
شيئًا، ماذا يكون؟
نقول: أنت الذي أتعبت نفسك، حتى البائع المشتري في دُكّانه هو
على خطر، قد يربح وقد يخسر، لكن الفعل فعله.
على كل حال القول الراجح في هذه المسألة أنه تجوز هبة المجهول؛
لأن الموهوب له إما غانم؟
طلبة: وإما سالم.
الشيخ: وإما سالم.
قال المؤلف: (إلا ما تعذَّر علمه)
فإنه تصح هبته، مثل: شخص عنده عاريَّة لآخر، ولكن هذه العاريَّة اختلطت بماله، ولا
يدري أيّ شيء من ماله، ما يدري هل هي قِدْر، هل هي كأس، هل هي إناء، لا يعلم، فقال
له صاحبها -صاحب العاريَّة، الْمُعِير-: قد وهبتها لك، تجوز الهبة هنا ولَّا لا؟
طلبة: تجوز.
الشيخ:
ليش؟
الطلبة: لتعذر العلم.
الشيخ: لتعذر العلم، ما يمكن نعلمها، ما ندري ما هي، فهنا نقول:
إنه تجوز هبتها؛ لأن العلم بها متعذِّر، ولو أَلْزَمْنَا المستعير بأن يخرجها لنا
لكان في ذلك؟
طالب: مشقة.
الشيخ: مشقة عظيمة.
إذا قال قائل: هنا لا يتعذَّر العلم،
يمكن أن يتَّفِق الْمُعِير والمستعير على واحد من هذه الأواني؟
نقول: هذا ممكن،
لكن هل إذا اتفقَا على واحد من هذه الأواني هل هو عين الْمُعَار ولَّا لا؟ قد يكون
وقد لا يكون، إذن فعِلْمُها متعذِّر.
ولهذا نقول في هذه الحال: لو وَهَبَهُ
إياها لكان ذلك صحيحًا، ولو تصالحَا على شيء معيَّن من هذه الأواني؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح، والله
أعلم.
طالب: يا شيخ، هل يُشْتَرَط في الموهوب أن تكون
عينًا، يعني لو وهبها منفعة تسمى هبة ولا عاريَّة؟
الشيخ: لا، تسمى هبة على كلام المؤلف، لازم من تمليك
العين.
طالب: قلنا فيما قبل: إن الضمير يعود على أقرب
مذكور، قلنا: لا يصح كما قلنا في الهبة، وذكر قبلها البيع، قلنا: إنه لا يصح إلا
معلومًا وذكر المعلوم هنا في التعريف هنا.
الشيخ:
أيش؟
الطالب: المؤلف قال: (ولا يصح
..).
الشيخ: (لا يصح معلومًا إلا ما تعذر
علمه).
الطالب: مجهولًا.
الشيخ: (مجهولًا إلا ما تعذَّر علمه).
الطالب: الضمير يعود على الهبة، ولكن الذي يظهر لي أنه على
البيع.
الشيخ: إي، لكن إذا ظهر لك ففهمك قاصر.
الطالب: لأنه يا شيخ ذكر المعلوم في التعريف.
الشيخ: هل يُعْقَل أنه إذا كان مجهولًا يتعذر علمه يصح أن يُباع،
وإذا كان مجهولًا لا يتعذَّر علمه لا يصح؟
الطالب: ما
فهمت الإشكال.
الشيخ: الآن كلام المؤلف يقول: (لا
يصح مجهولًا إلا ما تعذر علمه)، لو قلنا: لا يصح أن يبيع مجهولًا إلا ما تعذَّر
علمه يستقيم الكلام.
الطالب: لا يستقيم.
الشيخ: على كلامك يستقيم، لو قلنا: لا يصح مجهولًا، أي: لا يصح
أن يبيع مجهولًا إلا ما تعذَّر علمه، يستقيم ولَّا ما يستقيم؟
الطالب: ما يستقيم.
الشيخ: ما
يستقيم؛ لأنه لو كان كذلك لكان معناه: المجهول إن تعذَّر علمه صح بيعه، وإن لم
يتعذر علمه لم يصح، وهذا ما يستقيم، المجهول لا يصح بيعه، سواء تعذَّر علمه أو لم
يتعذر.
طالب: شيخ، فيه إنسان يبغي يتصدق، أو فيه إنسان
(...) بيعطيه هبة، وإذا كان الإنسان اللي بيعطيهم هبة هذه صاحب طاعة، ويرجو الدعاء
لصالحه، والمسكين اللي بيتصدق عليه أفضل أن يأخذ.
الشيخ: لا، الثاني أفضل.
الطالب:
يعني المسكين.
الشيخ: إي، الثاني أفضل؛ لأن المسكين ده
في حاجة، حاجة مسلم، وذاك في الحقيقة إنما وهبته لمصلحتك من أجل أن يدعو
لك.
الطالب: هو (...).
الشيخ: نعم نعم، لا، هذاك أفضل، نعم لو فُرِضَ أن الفقير لو
تصدقت عليه لذهب ينفقه في شيء لا ينفع، وهذا الرجل المستقيم إذا وهبته انتفع به،
فهو من هذه الناحية تكون الهبة أفضل.
طالب: شيخ، قلنا:
بالنسبة للمرأة يا شيخ هل تهب من مالها؟
الشيخ: هل
أيش؟
الطالب: المرأة هل تهب من مالها بغير إذن زوجها؟
الشيخ: نعم، الصحيح أنها تهب.
طالب: (غير) يصدق على الحيوان (...)، (في حياته غيره)،
والغير يصدق على الحيوان وعلى الإبل وعلى الكائن، فإن هذا كذلك (...).
الشيخ: إي نعم، هذا الحيوان يملك؟
الطالب: بهذا خرجوا ولا ..
الشيخ:
نعم، تمام، الكافر نعم تصح الهبة له، لكن إذا كان الكافر من قوم يقاتلوننا، يعني
يقاتلون المسلمين، فهذا لا يجوز أن نَبَرَّه بشيء؛ لأن الله قال: إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ [الممتحنة: ٩].
(...) (تنعقد) الضمير يعود على
الهبة، (بالإيجاب) وهو اللفظ الصادر من الواهب، (والقبول) وهو اللفظ
الصادر من الموهوب له.
مثال ذلك: وهبتك هذا الكتاب، ماذا نسمي هذا؟
طلبة: إيجابًا.
الشيخ: إيجابًا، فقال
الثاني: قبلت، نسمي هذا؟
طلبة: قبولًا.
الشيخ: قبولًا، فلا بد من هذا، لا بد من صيغة تنعقد بها الهبة،
وهي الإيجاب والقبول، الإيجاب: الفظ الصادر من الواهب، والقبول: اللفظ الصادر من
الموهوب له.
فلو قال: وهبتك هذا الشيء، وسكت، وتفرَّقَا، فها تصح
الهبة؟
طلبة: لا تصح.
الشيخ: لماذا؟ لأنه لم يحصل إيجاب.
طالب: لم يحصل قبول.
الشيخ: نعم، لم
يحصل قبول من الموهوب له.
قال: (وتنعقد بالمعاطاة الدالة عليها)،
(المعاطاة) معناه: أنه يعطيه فقط، بدون أن يتلفَّظ، لكن بشرط أن تكون هذه
المعاطاة دالَّةً على الهبة، ومن ذلك ما يفعله بعض الناس إذا كان عند شخص مناسبة
زواج صاروا يُرْسِلُون إليه الغنم، أو أكياس الطعام، فتُدْخَل البيت أو تُدْخَل حوش
الغنم، بدون أن يكون هناك لفظ، لا من الواهب، ولا من الموهوب له، بل ربما لا يدري
مَن الذي جاء بها، نقول: هذه هبة صحيحة ولَّا غير صحيحة؟
طلبة: صحيحة.
