وذلك لأن خبر الكافر غير مقبول؛ لأن الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦]، فإذا كان خبر الفاسق يجب التبين فيه فخبر الكافر من باب أوْلَى أن
يتوقف فيه أو يُردُّ فلا عبرة بقول الطبيب غير المسلم ولو كان حاذقًا مجربًا في
الإصابة.
الشرط الثالث: (عدلان) يعني ذوي عدل، فإن كانا فاسقين ولو بحلق
اللحية فإن قولهما لا يُقبل، ولو كانا فاسقين ولو بترك صلاة الجماعة فإن قولهما لا
يُقبل، وعلى كلام المؤلف..
الشرط الرابع: (العدد) فلا يكفي الطبيب الواحد
ولو كان من أمهر الناس ولو كان تام الإيمان، ولو كان عدلًا، فإنه لا يُقبل؛ لأنه لا
بد من اثنين، فاشترط المؤلف لقبول خبر الطبيب أربعة؛ أن يكون طبيبًا حقًّا مسلمًا
عدلًا ومتعددًا اثنين فأكثر؛ وذلك لأن هذا من باب الشهادة، والشهادة لا بد فيها من
الإسلام، ولا بد فيها من العدالة، ولا بد فيها من التعدد.
ولكن لنرجع ولننظر في
الواقع أو في هذه المسألة على وجه النقاش فنقول: أما اشتراط كونه طبيبًا فهذا حق،
لا بد أن يكون طبيبًا، ولكن ما رأيك لو كان
غير طبيب لكنه مُقلِّد لطبيب؛ أي أنه قد سمع من طبيب ماهر أن هذا المرض مخوف، فهل
يؤخذ بقوله؟ الجواب: نعم، يؤخذ، على القول الراجح يؤخذ؛ لأنه أخبر عن طبيب،
فكما أنه في المسائل الشرعية لو أخبرك شخص عن عالم بأنه قال: هذا حرام
فإنك تقبل قوله ولو كان عاميًّا إذا كان هذا العامي مقبول الخبر.
وأما قول المؤلف: (مسلمان) فالصحيح أن
الإسلام لا يُشترط في الطبيب لا في مسألة أن المرض مخوف، ولا في مسألة تجنب ما
يحتاج المريض إلى تجنبه كما لو قال له: لا تصم؛ فإن الصوم يضرك، فالصحيح أن الإسلام
ليس بشرط، وإنما الذي يشترط الأمانة، إذا كان أمينًا، نعلم أن هذا الطبيب أمين وليس
له هوى، فإننا نقبل قوله ولو كان غير مسلم.
والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بقول الكافر في الأمور المادية التي
مستندها التجارب، وذلك حين استأجر رجلًا مشركًا من بني الديل، يُقال له: عبد الله
بن أريقط ليدله على الطريق في سفره في الهجرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم استأجر
هذا الرجل وهو كافر، وأعطاه بعيره وبعير أبي بكر ليأتي بهما بعد ثلاث ليالٍ إلى غار
ثور .
هذا ائتمان عظيم لا على المال ولا على النفس، أما على المال فقد أعطياه الراحلتين،
وأما على النفس فإنه سيدلهم على الطريق مع أن قريشًا قد اشتد طلبها للرجلين للنبي
صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وجعلوا لمن أتى بهما مئتي بعير لكل واحد مئة، وهذا
الكافر ربما يقول: هذه فرصة العمر، أُسَلِّم الرجلين وآخذ مئتي بعير، لكنه أمين، فدل هذا على اعتبار قول الكافر إذا كان أمينًا.
إذن (مسلمان) الصحيح أن نجعل بدل هذه الكلمة
(أمينًا).
الثالث:
(عدلان) أيضًا هذا الصحيح أنه ليس بشرط، ما دام مؤتمنًا، مسلم مؤتمن في
مهنته، فالصحيح أنه لا تُشترط العدالة؛ لأن كثيرًا من الناس قد يكون
فاسقًا وقد يكون كافرًا لكنه في مهنته لا يخون؛ إما لمروءته، أو من أجل الشرف، أو
من أجل الدعاية لنفسه؛ لأنه لو خان وعرف الناس أنه خائن تركوه.
ولو أننا
اشترطنا العدالة في أخبار الأطباء ما عملنا بقول طبيب واحد إلا أن يشاء الله؛ لأن
أكثر الأطباء لا يتصفون بالعدالة، أكثرهم لا يصلي مع الجماعة، أكثرهم يحلق لحيته،
أكثرهم يُدخِّن، فلو أنَّا اشترطنا العدالة لأهدرنا قول كثير من الأطباء أو أكثر
الأطباء.
بقي علينا العدد، المؤلف اشترط
العدد أن يكونا اثنين فأكثر، ولكن الصحيح أن الواحد يكفي؛ وذلك لأن هذا
من باب الخبر المحض، ومن باب التكسُّب بالصنعة، فخبر الواحد كافٍ في ذلك، ولهذا
لسنا نقول مثلًا لمن أراد أن يخبرنا عن صنعة من الصنائع: هات واحدًا يشهد، بل نأخذ
بقوله ولو كان واحدًا. إذن المدار في هذه المسألة على الأمانة، متى وجدنا طبيبًا
أمينًا وقال لنا: إن هذا المرض مخوف اعتبرنا هذا المرض مخوفًا.