الشيخ: بأي
شيء؟
الطلبة: بالمعاطاة.
الشيخ: المعاطاة الدالة عليها، ومن ذلك ما يحصل من الهدايا
للمولود حين يولَد، فإن بعض الناس يرسل الهدية بدون أن يقول: هذه هبة، وبدون أن
يقول الآخر: قبلت، هذا أيضًا من المعاطاة الدالة عليها.
ويصح أن يكون الإيجاب
باللفظ، والقبول بالمعاطاة، فيقول: وهبتك هذا الكتاب، فيأخذه الموهوب له، ولا يقول:
قبلت؛ لأن القبول هنا حصل بماذا؟
طالب:
بالمعاطاة.
الشيخ: بالمعاطاة، أي أنه أخذه، وهذا دليل
على قبوله، إلا إذا قال: قبلتُه عاريًّة، فيكون عاريًّة.
قال: (وتلزم بالقبض
بإذن الواهب)، (تلزم بالقبض) يعني أن الهبة تكون عقدًا جائزًا ولو حصل
الإيجاب والقبول، ولا تلزم إلا بالقبض، أي: قبض الموهوب له من الواهب، أو مَن يقوم
مقامه.
فلو قال: وهبتك هذا الكتاب، ولكنه لم يسلمه له، فللواهب أن يرجع،
وللموهوب له أن يرد ولو بعد القبول، يعني قال –مثلًا-: وهبتك هذا الكتاب، فقال:
قبلت، وبقي الكتاب في يد الواهب، فللواهب أن يرجع، وللموهوب له أن يرجع أيضًا،
لماذا؟ لأنها لا تلزم إلا بالقبض، فهي قبل القبض كالبيع الذي فيه الخيار، فكما أن
البيع إذا كان فيه خيار لا يلزم إلا بزوال الخيار، فكذلك الهبة لا تلزم إلا
بالقبض.
وعلى هذا فلو وجدنا ورقة مكتوبة من شخص ميت يقول: إني وهبت فلانًا
سيارتي –مثلًا- أو بيتي، فقط ما فيه إلا هذا، فهل تكون هذه الهبة لازمة أو
لا؟
لا، ما هي لازمة؛ لأنه ليس فيها أن فلانًا قَبِلَ، ولا أن فلان قبض، ولا بد
من قبولٍ للصحة، وقبضٍ للزوم، فلا تلزم إلا بالقبض.
أيضًا لا بد أن يكون القبض
بإذن الواهب، فإن قال: وهبتك هذا الشيء، وأبقاه معه، ثم جاء الموهوب له بعد يوم أو
يومين وأخذه من دولابه مثلًا، فإن الهدية لا تلزم، لماذا؟ لأن القبض ليس بإذن
الواهب، لا بد أن يكون القبض بإذن الواهب، واضح يا جماعة؟
لو قال: يا فلان هذا
كتاب هدية لك، قال: بارك الله فيك جزاك الله خيرًا قبلت، ثم إن الْمُهْدِي أخذ
الكتاب ووضعه في دولابه -دولاب الْمُهْدِي- ثم جاء الْمُهْدَى له وأخذ الكتاب بدون
إذن الْمُهْدِي.
طالب: تصح.
طالب
آخر: لا تلزم
الشيخ: لا تلزم، ليش؟
طالب: ليست بإذن الواهب.
الشيخ: لأنه
ليست بإذن الواهب، أي: الْمُهْدِي.
قال المؤلف: (إلا ما كان في يد
مُتَّهِب) فلا حاجة للإذن، مثل أن يكون شخص استعار من شخص كتابًا، فقال
الْمُعِير: قد وهبتك الكتاب، قال: قبلت، فهنا لا يحتاج أن يقول: وهل تأذن لي أن
أقبضه؟ لماذا لا يحتاج ذلك؟
طلبة: لأنه في
يده.
الشيخ: لأنه في يد الموهوب له، ولهذا قال المؤلف:
(إلا ما كان في يد مُتَّهِب)، فما كان في يد مُتَّهِب فهذا قبض، ولا يحتاج
إلى استئذان جديد.
فَهِمْنَا الآن أن الهبة تنعقد بالإيجاب والقبول، وهذه الصيغة
القولية، وتنعقد بالمعاطاة الدالة عليها، وهذه الصيغة الفعلية، وفهمنا أيضًا أنها
لا تلزم إلا بالقبض، وأنها قبل القبض عقد جائز مِن؟
طلبة: من الطرفين.
الشيخ: من
الطرفين، فللواهب أن يرجع، وللموهوب له أن يرجع، ويقول: أنا هَوَّنْت عن القبول لا
أريدها، رجعت في قبولي لا أريدها، فإذا قبضها صارت لازمة، فلو أراد أن يرجع الموهوب
له في قبوله وقال: أنا فَكَّرْت ورأيت أني لو أبقيتها لصار هذا الرجل كل يوم يَمُنّ
عَلَيّ، خذ هبتك لا أريدها، فإنه لا يملك ذلك، لماذا؟
طلبة: قبضها.
الشيخ: لأنها صارت
لازمة بقبضه، وحينئذ إن أراد أن يردها إلى الواهب صارت هبة جديدة؛ إن شاء الواهب
قَبِلَ، وإن شاء لم يَقْبَل، واضح يا جماعة الآن؟
طلبة:
نعم.
الشيخ: يُسْتَثْنَى من ذلك –من استئذان الواهب- ما
إذا كانت الهبة في يد الْمُتَّهِب، فلا حاجة للاستئذان؛ لأنها في يده، كيف يقول له:
أتأذن لي أن أقبض، وهي في يده.
قال المؤلف: (ووارث الواهب يقوم مقامه)،
يعني: في الإقباض وعدمه، فلو أن الميت مات بعد الإيجاب والقبول لكن لم يُقَبِّض قام
وارثه مقامه؛ إن شاء قَبَّض فلزمت الهبة، وإن شاء منع فبطلت الهبة، وارث الواهب
يقوم مقامه، أما الْمُتَّهِب فإنها تبطل الهبة بموته إذا لم يقبضها، فصار هناك فرق
بين موت الواهب والْمُتَّهِب؛ الواهب إذا مات قام وارثه مقامه،
والْمُتَّهِب؟
طالب: تبطل هبته.
الشيخ: تبطل هبته إذا لم يقبل قبل أن يموت.
ثم قال المؤلف:
(ومَن أَبْرَأَ غريمه من دَيْنِه بلفظ الإحلال أو الصدقة أو الهبة ونحوها برئت
ذمته ولو لم يقبل).
طالب: شيخ، (...) قال الواهب للموهوب له: هذا وهبته لك، وهو أخذ هذا
الشيء الموهوب وحطه في دولابه.
الشيخ:
لا، ما أخذ الموهوب.
الطالب: ما أخذه الموهوب له.
الشيخ:
لا، ما أخذه، أنت قلت مثلًا للأخ: هذا الكتاب هبة لك، فقال: قَبِلْت.
الطالب: وأخذه.
الشيخ: لا، ما أخذه،
قال: قَبِلْت، والكتاب معك، فوضعته في دولابك أنت، فجاء فأخذه من دولابك.
الطالب: إي، هذا لا يجوز، أنا قلت: مثلًا أخذه وحطه في
دولابه.
الشيخ: لا
لا.
طالب: شيخ، لو وهب
الوالد ابنَه هِبَةً، سواء سيارة أو غيرها، ثم أراد أن يرجع هل له أن يرجع في
هذا؟
الشيخ: عندك بالفصل اللي بعد هذا، موجود
بالفصل.
طالب: أحسن الله إليك، إذا ضاع مني شيء، وقلت: مَن وجده فهو هبته،
ووجده، فلي أن أرجع فيه؛ لأن الثاني ما علم أن هذه هبة؟
الشيخ: لا، ما دام ما عَلِمَ فهو لك،
إذا قلت: مَن وجد هذا فهو له، وجاء واحد ووجده وما علم بكلامك فهو لك
أنت.
طالب: مسألة الوقف.
طالب آخر: فيه كتاب الوقف.
الشيخ: لا انتهينا منه، الوقف انتهى.
طالب: شيخ،
إنسان ما (...)؟
الشيخ: إي نعم، ما دام ما استلم الهبة هم بالخيار، وأيضًا القبول لا بد
أن يكون مباشرة ما يتأخر عن الإيجاب.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم (...).الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما تقول في رجل وَهَبَ شخصًا هبة، ثم قَبْلَ أن يُقْبِضَها إياه رجع فيها؟
طالب: ما تلزم.
الشيخ: أقول: هل يصح الرجوع أو لا يصح؟
الطالب: لا، يصح.
الشيخ: لا يصح.
الطالب: بل يصح.
الشيخ: يصح الرجوع، لماذا؟
الطالب: لأنه لم يُقْبِضها إياه.
الشيخ: لم يُقْبِضها إياه.
لو أنه –أي: الموهوب له- ذهب وأخذ الهبة من بيت الواهب بدون إذنه؟
طالب: لا يصح؛ لأنه لا بد من إذن الواهب.
الشيخ: يعني لا يحل له ذلك؛ لأنه لا بد من إذن الواهب في القبض، لو وَهَبَهُ شيئًا في يده فهل يحتاج إلى قبض؟
الطالب: ما يحتاج.
الشيخ: يعني: شخص أعار شخصًا كتابًا، ثم قال الْمُعِير للمستعير: قد وهبتك الكتاب، هل تلزم الهبة أو لا؟
الطالب: تلزم الهبة.
الشيخ: ما قَبَّضَه إياه.
الطالب: ما يحتاج إلى تقبيض.
الشيخ: ما يحتاج إلى تقبيض، ليش؟
الطالب: لأنه بيده.
الشيخ: لأنه بيده، أحسنت.
قال المؤلف: (ومَن أَبْرَأَ غريمه من دَيْنِه بلفظ الإحلال أو الصدقة أو الهبة ونحوها بَرِئَت ذمته)، (مَن أبرأ) (مَن) هذه شرطية فتعم كل مُبْرِئ، لكن لا بد من أن يكون هذا الْمُبْرِئ ممن يجوز تبرعه؛ لأن الإبراء تبرُّع، فلا بد أن يكون الفاعل ممن يصح تبرُّعه، فلو أبرأ غريمه من دَيْنِه وهو لا يصح تبرُّعه، كالسفيه مثلًا، فإن الغريم أيش؟
طالب: لا يبرأ.
الشيخ: لا يبرأ؛ لأن الْمُبْرِئ لا يصح تبرعه، وكذلك على القول الراجح، مَن عليه دَيْن مُسْتَغْرِق لماله فإنه لا يصح إبراؤه؛ لأن الدين واجب القضاء، والإبراء سُنَّة وليس بواجب.
المهم أننا نقول: (مَن أبرأ) هذا عامٌّ أُرِيدَ به الخاص، مَن الذي أريد به؟
طالب: مَن يصح تبرعه.
الشيخ: مَن يصح تبرعه.
وقوله: (غريمَه) أي: الذي يطلبه، يعني: مطلوبه، بخلاف غريم غيره، وعلى هذا فالوكيل لا يملك أن يُبْرِئ غريمَ الموكِّل، لماذا؟ لأن غريم الموكِّل ليس غريمًا له.
مثال ذلك: رجل وُكِّلَ في بيع سيارة على شخص، فباع السيارة على شخص بثمن مؤجَّل، ثم قال الوكيل في بيع السيارة للمشتري: قد أبرأتك من ثمنها، هل يصح هذا الإبراء؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لماذا؟
طلبة: ليس غريمه.
الشيخ: لأن هذا الغريم غريم للمُوَكِّل لا للوكيل.
رجل وَلِيّ على يتيم، وباع شيء من ماله بثمن مؤجَّل، فأبرأ هذا الوليُّ الغريمَ من هذا الثمن أو من بعضه.
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن الولي ليس له الدَّيْن، أو لأن الدَّيْن ليس للولي، بل هو للمُوَلَّى عليه، فلا يملك أن يُبْرِئ الغريم.
يقول: (بلفظ الإحلال)، أبرأه بلفظ، لا بد أن يكون هناك لفظ، واللفظ كل ما دَلَّ على الإبراء، فيقول -مثلًا-: أحللتك من دينك، أو أنت في حِلّ منه، أو سامحتك، أو تصدقت به عليك، أو وهبته لك، أو أنت منه في حِلّ، أو لا أطالبك به أبدًا، أو ما أشبه ذلك، المهم كل لفظ دَلَّ على الإبراء فإنه يحصل به الإبراء.
فمثال ذلك: رجل له على شخص مئة درهم، فقال الذي له المئة: إني قد أبرأتك منها، يبرأ منه؟
طلبة: يبرأ.
الشيخ: يبرأ، قال: قد أحللتك من دَيْنِك.
طلبة: يبرأ.
الشيخ: يبرأ، قد سامحتك منه.
طلبة: يبرأ.
الشيخ: يبرأ، قد وهبته لك؟ يبرأ، كل ما دَلَّ على الإسقاط فإنه يبرأ به، قد أسقطه عنك؟
طلبة: يبرأ.
الشيخ: يبرأ.
قال: (برئت ذمته) أي: ذمة الغريم، وبقي طلقًا حرًّا ليس عليه دَيْن، (ولو لم يقبل)، يعني: لو كان الغريم: أنا والله ما أقبل (...) فيك، قال: أبدًا، أبرأتك، سامحتك، أسقطت عنك الدَّيْن، قال: لا، لا قبول، يقول المؤلف: (يسقط الدَّيْن وإن لم يقبل).
لو قال شخص لآخر: خُذْ هذه الدراهم مئة درهم وهبتها لك، قال: لا أقبل، يلزمه ولا لا يلزمه؟
طلبة: لا يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه، فما الفرق بين هبة الدَّيْن وهبة العين؟
قالوا: لأن الدَّيْن وصفٌ في الذمة، فإبراؤه منه إزالة لهذا الوصف، وأما هبة العين فهي عين قائمة لم تدخل في ملكه، فالْمُبْرَأ من الدَّيْن هل الدَّيْن في ملكه ولَّا لا؟ في ملكه، داخل في ملكه، وأنا الآن أبرأته منه فأَزَلْت عنه وصف الغُرْم، لكن الهبة عين مستقلة في ملك مَن؟
طالب: صاحب الدَّيْن.
الشيخ: في ملك الواهب، فلا تدخل في ملك الموهوب له إلا بقبوله.