لو تعارض مسلم
وكافر فقال المسلم: غير مخوف، وقال الكافر: بل مخوف، من نُقدِّم؟
طالب: المسلم.
الشيخ: لا، نُقدِّم
من هو أخبر وأعلم، فإذا علمنا أن الكافر أرقى علمًا من المسلم مع أمانته أخذنا
بقوله، كثير من أطباء المسلمين الآن يتعلمون على أطباء كفار، أما لو تساووا فمن
المعلوم أن نأخذ بقول المسلم.
قال: (وما قال طبيبان مسلمان عدلان: إنه مخوف،
ومن وقع الطاعون ببلده فإنه يعتبر بمنزلة المريض مرضًا مخوفًا).
هو نفسه
ليس بمريض لكنه يتوقع الموت بين لحظة وأخرى، فهل نقول: إن هذا بمنزلة المريض مرضًا
مخوفًا؟ الجواب: نعم؛ لأنه لا فرق بينه وبين من أصابه المرض في اليأس من الحياة
فيكون هذا بمنزلة المريض مرضًا مخوفًا، والطاعون وباء فتَّاك يُعدي، وينتشر بسرعة،
ولكنه هل هو نوع واحد أو هو جنس تحته أنواع؟
فقال بعض العلماء: إنه نوع واحد،
وهي أورام خبيثة تخرج في البدن فتقضي عليه، لكنها غير أمراض السرطان؛ لأن السرطان
ليس يُعدي، لكن أمراض أخرى، مثل الجذام وشبهه، هذا هو الطاعون.
وبعضهم قال:
المراد بالطاعون كل مرض مُعدٍ فتاك، ولكن الظاهر من السنة خلاف ذلك؛ لأن الرسول صلى
الله عليه وسلم عد الشهداء فقال: «الْمَطْعُونُ
وَالْمَبْطُونُ» .
وهذا يدل على أن من أُصيب بداء البطن غير من أُصيب بالطاعون، والمبطون هو الذي
انطلق بطنه وأصابه القيام الدائم، أو أُصيب بألم في البطن وهو مثل ما يسمونه
الزائدة، الزائدة هي إذا أصابت الإنسان وانفجرت مات ما فيها سلامة، لكن نجد ألَمًا
شديدًا في البطن، فإذا يسر الله له أن تُستأصل سلم.
إذن من وقع الطاعون ببلده
نقول: هو مريض مرضًا مخوفًا ولَّا في حكم المريض؟ في حكم المريض؛ لأنه لم يمرض.
قال: (ومن أخذها الطَّلْق) المرأة إذا أخذها الطلق، وهو الوجع الذي يسبق
الولادة، وهو نتيجة لانقلاب الجنين لينزل؛ لأن الجنين في الرحم رأسه إلى فوق ووجهه
إلى ظهر أمه، وظهره إلى بطن أمه، فيده اليمنى في الجانب الأيسر من الأم، ويده
اليسرى في الجانب الأيمن من الأم، شوف الحكمة الإلهية، جعل الله وجهه إلى ظهْر أمه
من أجل أن يقيه الصدمات، وظهره إلى بطن الأم؛ لأن الظهر يتحمل، فلو كان وجه الجنين
في البطن إلى بطن الأم لكان كل صدمة تيجي للبطن تصيبه، ولكن جعل الله وجهه إلى ظهر
الأم ليكون الظهر وقاية عند خروجه ينقلب، ينقلب هكذا من أجل أن يكون رأسه هو الأسفل
حتى يخرج رأسه الأول، الرأس يخرج أولًا؛ لأنه لو خرجت الرجلان أولًا لشق على الأم
مشقة شديدة فإنه إذا انسلخ ربما تقف اليد هكذا وتحول بينه وبين الخروج، ويحصل في
ذلك إما تمزق الصبي أو تألم الأم بكثرة، لكن إذا خرج الرأس سهل بقية البدن، ولذلك
يقولون: متى دخل الرأس دخل بقية البدن، أما إذا عجزت أن يدخل الرأس لا تحاول أن
يدخل البدن.
قال أهل العلم: وينبغي أن يُدخل في القبر كما خرج من بطن أمه. بمعنى
أننا ننزله من عند الرأس، نجيب الرأس من عند رجلي القبر وندخله كذا سَلًّا ليكون
هذا الرأس الذي شهد الدنيا أولًا هو الذي يذهب عن الدنيا أولًا فيدخل إلى
القبر.
وبعض العلماء قال: لا، يؤتى بالميت من جهة القبلة، ويُنزَّل جميعًا دفعة
واحدة كما يفعله الناس اليوم. على كل حال أن من أخذها الطلق فهي مريضة مرضًا
مخوفًا.
فإن قال قائل: كيف يكون هذا مرضًا مخوفًا مع أن السلامة أكثر؟ أليس
كذلك؟ السلامة أكثر؟
طالب: نعم.
الشيخ: السلامة أكثر، ما أكثر النساء التي تلد ولا تموت، يمكن
يموت واحدة في المئة، أو واحدة في الألف، فيُقال: لكن لو ماتت من الطلق لم تعد ميتة
بغير سبب يقتضي الموت، فلذلك جعلوا هذا من باب المرض المخوف، إلى متى يكون مرضًا
مخوفًا؟ حتى تنجو، ما هو حتى تضع حتى تنجو؛ لأنها ربما تضع ولا تنجو، أحيانًا تضع
المرأة ولا تنجو، وتسمى عند النساء الخلاص.
يعني ما يطمئنون إليها إلا إذا
خلصت، إذا خلصت وخرجت المشيمة وكل شيء الآن يطمئنوا إليها؛ ولهذا قال العلماء: من
أخذها الطَّلْق حتى تنجو ولم يقولوا: حتى تضع.
طالب:
شيخ، المرأة في قول المؤلف ما يؤخذ بقولها؟
الشيخ: إي
نعم، ما يؤخذ بقولها.
الطالب: ما العِلَّة؟
الشيخ: العلة؛ لأنه لا بد من الذكورة.
الطالب: الصحيح؟
الشيخ: الصحيح أنه
مثلما قلت لك أن نرجع إلى الأمانة.
***
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
لماذا فرق المؤلف بين السل والفالج؟
طالب: الفالج يكون ظاهرًا.
الشيخ: لا.
طالب آخر: أن أول السل (...)، وأما آخر السل فهو مخوف، وأما أول الفالج فهو مخوف؛ لأنه يُخشى منه، ويتعذر وضع الفالج، وأما آخره فهو ثابت.
الشيخ: يكون ثابتًا، تمام؛ لأن الخطر في السل آخره، والخطر في الفالج في أوله؛ فلهذا صار أول الفالج مخوفًا وآخر السل مخوفًا.
(ما قال الطبيبان المسلمان العدلان: إنه مخوف) اشترط المؤلف هنا ثلاثة شروط؟
طالب: أولًا: يكونا اثنين، ثانيًا: يكونا عدلين، ثالثًا: أن يكونا مسلمين. ورابعًا: أن يكونا عدلين.
الشيخ: كيف؟
الطالب: مسلمان وعدلان، العدد اثنان، وطبيبان.
الشيخ: وطبيبان، يعني عنده ما عند الطب. هذه الشروط الأربعة، ذكرنا أن في بعضها شيئًا من النظر.
طالب: قلنا: يشترط الأصل أن يشترط الأمانة في الطبيب، أما اشتراط المسلم، واشتراط العدالة فليس بواجب، أو فليس بشرط.
الشيخ: والتعدد؟
الطالب: التعدد كذلك.
الشيخ: ويش معنى كذلك؟ شرط ولَّا غير شرط؟
الطالب: شرط.
الشيخ: إذن قلنا: الصحيح أنه اشترط أن يكون طبيبًا مأمونًا.
طالب: الطاعون مرض يبتلي الله سبحانه وتعالى به، إذا وقع فإنه ينتقل بسرعة إلى الآخرين، وهو مرض مخوف.
الشيخ: أحسنت حتى وإن لم يصب به؟
الطالب: حتى وإن لم يصب به؛ لأنه يحتمل أن ينتقل إليه.
الشيخ: يترقَّبه هو.
الطاعون له حكم شرعي؟
طالب: إذا وقع في بلد لا يجوز للإنسان يخرج منها.
الشيخ: فرارًا منه، ولا يجوز أن يقدم؟
الطالب: أن يقدم على بلده.
الشيخ: على بلده، صح.
قال: (ومن أخذها الطَّلْق) أيش معنى الطلق؟
طالب: هو أول يعني الدم الذي يخرج قبل..
الشيخ: لا، هذا نِفاس.
الطالب: الطَّلْق هو الآلام التي تصيب المرأة عند الولادة.
الشيخ: أحسنت، عند الولادة، الطَّلْق هو الآلام التي تصيب المرأة عند ولادتها. حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا [الأحقاف: ١٥].
لماذا جُعِل من الأمراض المخوفة مع أن السلامة فيه كثيرة؟
طالب: لاحتمال أنها تموت.
الشيخ: حتى الصحيح يحتمل يموت.
الطالب: نعم، بعدين يُوجد حالات كثيرة تموت (...).
الشيخ: إي، لكن الأكثر؟
الطالب: الأكثر..
الشيخ: السلامة، كيف جعلناه مخوفًا؟
الطالب: في حكم المخوف.
الشيخ: لماذا جعلناها في حكم المخوف؟
طالب: لأنه يحتمل أن تموت في هذا.