وهذه هي قاعدة المذهب؛ أن الأوصاف لا يُشْتَرَط فيها القبول، ولهذا لو كان في ذمة زيد لعمرو مئة صاع بُرٍّ من الوسط، فأعطاه زيد مئة صاعًا من البُرّ الجيِّد، فقال صاحب الدَّيْن: أنا لا أقبل الجيد، لا أقبل إلا الوسط كما هو الاتفاق بيننا، قال: لا، أنا بأعطيك الجيد، هل يُشْتَرَط قبول الغريم؟ أعني صاحب الدَّيْن هل يُشْتَرَط أو لا؟
طلبة: ما يشترط.
الشيخ: ليش؟
طلبة: وصف.
الشيخ: نعم؛ لأن هذا وصف، أنا لم أُعْطِكَ أكثر من مئة، ولكنني زدتك خيرًا في الوصف، لكن لو أراد أن يعطيه مئة صاع وصاعًا، فالزائد عن المئة التي هي الدَّيْن لا يصح إيتاؤها إلا بقبول ممن له الدَّيْن.
وقال بعض أهل العلم: إنها لا تبرأ ذمته إلا بالقبول، وذلك لأن الْمُبْرَأ ربما يلاحظ شيئًا بعيدًا وهو الْمِنَّة، ربما يكون هذا الذي أبرأه في يوم من الأيام يقول: كيف تنسى أني أبرأتك، وحينئذ يَمُنّ عليه، وهو يقول: أنا لا أريد أن أحدًا يَمُنّ علَيَّ، واضحة الْمِنَّة؟
طالب: نعم.
الشيخ: واضحة.
مثال ذلك: رجل في ذمته عشرة آلاف ريال لزيد، فقال له زيد: قد أبرأتك منها، قال: لا أقبل، على المذهب أيش؟ يبرأ ولو قال: لا أقبل. القول الثاني يقول: لا، لا يبرأ إذا لم يقبل؛ لأنه ربما يكون عدم قبوله خوفًا من..
طالب: من المنة.
الشيخ: من المنة في المستقبل، ربما يقول له الْمُبْرِئ في يوم من الأيام: كيف نسيت أني أبرأتك، هذا جزائي! هذا جزاء المعروف! فيكون في ذلك منة عليه، وهذا القول هو الأصح؛ لأن الإنسان حُرّ في أن يقبل مِنَّة الغير أو لا يقبلها، ولا شك أن الإبراء من الدَّيْن مِنَّة ممن؟
طالب: مِن الْمُبْرِئ.
الشيخ: من الْمُبْرِئ، فلا يلزم أحدًا أن يقبل منة أحد.
وعُلِمَ من قول المؤلف: (بلفظ الإحلال) أنه لو نوى بقلبه أنه أبرأه ولكن ما تلفَّظ به فله أن يرجع، وهذه تقع كثيرًا، ويُسْأَل عنها كثيرًا، يكون واحد –مثلًا- له دَيْن على شخص فافتقر الشخص، فينوي بقلبه أنه أبرأه، وأنه لن يطالبه في المستقبل، فنقول: لا يبرأ بذلك، لا يبرأ بمجرد النية، بل لا بد من أيش؟
طلبة: القول.
الشيخ: لا بد من القول، وهل يُشْتَرَط أن يعلم بذلك الْمُبْرَأ أو لا؟
طالب: لا يُشْتَرَط.
الشيخ: لا يشترط؛ لأن مَن لا يُشْتَرَط قبوله ورضاه لا يُشْتَرَط علمه، كل مَن لا يُشْتَرَط رضاه فإنه لا يُشْتَرَط علمه، ولهذا يجوز أن يطلِّق الرجل زوجته وإن لم تسمع، فلو قال لها: إني طلقتك قبل شهر، قالت: ما سمعت، ماذا يقول لها؟
طالب: لا يُشْتَرَط السماع.
الشيخ: نقول: لا يُشْتَرَط سماعك؛ لأنه لا يُشْتَرَط رضاكِ حتى نقول: لا بد من سماعك.
كذلك هذا الذي لا يُشْتَرَط قبوله ولا رضاه إذا أبرأه من الدَّيْن وإن لم يسمع بَرِئَ منه، فلو قُدِّر أن الرجل كتب وثيقة بقلمه: الدَّيْن الذي على فلان قد أبرأته منه، برئت ذمته، ولو سأله سائل فقال: يا فلان، سمعت أنك تطلب فلانًا ألفَ ريال، قال: نعم، لكني أُشْهِدُك أني أبرأته، يبرأ أو لا؟
طلبة: يبرأ.
الشيخ: يبرأ، وإن لم يسمع الْمَدِين؟
طالب: وإن لم يسمع.
الشيخ: وإن لم يسمع.
ثم قال المؤلف: (وتجوز هبة كل عين تباع)، (تباع) يعني: يصح بيعها، كل عين يصح بيعها فإن هبتها تصح.
الدراهم تصح هِبَتُها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ليش؟
الطالب: يجوز بيعها.
الشيخ: يجوز بيعها، الكتب تصح هبتها؟
الطالب: نعم.
الشيخ: المرهون؟
طالب: لا، ما يصح.
الشيخ: لا، ليش؟
الطالب: ما يصح بيعه.
الشيخ: لأنه لا يصح بيعه، الموقوف؟
طالب: لا يصح بيعه.
الشيخ: لا يصح بيعه؟
الطالب: لا يصح.
الشيخ: هبته؟ قال للموقوف عليه: هو لك مني هبة، يعني: شخص وقَّفَ هذا الكتاب على زيد، ثم بعدئذ قال له: قد وهبتك الكتاب هبة؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟
طلبة: لأنه لا يباع.
الشيخ: لأنه لا يباع، وهب ابنَه؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: ما يصح.
الطالب: لا يجوز بيعه.
الشيخ: لأنه لا يجوز بيعه، وهب بعيره؟
طلبة: يصح.
الشيخ: يصح؛ لأنه يجوز بيعها.
إذن إذا قال لك قائل: ما هو الضابط فيما تصح هبته؟
نقول: كل ما جاز بيعه جازت هبته، وما لا يجوز بيعه لا تجوز هبته، إلا ما استثناه المؤلف في قوله: (وكلب يُقْتَنَى)، والكلب الذي يُقْتَنَى هو الذي يُتَّخَذ للزرع والحرث والماشية.
طالب: الكلب للصيد.
الشيخ: ليش وافقتم؟ بس أنتم مشيتم معي.
للزرع والصيد والماشية، هذا الذي يُقْتَنَى هو الذي يُتَّخَذ لواحد من هذه الأمور الثلاثة، فتجوز هبته ولا يجوز بيعه، وذلك لأن المُحَرَّم هو أَخْذ العِوَض عليه، وإذا كان الْمُحَرَّم هو أخذ العِوَض فإنه إذا وَهَبَهُ بلا عِوَض فلا بأس به.
وحقيقة هذه الهبة أنها تَنَزُّل عن اختصاصه به؛ لأنه ما هو تمليك؛ لأن الكلب لا يُمْلَك، لكن حقيقته أنه أيش؟ تنازل أو تَنَزُّل عن اختصاصه بهذا الكلب، ومن ذلك لو تَحَجَّر الإنسان أرضًا مَوَاتًا، تحجَّرها جعل عليها حجرة، يعني لا جدار بل كومة من التراب أو مراسيم، فهل يجوز بيعها؟
طالب: لا.
الشيخ: المذهب لا يجوز؛ لأنها لم تُمْلَك، لكن لو وهبها؟
طالب: يجوز.
الشيخ: جاز، وحقيقة هذه الهبة أنها تنازُل عن استحقاقه لهذه الأرض التي حَوَّطَها، وليست هبة حقيقية؛ لأن ما فيها تمليك.