الشيخ: يعني لأن المرأة لو ماتت ما قيل: إن هذا الشيء أمر نادر؛ يعني معناه يصح أن يكون سببًا للموت، كل شيء يصح أن يكون سببًا للموت فهو مخوف.
يقول المؤلف رحمه الله: (لا يلزم تبرعه للوارث بشيء).
قوله: (لا يلزم) هذا هو جواب الشرط في قوله: (وإن كان مخوفًا) لا يلزم تبرعه لوارث بشيء (تبرعه) يعني عطيته مجانًا.
(لوارث) يعم الوارث بالفرض، والوارث بالتعصيب، والوارث بالرحم.
(بشيء) يشمل القليل والكثير والأعيان والديون.
(ولا بما فوق الثلث) يعني لغير وارث إلا بإجازة الورثة لها، هذا الحكم.
تصرفه من مرضه المخوف إن كان تصرف معاوضة ليس فيه تبرع فهو جائز، يعني يجوز لمن مرضه مخوف أن يبيع ويشتري على العادة، أما إذا كان فيه تبرع؛ يعني بذل مالٍ مجانًا، فهذا يقول المؤلف: (إن كان لوارث فإنه لا يلزم) ولم يقل: لا يصح؛ لأنه لو أجاز الورثة لثبت، لكنه لا يلزم.
وقول المؤلف: (لوارث) قلنا: سواء كان وارثًا بفرض أو تعصيب، فلو أن رجلًا كان له زوجة، وكانت الزوجة تخدمه وتُحسن إليه كثيرًا وليس عندها مال، وكان له وارث بعيد من أبناء العم الذي هو معه دائمًا في خصومة ونكد، فقال: قد وهبت بيتي لزوجتي؛ لأنها تحسن إلَيَّ، وخاف إن مات أن يدخل معها في الإرث ذلك ابن العم الشرير الذي دائمًا معه في نزاع وخصومة، ثم مات هذا الرجل. فهل تثبت العطية للزوجة؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأنها وارثة، فمن مرضه مخوف لا يلزم أن يتبرع من ماله بشيء لأحد من الورثة، لكن يقول المؤلف: (إلا بإجازة الورثة). وعلى هذا، فإذا مات هذا الرجل قلنا لابن عمه: هل أجزت تبرع الرجل لزوجته بهذا البيت؟ ماذا سيقول؟
طالب: لا.
الشيخ: سيقول: لا، ليش؟ لأنه شرير وبينه وبينه عداوة، يقول: أبدًا، ما أسمح، إذن تبطل العطية، فإن باعه عليها بيعًا بثمن المثل يعني أخرجه للسوق، ونُودي عليه في السوق، وانتهى الثمن إلى الزوجة فاشترته بثمن بدراهم، فما حكم ذلك؟
طلبة: جائز.
الشيخ: هل يُستأذن ابن العم ولَّا ما يستأذن؟
طلبة: ما يستأذن.
الشيخ: لا يُستأذن؛ لأن هذا ليس بتبرع ولكنه عقد معاوضة، وصارت بثمن الْمِثل، قال: (ولا بما فوق الثلث) بما فوق الثلث لمن؟
طالب: لغير الوارث.
الشيخ: لغير الوارث، وللوارث من باب أولى؛ لأن التبرع للوارث ولو بالقليل لكن غير الوارث المرجع في ذلك إلى الثلث، فما زاد على الثلث فلا بد فيه من إجازة الورثة، وما لم يزد فهو حق للميت، مثاله: قال: إني أوصيت بثلثي لفلان فأعطوه إياه بعد موتي. ولكن هذه عطية، قال: إني قد وهبت ثلثي لفلان، ثلث مالي لفلان يصح أو لا يصح وهو غير وارث؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح، وهبتُ نصف بيتي لفلان، وليس عنده إلا البيت؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: ما يصح إلا الثلث فقط، وما زاد فالورثة بالخيار، والله أعلم.
***
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
حكم عطية المريض مرضًا، المرض المخوف، يقول المؤلف: (لا يلزم تبرعه لوارث بشيء) مطلقًا، لا قليلًا ولا كثيرًا، مثال ذلك: زيد مريض مرضًا مخوفًا وله أخوان فأعطى أحدهما مئة درهم، نقول: هذه العطية غير لازمة، لماذا؟ لأن المرض مخوف والْمُعْطَى وارث.
شخص آخر مريض مرض الموت المخوف، فأعطى أجنبيًّا منه، ولكنه صديق له أعطاه مئة درهم، فهل العطية صحيحة؟
فيه تفصيل؛ إن كانت من الثلث فأقل فالعطية صحيحة لازمة، وإن كانت أكثر من الثلث فما زاد عن الثلث فإنه لا يلزم إلا بإجازة الورثة؛ ولهذا يقول: (لا يلزم تبرعه لوارث بشيء)، وعُلِم من قوله: (لا يلزم تبرعه) أنه لو تصرف مع الوارث ببيع أو إجارة بدون محاباة فإن البيع أو الإجارة لازم.
مثل: إنسان مريض مرضًا مخوفًا واشترى من أحد ورثته بيتًا بقيمته التي يُباع بها فالبيع صحيح ولا غير صحيح؟ صحيح لازم؛ لأنه لم يتبرع بشيء، فإن اشترى منه بيتًا يساوي ألفًا بألف وخمس مئة فإن الزائد على الألف لا يصح إلا بإجازة الورثة، وذلك لأن الزائد يُعتبر بمنزلة التبرع؛ إذ إن البيت لا يساوي أكثر من مئة.
يقول: (ولا بما فوق الثلث) لمن؟ للأجنبي؛ يعني غير الوارث. (إلا بإجازة الورثة لها) أي للعطية. (إن مات منه) فهذا الذي أعطى بعض ورثته شيئًا في المرض المخوف إن مات من هذا المرض قلنا للورثة: الأمر بأيديكم، إن شئتم نفذوا العطية، وإن شئتم امنعوها. هذا إن مات، أما إذا عُوفِي فإن التبرع صحيح، التبرع يكون صحيحًا، مثاله: امرأة أخذها الطَّلْق، والطَّلْق مرض مخوف، فتبرعت لزوجها بنصف مالها، ثم ماتت من الوضع، فما حكم التبرع؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح إلا بإجازة الورثة، وضعت المرأة وبرأت وعادت صحيحة، فما حكم تبرعها لزوجها بنصف مالها؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؛ لأن المرض الذي كان يمنعها من التبرع لزوجها قد زال وارتفع فصارت العطية صحيحة؛ ولهذا قال: (إن مات منها، وإن عُوفي فكصحيح) إن عوفي من أي شيء؟
طالب: من المرض.
الشيخ: من المرض. (إن عوفي فكصحيح).
ثم قال: (ومن امتد مرضه)، وهذا هو القسم الثالث من الأمراض؛ لأن القسم الأول ما هو؟ المرض غير المخوف، والثاني: المخوف، والثالث: الممتد.
قال: (ومن امتد مرضه بجذام أو سل أو فالج) وهذا على سبيل التمثيل، وإلا هناك أمراض ممتدة غير هذه الثلاثة مثل السرطان في الوقت الحاضر، يكون من الأمراض الممتدة، ربما يبقى في الإنسان سنتين أو ثلاثًا، وهو يمشي ويروح ويأتي.
يقول: (بجذام) الجذام جُروح تخرج في الإنسان تُشبه الطاعون، وأكثر ما تخرج في الأماكن الرقيقة من البدن، ويحصل بها آلام عظيمة، وتنتشر في البدن حتى يموت الإنسان.
السل معروف مرض يصيب الرئتين، ويبقى الإنسان معه طويلًا.
الفالج هو ما يسمى بالشلل، هذا أيضًا ربما يبقى سنوات، هذا النوع من الأمراض نقول: يقول المؤلف: (إذا كان لم يقطعه بفراش فمن كل ماله) ما معنى من كل ماله؟ يعني فتبرعه من كل ماله يعني حتى بما زاد على الثلث، وحتى للوارث فإنه لا يضر.
(والعكس بالعكس)، ما هو العكس؟ إذا قطعه بفراشه. (بالعكس) أي يكون تبرعه من الثلث فأقل لمن ليس بوارث.
رجل صاحب سل، لكنه يذهب مع الناس ويأتي ونومه عادي وأكله عادي، فأعطى زوجته نصف ماله، يجوز أو لا؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، لماذا؟ لأنه لم يقطعه بالفراش، فإن لزم الفراش، وتبرَّع لزوجته بشيء فإنه لا يصح تبرعه إلا بإجازة الورثة؛ لأنه إذا قطعه بالفراش صار مرضًا، وأما قبل أن يقطعه بالفراش فليس بمرض.
***
الشيخ: قبل أن نقرأ الفقه (...) ولكنه لم يمت به.
طالب: يعني أعطى نصف ماله.
الشيخ: نعم، في مرضه المخوف.
الطالب: إذا كان يعني للوارث؟
الشيخ: لا لغير وارث.
الطالب: لغير وارث ما يصح؛ لأنه الرسول يعني.. إلا الثلث.
الشيخ: أنا ما طلبت منك الآن الدليل، أنا طلبت منك الحكم فقط، رجل أعطى شخصًا نصف ماله وهو مريض مرضًا مخوفًا، ثم شُفِي.
الطالب: تصح.
الشيخ: تصح، لكن في المرض المخوف؟
الطالب: لا، ما يصح.
الشيخ: توافقون على هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، صح. أعطاها لوارث، أعطى النصف لوارث والمرض مخوف، ثم شفي؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما هم من الأبناء إخوة.
الطالب: أعطاهم.
الشيخ: إي نعم، أعطى واحدًا منهم.
الطالب: يصح، إذا ما مات يصح.
الشيخ: يصح، توافقون؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن المؤلف قال: (وإن عوفي فكصحيح)، ما تقول في رجل أصابه فالج فأعطى شخصًا نصف ماله؟
طالب: إن كان لم يقطعه بفراش فإنه كالصحيح، وأما إذا قطعه بفراش فإنه يعتبر مخوفًا..