ثم قال المؤلف: (فصل.. يجب التعديل في عطية أولاده بقدر إرثهم)، يعني هذا الفصل اللي عقده المؤلف فيه مسائل، منها:
عطية الأولاد، والمراد بالعطية هنا الهبة، يعني فهي أعم من العطية في مرض الموت.
أولاده الذكور والإناث بقدر إرثهم، فيكون للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا في العطية المحضة دون العطية للحاجة، فالعطية للحاجة تتقدَّر بقدر الحاجة، والعطية المحضة التي هي تبرُّع محض تتقيد بمقدار الإرث، يعني للذكر مثل حظ الأنثيين.
فهذا رجل عنده ولد وبنت، أعطى الولد ولم يُعْطِ البنت، هذا حرام لا يجوز، أعطى البنت ولم يُعْطِ الولد يعني لم يُعْطِ الذكر.
طالب: حرام.
الشيخ: هذا أيضًا حرام، أعطى البنت بمقدار الابن، هذا أيضًا حرام لا يجوز؛ لأن الواجب أن يعطي الولد الذكر مِثْلَيِ الأنثى.
أعطى الابن ثلاثين، وأعطى البنت عشرة.
طلبة: أيضًا لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، أعطى الابن خمسة وعشرين، وأعطى البنت عشرة.
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، أعطى الابن عشرين، وأعطى البنت عشرة.
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن هذا هو قدر الإرث، بقدر إرثهم.
وعُلِمَ من كلام المؤلف رحمه الله أن التسوية بالقدر لا تجوز، يعني لو أعطى الذَّكَر مئة وأعطى الأنثى مئة فهذا حرام لا يجوز، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» .
لما جاء بشير بن سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليُشْهِدَه على عطيته لابنه النعمان قال له: «أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» .
إذن لو قال قائل: هذا الحديث يدل على أنه تجب التسوية بين الولد الذكر والولد الأنثى، فما الجواب؟
الجواب: لا، ليس يدل على التسوية؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»، ولا نرى أحدًا أعدل من الله عز وجل، وقد قال الله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: ١١]، ولا نجد قسمة أعدل من قسمة الله تعالى، وعلى هذا فيكون التعديل أن يُجْعَل للذكر مثل حظ الأنثيين، وليس التعديل أن يُسَوَّى بينهم، واضح يا جماعة؟
وهذا هو القول الراجح؛ أن التعديل بين الأولاد إنما يكون بتفضيل الذكر على الأنثى، بحيث يُجْعَل للذكر مثل حظ الأنثيين، وليس التعديل بمعنى التسوية.
وقول المؤلف: (في عطية أولاده) احترازًا من النفقة، فالنفقة لا يُعَدَّل فيها بقدر الإرث، إنما يُعَدَّل فيها بأيش؟ بقدر الحاجة، فلو فُرِضَ أن البنت تحتاج إلى حُلِيّ يُجْعَل على الرأس بعشرة آلاف ريال، والابن يحتاج إلى طاقية يجعلها على رأسه بخمسة ريالات، فما التعديل؟
طالب: (...).
الشيخ: أن يشتري للبنت الحلي بعشرة آلاف ريال، وللابن طاقية بخمسة ريالات، هذا التعديل.
عنده أولاد ذكور أحدهم كالجمل جسمًا، والثاني صغير الجسم، ثوب الأول بمئة ريال، وثوب الثاني بعشرة ريالات، فاشترى لكل واحد منهما ثوبًا، فقال الصغير: أعطني تسعين ريالًا؛ لأنك اشتريت لأخي بمئة واشتريت لي بعشرة، فالفرق؟
طلبة: تسعون.
الشيخ: تسعون ريالًا، أعطني تسعين ريالًا وإلا فإنك جائر، ماذا نقول؟
طالب: (...).
الشيخ: بل الجور منك أيها الصغير، لو أعطاك تسعين ريالًا لكان قد فَضَّلَك على أخيك؛ إذ إن الذي أعطى أخاك هو ثوب، وأنت أعطاك ثوبًا، لكن لو قال: اشترِ لي مثل ثوب أخي، قلنا: ما يخالف، لكن سيكون ثوب أخيك عليك مثل الخيمة، هل ترضى أن يكون عليك خيمة تمشي بين الناس؟ ما يرضى، ولو فعل ذلك لكان هذا جنونًا.
له ابنان ذَكَرَان، أحدهما يدرس في الجامعة يحتاج إلى كتب، يشتري له الكتب بمقدار مئتي ريال –مثلًا- والثاني يدرس في الابتدائي يحتاج إلى كتب بعشرين ريالًا، فاشترى للأول بمئتين، واشترى للثاني بعشرين، هل هذا عدل؟
طلبة: نعم.
الشيخ: عدل؛ لأن هذا هو الحاجة، له ابنان أحدهما بلغ عشرين سنة، واحتاج إلى الزواج فزوَّجه بأربعين ألفًا، والثاني له عشر سنوات لا يحتاج إلى الزواج، هل يطالب الثاني أباه بأن يعطيه أربعين ألفًا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن هذه من أجل الحاجة ودفع الحاجة.
وهل يُفَضِّل بينهم باعتبار البِرّ؟ يعني: إذا كان أحدهما أَبَرّ من الآخر، الآخر عنده عقوق، والثاني بارّ، فقال: سأُعْطِي البارّ أكثر مما أعطي العاقّ تشجيعًا للبارّ وحثًّا للعاقّ أن يَبَرّ، ما تقولون؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: نقول: لا يجوز؛ لأن البِرّ ثوابه أعظم من دراهم تعطيها إياه، البِرّ ثوابه عند الله عز وجل، ولا تدري فلعل البارَّ اليوم يكون عاقًّا بالغد، والعاقّ اليوم يكون بارًّا بالغد، فلا يجوز أن تفضله من أجل بِرِّه.
إذا كان أحد الأبناء يعمل معه في مزرعته أو في متجره، وأعطاه زيادة على الآخر الذي لم ينتفع منه بشيء؟
طالب: يجوز له.
الشيخ: فيها تفصيل؛ إن كان هذا الذي يُعِينُ أباه في متجره أو مزرعته يريد بذلك وجه الله فإنه لا يعطيه شيئًا؛ لأن هذا يدخل في أيش؟
طالب: في البِرّ.
الشيخ: في البِرّ، وإن كان يريد عِوَضًا على ذلك، أو أن أباه قد فرض له العِوَض قبل أن يعمل فلا بأس، ولكن يُعْطَى مثل أُجْرَتِه لو كان أجنبيًّا، فمثلًا إذا قُدِّر لو كان خادمًا لكان له راتب ست مئة ريال في الشهر، فهل يعطيه الأب سبع مئة في الشهر؟
طلبة: لا.
الشيخ: يعطيه ست مئة، ولا يعطيه أكثر مما يستحق لو كان أجنبيًّا.
لو فُرِضَ أن أحد الابنين أُصِيبَ بشلل، فصار ينفق عليه أكثر من أخيه الذي لم يُصَب بالشلل، فما تقولون؟
طلبة: لا بأس للحاجة.
الشيخ: لا بأس؛ لأن هذا دَفْعٌ للحاجة، كما لو احتاج أحد الابنين إلى دواء أو علاج، وأنفق عليه شيئًا كثيرًا لأجل ذلك فإنه لا يلزمه أن يعطي الآخرين.
طالب: لو الأب أعطى أحد أولاده مالًا زائدًا عن إخوته، والولد يعلم أن هذا حرام، فهل إذا أكل هذا الولد هل المال يكون حرامًا؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: أحسن الله إليك، (...) وقالوا: هذا أخونا فإننا نرى أنه بحاجة.