الشيخ: ما فيه تفصيل آخر؟
طالب آخر: إذا أعطاه أولًا.
الشيخ: في أول الفالج.
الطالب: فلا يصح.
الشيخ: إن كان في أوله، فلا يصح إلا؟
الطالب: (...).
الشيخ: ويش الذي لا يصح كل النصف ولا أيش؟
الطالب: إعطاء النصف.
الشيخ: إعطاء النصف.
الطالب: لوارث؟
الشيخ: لا، لغير وارث.
الطالب: ما يصح ما زاد على الثلث إلا بإذن.
الشيخ: إلا بإجازة الورثة إذا مات. هذا إذا كان في أوله، إذا كان في غير أوله ننظر، إن حبسه بفراش فهو بمنزلة المخوف وإلا فلا.
قال المؤلف رحمه الله: (ويُعتبر الثلث عند موته) الثلث الذي ينفذ يُعتبر عند الموت، لا عند العطية؛ وذلك لأن الثلث قد يزيد وينقص، ربما يُعطي الإنسان العطية وماله كثير ثم يفتقر، وربما يعطي العطية وماله قليل، والعطية زائدة على الثلث، ثم يغنيه الله.
فهل المعتَبر وقت الإعطاء أو وقت الموت؟ قال المؤلف: إن المعتَبر وقت الموت؛ لأن وقت الموت هو الوقت الذي يتعلق فيه حق الورثة في مال هذا المعطِي، إذ قبل الموت ليس لهم حق في ماله فيُعتبر عند الموت.
مثال ذلك: رجل أعطى شخصًا مئتين، وكان ماله حينئذٍ أربع مئة، وعند الموت صار ماله ست مئة، فما حكم هذه العطية؟
رجل أعطى في مرض موته المخوف شخصًا مئتي درهم، وكان ماله حينئذٍ أربع مئة، ثم أغناه الله، وصار ماله عند الموت ست مئة، فهل العطية نافذة أو لا؟
طالب: نافذة.
الشيخ: لماذا؟ لأنها لم تزد على الثلث.
رجل آخر أعطى في مرض موته المخوف شخصًا مئتي درهم، وكان ماله حينذاك ست مئة درهم وعند الموت نقص فصار أربع مئة درهم، فهل تنفذ العطية كلها أم لا؟
طالب: ما تنفذ.
الشيخ: ما تنفذ، كلها ما تنفذ؟
طلبة: لا، ما زاد على الثلث.
الشيخ: نقول: ما زاد على الثلث فإنه يتوقف على إجازة الورثة، وهنا مئتان زادت على الثلث ؛ لأن ماله عند موته كان أربع مئة فنقول: إن أجاز الورثة هذه العطية نفذت، وإن لم يجيزوها وجب أن يضاف ما زاد على الثلث من هذه العطية إلى مال الورثة ليرثوه.
لم يذكر المؤلف متى تُعتَبر الإجازة، المؤلف ذكر أن الثلث يعتبر عند الموت، ولم يذكر متى تعتبر الإجازة، فهل تُعتبر الإجازة حين العطية أو بعد الموت؟
اختلف في هذا العلماء؛ فمنهم من قال: إن الإجازة تُعتبر حين العطية؛ لأنه هو الوقت الذي يثبت فيه الملك للمُعطَى، ومنهم من قال: لا تُعتَبر الإجازة إلا بعد الموت؛ وذلك لأن الورثة لم يملكوا المال حين العطية، وإنما يملكونه بعد الموت فتنفيذهم لما زاد على الثلث قبل الموت تنفيذ في غير محله؛ لأنهم لا يملكون من المال شيئًا، ولكن القول الراجح أنهم إذا رضوا بما زاد على الثلث قبل الموت فإن رضاهم معتبَر، ولا يحق لهم الرجوع بعد ذلك؛ لأن سبب الإرث قد وُجِدَ وهو المرض المخوف.
ويدل لهذا القول ما سبق في باب الشفعة، حيث أمر النبي عليه الصلاة والسلام من أراد أن يبيع أن يعرِض على شريكه، ليأخُذ أو يدع، فإن هذا يدل على أنه متى وُجِد السبب، وإن لم يُوجد الشرط فإن الحكم الْمُعلَّق في هذا السبب نافذ.
ويدل لذلك أيضًا أن الرجل لو حلف على يمين فأراد الحنث وأخرج كفارته قبل الحنث فإن ذلك جائز لوجود السبب.
إذن فالصواب في هذه المسألة أن الورثة إذا أجازوا العطية في مرض موت المخوف فإجازتهم صحيحة لازمة، وليس لهم الرجوع بعد الموت، وعلى الرأي الثاني الذين يقولون: إن المعتبر في الإجازة ما بعد الموت يقولون: إذا أجازوا قبل الموت، ثم رجعوا في الإجازة فلهم ذلك.