الشيخ: هذه اصبر عليها؛ لأن المؤلف بيذكرها.
طالب: شيخ، أحد الأبناء لا يصلي (...)؟
الشيخ: هذه فيها خلاف، يعني إذا كان أحد الابنين كافرًا بِرِدَّة أو من الأصل لم يدخل في الإسلام، فهذا بعض العلماء يقول: لا يجب التعديل؛ لأن الله قال: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ [القلم: ٣٥]، وبعضهم قال: لا، بل يجب التعديل؛ لأن هذا حق سببه الولادة، وهي ثابتة في الكافر كما هي ثابتة في المسلم.
وينبغي أن يقال في هذا: يُنْظَر للمصلحة، إذا كان إعطاؤه المسلم يقتضي أن يقرُب الكافر من الإسلام فيدخل في الإسلام فهذا يُعْطِي المسلم ولا يبالي، وأما إذا لم يكن فيه مصلحة فلا يجوز، يجب التعديل.
طالب: هل على الإخوة، هل إن أخذ نصيب أخيهم الذي كان أعطاه والداه لعمه؟
الشيخ: أيش لون؟
الطالب: فيه إخوة لهم أخوهم كان والدهم كان أعطاه لعمه، يعني العم ما ينجب أولادًا.
الشيخ: يعني وَهَبَه له.
الطالب: إي، وَهَبَه له.
الشيخ: ما شاء الله.
الطالب: فالآن الولد هو رافض يرجع إلى ..
الشيخ: يعني: لا يرجع لأبيه، أَبَى أن يرجع لأبيه.
الطالب: (...).
الشيخ: معلوم؛ لأنه لا يجوز الرجوع في الهبة، هذه هبة مقبوضة لازمة.
الطالب: (...).
الشيخ: هبة الأولاد قلنا: لا تصح، ما هو مر علينا تَوًّا؟
طالب: نعم.
الشيخ: قريبًا مَرَّ علينا، يعني لو أن هذا الأخ وهب لأخيه هذا الابن؛ لأنه لا ينجب فإن الهبة لا تصح، ولا يكون ولدًا له، حتى لو تَبَنَّاه؛ لأن الله أبطل التبني أبدًا.
طالب: أمر عاجل.
الشيخ: أيش؟
الطالب: نذر أنه ما يبيع.
الشيخ: نذر ألَّا يبيع.
الطالب: من دون ما يحوز (...).
الشيخ: ما فهمت.
الطالب: قلنا: كل عين تباع فهي توهَب.
الشيخ: زين، صح.
الطالب: هذا ما يجوز أن يبيعه، ونذر ألَّا يبيعه.
الشيخ: لا، أصل العين هذا يباح بيعها، لكن لَمَّا نذر ألَّا يبيعها فهذا حكمه حكم اليمين، كمن حَلَفَ فيُكَفِّر عن النذر ويبيع.
طالب: (...).
الشيخ: أن يُعَزِّر.
الطالب: أحد أبنائه لعمل ما (...).
الشيخ: ويش تقولون في هذا؟
طالب: ما ينبغي (...).
الشيخ: لا، هو يقول –مثلًا-: أولاده منهم المطيع ومنهم العاصي، الصغار خاصة، ولا الكبار، فالذي يطيع يعطيه مثلًا ريالًا ريالين تشجيعًا له، يعني –مثلًا- قال لأولاده: استقبلوا الضيوف، أنا عندي شغل بتأخر، أحد الأبناء خرج يلعب بالسوق ولم يبالِ، والثاني بقي للضيوف، فهل يعطيه أو لا؟
طالب: يحبسها عنه.
الشيخ: عمن؟
الطالب: يحبسها عن الولد هذا، عن الذي خرج للسوق، يحبسها حبسًا فترة معينة ثم يردها إليه؛ لأن هذا أيضًا لو كان (...) كبيرًا لقلنا: هذا من جهة البِرّ أيضًا إن بقي هذا، نقول: هذا بِرّ وعقوق.
الشيخ: والله ما أدري هل يتفق أنه من باب التأديب أنه لا بأس؛ لأنه لمصلحته، وهي أيضًا المسألة بسيطة يعني: الريال أو الريالان في الوقت الحاضر ما هو شيء.
طالب: مَن كان له دَيْن على الآخر هل يجوز أن يقول له: وقفت دَيْنِي عليك؟
الشيخ: لا، ما يصح؛ لأن الوقف لا بد أن يكون عينًا.
الطالب: إي، وهذا كذلك عين من بيت؛ يعني شاري عليه البيت، يقول له: أنا شريت عليك بيتًا بخمسين ألفًا (...).
الشيخ: يعني: بعتها له.
الطالب: الحين له بيت وقفته.
الشيخ: لما قال: اشتريت عليك هذا البيت بخمسين ألفًا، ملكه المشتري.
الطالب: باعه رجل على الآخر بخمسين ألفًا، وباعه هذا له، والخمسون ألفًا الحين وقفتها عليك.
الشيخ: ما يصح.
الطالب: والبيت وقفته عليك.
الشيخ: البيت ما هو ملكه، ليس ملك البائع الآن، البيت الآن صار ملك المشتري، لما تم البيع صار ملك المشتري، واضح؟
الطالب: واضح.
الشيخ: إي نعم.
طالب: من كان في بيته ابنان أحدهما في البيت يأكل ويشرب، والآخر مسافر إما لطلب علم أو شيء يحتاج إلى أجرة سفر، ويحتاج إلى مصروفات خاصته، ويحتاج نعطيه –مثلًا- في الشهر ألف ريال، والآخر لا يحتاج شيئًا، يعطيه؟
الشيخ: إي، إذا كان سببه النفقة لا بأس، فإذا كان هذا الرجل محتاجًا إلى السفر لطلب العلم فهذه من النفقة.
الطالب: إذا كان أحدهما سفيهًا قد ينفق الفلوس (...)؟
الشيخ: يحفظها له.
الطالب: يحفظها له ولا يعطيها لأحد منهم.
الشيخ: إي نعم.
طالب: بعض الناس يرى أن (...) تكون في وقت المناسبات، يعني: واحد أتى له مولود يعطونه مبلغًا، ويتشوف هذا الذي أعطى أن يُعْطَى له، هل يكون هذا دَيْنًا؟
الشيخ: لا، هذا ليس بدَيْن.
الطالب: إذا ما أعطاه؟
الشيخ: إذا ما أعطاه ما هو بشيء، لو قال: كيف أنا أعطيتك لمولودك ولا أعطيت لمولودي، قال: والله أنت الآن كريم وأنا بخيل، ما يلزم.
طالب: هل تسمى هبة الثواب؟
الشيخ: لا، اللي هي ثواب اللي يكون لها معاوضة في الوقت الحاضر.
الطالب: كيف يعني؟
الشيخ: يعني أعطيتك اللي بتعطيه.
الطالب: في نفس الوقت.
الشيخ: لا، هذا قد يولَد له وقد لا يولَد.
الطالب: يعني يعطيه في نفس الوقت.
الشيخ: أقول: قد يولد وقد لا يولد، وهبة الثواب بمعنى البيع.
الطالب: وصورتها؟
الشيخ: صورتها: أنا رأيتك تطلب كتابًا، تبحث عن كتاب، فقلت: عندي لك كتاب، اتفضل هذا الكتاب، ولا ذكرنا عقد بيع ولا شيء، يكون هذا هبة يراد بها الثواب.
طالب: هل هناك مِنَّة بين الوالد وولده؟
الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ يقول: هل هناك مِنَّة بين الوالد وولده؟
طالب: ما فيه منة.
الشيخ: لا، فيه منة، ما فيه شك فيه منة.
طالب: على ولده.
الشيخ: أقول: ما فيه شك، الآن والد على ولده، لكن بس هذه المنة قد تكون غير مؤثرة بالنسبة لأوساط الناس، ولهذا يقول مثلًا إذا أعطاه أبوه قال: هذا ما به منة، أو بالعكس يقول: هذا ما فيه منة، فلا تخدش الإنسان، يعني منة الأب على ابنه أو بالعكس هذه لا تخدش الإنسان، ولَّا لا شك أنها منة.
طالب: شيخ، بالنسبة لسؤال الأخ يقول: هذه حدثت الآن في إخوة هذا الولد الذي لا يأتي، هذا الذي لا يرجع إليهم يريدون أن ..
الشيخ: أنت لا تعبر عنه، وسؤاله فهمه أفهمنا إياه وأعطيناه الجواب.
طالب: يا شيخ (...) في الجواب يعني هذا البيت وُجِدَ عنده بعينه فهو أحق.
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله، أدخَلْتَنَا مسألة جديدة يا شيخ.
الطالب: اللي فهمته وهبت هذا الدَّيْن عليك، يعني: هذا البيت عليك.
الشيخ: الآن إذا بعتني بيتك بخمسين ألفًا، صار في ذمتي لك؟
طالب: خمسون.
الشيخ: والبيت لمن؟
الطالب: البيت ملكك.
الشيخ: لي، كيف تُوقِف مالي عَلَيَّ.
الطالب: يعني أنني ما وجدت شيئًا، ولهذا قلت..
الشيخ: إذا كنت لم تجد عندي شيئًا وأنا أفلست –مثلًا- خذ البيت، أنت خذه أولًا.
الطالب: بعد أن..
الشيخ: بعد أن تأخذه لك أن توقفه عَلَيَّ.
طالب: إنسان عنده أولاد يقول: اللي حفظ منكم (...) واحد حفظ وواحد ما حفظ؟
الشيخ: إي، ما فيه بأس هذا، هو إذا كان على عمل ما فيه بأس، حتى لو كان ينتظر ضيوفًا وقال لهم: اللي يجلس يستقبل الضيوف أن أعطيه عشرة ريالات، هذا لا بأس، إذا جلس واحد يعطيه عشرة ولا حرج.
عندنا تسميع الآن؟ (...)
***
طالب: فله أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضره ولا يحتاجه.الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أنه يجب التعديل في عطية الأولاد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» ، وسبق أن التعديل يكون بقدر الإرث على القول الراجح، وليس بقدر الرؤوس، بل بقدر الإرث، فإذا أعطى الذكر مئتين أعطى الأنثى مئة، ولا يعطيها مئتين، وذلك لأنه لا قسمة أعدل من قسمة الله، وقد قال الله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وهذه أعدل قسمة.
ولكننا لم نُورِد حديث بشير بن سعد بن النعمان حيث قال له الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَكُلَّ وَلَدِكَ أَعْطَيْتَهُمْ مِثْلَ هَذَا؟» قال: لا، قال: «اتَّقُوا اللهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»، هذا لم نُورِدْه، وسنورده في الدرس إن شاء الله تعالى.
وسبق لنا أن التعديل الواجب إنما هو في عطية التبرع، أما ما كان لدفع الحاجة فإنه يتقدَّر بقدرها، ولا يجوز أن يُعْطَى مَن لا يحتاج مثلما أعطي المحتاج، أعرفتم؟
وضربنا لذلك مثلًا برجل عنده ابنان أحدهما في سِنّ الزواج فزوَّجه بأربعين ألفًا، والثاني صغير، فهل يلزمه أن يعطي الصغير أربعين ألفًا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، هل يلزمه أن يدخره له؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، هل يلزمه أن يوصي به بعد موته؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، كل هذا لا يجوز؛ لأن ما كان لدفع الحاجة فهو متقدّر بقدر الحاجة.
سبق لنا أيضًا أنه لا فرق بين الصغير والكبير، ولا بين البارّ..
طلبة: والعاقّ.
الشيخ: والعاقّ؛ لأن هذا عطية، وقد يكون العاقّ هذا العام بارًّا في المستقبل، والبارّ في هذا العام عاقًّا في المستقبل.
وسبق لنا أنه لا يجوز أن يزيد أحدَهم لكونه ذا خلق طيب، أو طالب علم، أو عابدًا، أو ما أشبه ذلك، لكن له أن يقول: مَن طلب العلم فله كلَّ يوم كذا، مَن حفظ شيئًا من القرآن فله كذا وكذا، هذا لا بأس به، حتى لو انفرد أحدهم بذلك وأعطاه فهو في حِلّ، وذلك لأنه فتح الباب للجميع؛ فمنهم مَن وَلَجَ، ومنهم مَن لم يَلِج، وليس هذا تبرعًا محضًا.
يقول المؤلف: (يجب التعديل في عطية أولاده بقدر إرثهم).
ذكرنا الآن أن حديث بشير بن سعد الأنصاري الذي وهب ابنه النعمان نحلة؛ إما بستان أو غلام، أو غلام وبستان، المهم أنه أعطاه من بين سائر إخوانه، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَ هَذَا؟» قال: لا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»، فإن ظاهر الحديث أنه يُسَوَّى بين الذكر والأنثى؛ لقوله: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَ هَذَا»، ولكن نجيب عن ذلك بأن في بعض ألفاظ الحديث في صحيح مسلم: «أَلَكَ بَنُونَ؟»، قال: نعم، قال: «أَفَعَلْتَ بِهِمْ مِثْلَ مَا فَعَلْتَ بِهَذَا؟»، قال: لا، فقال: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» ، وبه تَبَيَّن أن الذي عند بشير كانوا ذكورًا، وإذا كانوا ذكورًا لزموا أن يكونوا؟
طالب: سواء.
الشيخ: بالسوية، فزال الإشكال، وقول المؤلف: (يجب التعديل في عطية أولاده) -نبدأ الدرس الآن- يُسْتَفَاد منه أنه لا يجب التعديل في عطية إخوانه، فلو كان له أخوان شقيقان، فأعطى أحدهما ولم يُعْطِ الآخر فلا شيء عليه، ولا فرق بين أن يكون هؤلاء وَارِثِينَ كما لو لم يكن له وارث سواهما أم غير وارثين.
وهذا القول هو الصحيح؛ أن التعديل بين الأقارب في العطية ليس بواجب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ» مَن؟
طلبة: «بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ».
الشيخ: «بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»، وأما إخواننا، وأعمامنا، وأخوالنا، وبنو عمنا، وبنو أخوالنا فلا يجب علينا أن نعدِّل بينهم في العطية.
فإذا قال قائل: أفلا يُخْشَى إذا أعطيتَ واحدًا دون الآخر أن يحمل ذلك على القطيعة، فالجواب؟
طالب: نعم.
طالب آخر: يحتمل.
الشيخ: نعم ولَّا بلى.
طالب: بلى.