قال المؤلف: (وَيُسوَّى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، ويُبدأ بالأول فالأول في العطية، ولا يملك الرجوع فيها، ويعتبر القبول لها عند وجودها، ويثبت الملك إذن والوصية بخلاف ذلك).
هذه أربعة أمور تُفارق فيها الوصية العطية:
الأمر الأول: أنه يُسوى بين المتقدم والمتأخر في الوصية ويبدأ بالأول فالأول في العطية، وذلك فيما إذا تزاحمت الوصايا والعطايا، وضاق الثلث عنها، أما إذا لم تتزاحم، وكان الثلث متسعًا فإنه يُعطى الجميع سواء في الوصية أو في العطية لكن إذا تزاحمت الوصايا، وكان الثلث أقل منها، فهل يتساوى الجميع في النقص أو يُقدَّم الأول فيُعطَى كاملًا ويكون النقص على الأخير؟ نقول: هذا مما تختلف فيه الوصية والعطية، ففي العطية نبدأ بالأول فالأول، وفي الوصية يكون النقص على الجميع.
مثال ذلك: رجل أعطى شخصًا (رقم واحد) ألف درهم، (رقم اثنين) ألفي درهم، (رقم ثلاثة) ثلاثة آلاف درهم؛ الجميع ستة آلاف عطية، ما هي وصية، يعني وهبهم في مرض موته المخوف، وكان ماله ستة آلاف درهم، إذن العطية شملت كل المال، هذا لا يمكن؛ لأنه لا يملك ما زاد على الثلث، فكيف نوزع الآن؟
نقول: نبدأ بالأول فالأول، هو أوصى لرقم واحد بألف، لرقم اثنين بألفين، ولرقم ثلاثة بثلاثة، واللي عندنا الآن ستة آلاف، كل المال ستة آلاف، ما الذي يُنفذ من الوصية؟ ينفذ من الوصية ألفان فقط، نبدأ بالأول فالأول؛ الأول أوصى له بألف، ماذا نعمل؟ نعطيه الألف كاملة ويمشي، الثاني أوصى له بألفين، ما بقي معنا الآن إلا ألف، يأخذه الثاني، وأما الثالث فلا شيء له؛ لأنه يُبدأ بالأول فالأول في العطية.
لو أوصى لرقم واحد بألف، رقم اثنين بألفين، رقم ثلاثة بثلاثة آلاف، ثم مات، ولم نجد عنده من التركة إلا ستة آلاف فقط، فالآن مشكلة ما فيه إلا ستة آلاف، وقد أوصى بكم؟ بستة آلاف والورثة لم يُجيزوا ما زاد على الثلث.
إذن نرد الوصية إلى ألفين، ويدخل النقص على الجميع، ما نبدأ بالأول فالأول؛ يعني لو فُرض أنه أوصى لرقم واحد في عام ١٤٠٠، رقم اثنين في عام ١٤٠٥، رقم ثلاثة ١٤١٠، ما نبدأ بالأول فالأول في الوصية، نسوي بينهم؛ فالذي عندنا الآن ستة آلاف، هذه التركة، وثلثها كم؟ ألفان، والموصَى به ستة آلاف، انسب ألفين إلى ستة تكون الثلث، أعطِ كل واحد من هؤلاء الثلاثة ثلث ما أوصي له به، فالذي أُوصِي له بألف كم نعطيه؟ ثلاث مئة وثلاثة وثلاثين وثلثًا، واللي ألفين ست مئة وسبعة وستين وثلثين، كذا؟ والذي أوصي له بثلاثة آلاف؟ ألفًا كاملة؛ لأن هذا ثلث نصيب، ونحن قلنا: نعطي كل واحد ثلث ما أوصي له به.
إذن دخل النقص على الجميع، ولو قلنا: يُبدأ بالأول فالأول كالعطية لأعطينا من أُوصي له بألف رقم واحد ألفًا، وأعطينا رقم اثنين ألفًا، وقلنا للثالث: ليس لك شيء.
فإذا قال قائل: ما وجه الفرق؟ أو ما وجه التفريق بينهما؟
فالجواب: أن العطية يثبت الملك بها حين العطية في حين العطية، والوصية لا يثبت الملك بها إلا بالقبول بعد الموت؛ فلذلك صار الأول والأخير كلاهما سواء، لا يُقبل قبولهما إلا بعد الموت. هذا فرق.
الفرق الثاني قال: (ولا يملك الرجوع فيها) في أيش؟ في العطية إذا أقبضها؛ لأن العطية نوع من الهبة، فإذا أعطى شخصًا في مرض موته المخُوف، أعطاه سيارة، والسيارة هو غني، ما تأتي ولا نصف عشر ماله، أعطى هذا الرجل سيارة في مرض موته المخوف، ثم أراد أن يرجع، يملك هذا أو لا؟
طالب: لا يملك.
الشيخ: لا يملك ؛ لأن العائد في هبته كالكلب يقيء، ثم يعود في قيئه.
أوصى لشخص بسيارة، ثم بدا له أن يرجع، فهل له الرجوع أم لا؟
طالب: له الرجوع.