الشيخ: بلى، لا شك أنه يُخْشَى أن يحمل على القطيعة، ولكن إذا كان يُخْشَى هذا وجب أن يُعْطِيَه على وجهٍ يزول به هذا المحذور، مثل أن يعطيه إياه سِرًّا بينه وبينه، فإذا أعطاه سرًّا بينه وبينه، فإن هذا تُدْرَأُ به هذه المفسدة، على أن هذه المفسدة لا تندرئ مرة واحدة؛ لأنه ربما يجيء الأخ الْمُعْطَى يتبجَّح عند الأخ الثاني، يقول: أخوي جزاه الله خيرًا أعطاني أمس عشرة آلاف، وفعلت فيها كذا وكذا، سيأتي الثاني الذي أُخْبِر فيزعل يقول: ليش أعطيت هذا ولا أعطيتني؟
على كل حال لا بد أن يُتَوَقَّى المحذور، فإن خِيفَ المحذور فالخوف على درجات؛ خوف محقَّق، وخوف بعيد، وخوف موهوم، فكل حال حسب الحال.
المهم إذا كان يُخْشَى من مفسدة فيجب تلافي هذه المفسدة.
قال: (فإن فضَّل بعضَهم)، فضَّل بعضهم يعني أو خَصَّهُ، يعني إن شئنا قلنا: فإن فضَّل أو خَصّ، ويجوز أن نجعل فضَّل بتخصيص أو زيادة، يعني يجوز أن نحمل فضَّل على مطلق التفضيل، فيشمل التخصيص والزيادة، ويجوز أن نجعل فضَّل أي: زاد، ونقول: فإن فضل أو خَصَّص.
مثال الأول؛ التفضيل: أن يعطي أحدَهم مئة، والآخرين على خمسين، هذا فضَّل بأيش؟
طلبة: بالزيادة.
الشيخ: أعطى واحدًا مئة، والآخرين على خمسين.
طلبة: بالزيادة.
الشيخ: فضَّل بالزيادة؟ أعطى أحدَهم مئة ولم يعطِ الآخرين شيئًا.
طلبة: تخصيص.
الشيخ: هذا تخصيص، إذن هل مراد المؤلف: فإن فَضَّل بعضهم، سواء برجوع أو زيادة، أو أراد: فضَّل، يعني: أعطى أكثر، يعني: هل يشمل فضَّل بتخصيص أو زيادة، أو فضَّل يعني زاد؟
يحتمل المعنيين، لكن على كل حال إذا قلنا: إن فضَّل يعني زاد، فإنه إذا مُنِعَت الزيادة فالتخصيص من باب أولى لا شك.
(سَوَّى)، يعني: سَوَّى بينهم، (برجوع) على المفضَّل، (أو زيادة) للمفضَّل عليه، ولهذا حذف المؤلف متعلِّق (برجوع) ليشمل الرجوع على المفضَّل بأيش؟
طالب: بالزيادة.
الشيخ: بأخذ الزيادة منه، أو زيادة على مَن؟ الزيادة لمن؟
طلبة: للمفضَّل عليه.
الشيخ: للمفضَّل عليه، يعني إذن برجوع على المفضَّل فيأخذ الزيادة، أو زيادة للمفضَّل عليه ليساوي المفضَّل.
مثاله: رجل له ابنان أعطى أحدهما مئة، والثاني خمسين، كيف التعديل؟
التعديل يكون على ثلاثة أوجه؛ الوجه الأول: أن يأخذ من الذي أعطاه مئة خمسين لتكون عطيتهما؟
طلبة: متساوية.
الشيخ: متساوية على خمسين، الوجه الثاني: أن يعطي الذي أعطاه الخمسين خمسين أخرى، فيكون أعطى كل واحد؟
طلبة: مئة.
الشيخ: مئة، الوجه الثالث: أن يأخذ من الأول المفضَّل خمسًا وعشرين يضيفها على الناقص، فيكون لهذا؟
طلبة: خمسة وسبعون.
الشيخ: خمسة وسبعون، وللثاني خمسة وسبعون، واضح؟
يجب هذا أو لا يجب؟
طلبة: يجب.
الشيخ: يجب؛ لأن العدل بين الأولاد واجب؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» .
يقول: (سوَّى برجوع أو زيادة، فإن مات قبله ثبت)، (إن مات قبله) أي: قبل التسوية برجوع أو زيادة ثبت، ويش اللي يثبت؟ عندكم ثبت ولا ثبتت؟
طلبة: ثبتت.
الشيخ: (ثبتت) أحسن، (ثبتت) يعني الزيادة، (إن مات) الضمير يعود على الوالد، (قبله) أي: قبل التسوية، (ثبتت) الزيادة للمزيد، ولا يلزمه أن يرد الزائد في التركة.
مثاله: وهب ابنَه مئة ريال، ولم يهب الابن الثاني أيَّ شيء، ماذا نقول له؟
يجب عليك الآن أن تسحب المئة من الذي وهبتها له، أو أن تقسمها بينهما نصفين، أو أن تعطي الثاني؟
طالب: مئة.
الشيخ: مئة، هذه الأوجه الثلاثة، لكن الرجل مات قبل أن يفعل، فإنها تثبت لمن؟
طلبة: للمُعْطَى.
الشيخ: تثبت للمُعْطَى، التركة التي بقيت بعد موته مئة ريال، وعليه فنقسم المئة بين الابنين أنصافًا؛ لكل واحد خمسون، يكون الابن الذي أُعْطِي أولًا له كم؟
طلبة: مئة وخمسون.
الشيخ: مئة وخمسون، والثاني؟
طلبة: خمسون.
الشيخ: ليس له إلا خمسون؛ لأن المؤلف يقول: (إن مات قبله ثبتت)، فوجه ثبوتها أن المطالَب بالرجوع هو الأب، وقد مات، فسقط عنه التكليف بموته، فإن الإنسان إذا مات انقطع عمله.
وهذا القول ضعيف، والصواب أنه إذا مات وجب على المفضَّل أن يَرُدّ ما فُضِّلَ به في التركة، فإن لم يفعل خُصِمَ من نصيبه إن كان له نصيب.
هذا القول هو الصحيح؛ لأنه لما وجب على الأب الذي مات أن يُسَوِّي فمات قبل أن يفعل صار كالْمَدِين، صار كالذي عليه دَيْن لولده المفضَّل عليه، والدَّيْن يجب أن يُؤَدَّى.
وعلى هذا فنقول للابن المفضَّل: إن كنت تريد بِرّ والدك فرُدّ ما أعطاك في التركة، إذا قال: آثَم إذا لم أفعل؟ قلنا: نعم تأثم، ويأثم أبوك أيضًا إن كان قد أهمل وفرَّط حتى مات، أما إذا كان لم يفرط، يعني أُخْبِر بأن هذا حرام، ولكن عاجله الموت قبل أن يتمكن من التصرف فهو لا إثم عليه، لكن الإثم عليك أنت.
إذن الصحيح أنه إذا مات قبل التسوية فإن التفضيل لا يثبت، ويجب على المفضَّل أن؟
طالب: يرده.
الشيخ: يرد ما فُضِّلَ به في التركة، أو يُنَزَّل من نصيبه إن كان هناك تركة توزَّع.
قال: (ولا يجوز لواهب أن يرجع في هبته اللازمة)، انتبه، (لا يجوز) يعني: يَحْرُم؛ لأن نفي الشيء إثبات لضده، فإذا نفينا الجواز ثبت التحريم، (أن يرجع في هبته) أي: فيما وَهَبَهُ لغيره إلا الأب، كما ستُذْكَر.
وذلك لأن الإنسان إذا وهب وأَقْبَضَ الهبة، ولهذا قال المؤلف: (اللازمة)، صارت الهبة ملكًا للموهوب له، فإذا رجع فيها فقد أخذ ملك غيره بغير حق، فصار هذا حرامًا، هذا تعليل المسألة من حيث النظر، أما دليلها من حيث الأثر فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» .