الشيخ: نعم، له الرجوع، له أن يرجع، ووجه التفريق ظاهر هنا؛ لأن الموصَى له لا يملك الموصى به إلا بالقبول بعد الموت، والْمُعطَى يملك المعطَى بالقبول في الحياة، ولا يملك الرجوع إذا قبض لا يملك الرجوع. إذن هذا فرق ثانٍ.
الفرق الثالث: (ويُعتبر القبول لها عند وجودها) (يعتبر القبول لها) أي للعطية، عند وجودها؛ لأنها هبة، ففيها إيجاب وقبول وقبض في آنٍ واحد مثل أن يقول المريض مرض الموت المخوف لشخص: أعطيتُك هذه السيارة إذا لم يقبل في المجلس لم تصح العطية فلا بد أن يكون القبول عند وجودها.
الوصية لا يصح القبول لها إلا بعد الموت، فلو قال الرجل: أوصيتُ لك يا فلان بهذه السيارة هل قبلت؟ ثم مات الموصي فهل يُعتبر قبول الأول أو لا يعتبر؟ لا يعتبر؛ لأن الوصية لا يعتبر قبولها إلا إذا وقعت بعد موت الموصي.
الفرق الرابع: قال: (ويثبت الملك إذن) (يثبت الملك) أي ملك العطية (إذن) أي عند قبولها، وقبولها لا بد أن يكون عند وجودها، من حين ما يقول: أعطيتك أو قبلت.
فيثبت قبض الملك في العطية من حين العطية؛ لأنه إعطاء، ثم قبول في الحال، ثم ملك.
الوصية لا يثبت الملك فيها إلا بعد الموت؛ لأن الملك لا يثبت إلا بالقبول ولا قبول للوصية إلا بعد الموت.
هذه أربعة فروق، هناك أيضًا فروق أخرى، منها: تحريم العطية على من عليه دَيْن يستغرق، وجواز الوصية على من عليه دَيْن يستغرق، لماذا؟ لأن العطية ممن عليه دين يستغرق تبرع يتضمن إسقاط واجب، والتبرع الذي يتضمن إسقاط واجب غير صحيح، أما الوصية فهي تبرع لا يتضمن إسقاط واجب. كيف؟ لأن الوصية لا تنفذ إلا بعد الدَّيْن، أليس كذلك؟ لقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء: ١٢] وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدَّين قبل الوصية.
انتبه يا أخ هذا فرق خامس، ما هو الفرق الخامس؟ العطية لا تجوز ممن عليه دين يستغرق، بخلاف الوصية، ووجه التفريق أنها في التبرع إسقاط واجب في مقابلة مستَحَب، والوصية لا تعتبر من إسقاط؛ لأنه سيقضى بالدَّيْن قبل تنفيذ الوصية.
الفرق السادس: أن الوصية تصح من السفيه، كالصغير أو الكبير الذي لا يُحسِن التصرف في المال، تصح الوصية منه، بخلاف العطية فالعطية لا تصح من السفيه لصغر أو غير ذلك والوصية تصح، مثاله:
رجل أخرق لا يحسن التصرف أعطى شخصًا في مرض موته، (...) المعطي أعطاه عطية، فقبِلها، فهذه العطية لا تصح، لماذا؟ لأنه تبرع من سفيه، والتبرع من السفيه لا يصح.
هذا السفيه أوصى بوصية بعد موته فالوصية صحيحة.
وجه التفريق بينهما أنه إنما مُنِع من التبرع في حال السفه حفاظًا على ماله الذي قد يحتاجه في حياته، وأما بعد موته فقد زالت العلة، لا ليس محتاجًا للمال؛ فلهذا صحت الوصية من السفيه ولم تصح العطية من السفيه.
فهذه ستة فروق بين العطية والوصية.
قال المؤلف: (ويثبت الملك إذن) متى؟
طالب: عند قبولها.
الشيخ: عند قبولها في الحال، العطية يثبت الملك عند قبولها في الحال، ويتفرع على قول من الملك يثبت أنه لو زادت زيادة منفصلة أو متصلة فهي للمعْطَى بخلاف الوصية، فلو أوصى بشاة لزيد ونمت الشاة بين موته ووصيته؛ جاءت بأولاد، قيمة لبن، قيمة صوف، وما أشبه ذلك، ثم قبلها الموصى له بعد موت الموصِي فلمن يكون النماء؟ النماء للورثة؛ لأن الملك في الوصية لا يثبت إلا بعد الموت، أما في العطية فالنماء لمن؟ النماء للمُعطَى إذا كان منفصلًا حتى لو زاد على الثلث، لو فرض هذه الشاة كانت حين العطية ثلثًا، وكانت أيضًا عند الموت ثلثًا لكنها نمت فيما بين العطية والموت فالنماء لا يُحسب من الثلث، النماء يكون للمُعْطَى، وهذا هو الفائدة من قوله: (ويثبت الملك إذن).





