كتاب الوقف والوصايا (الشرح الثاني) - 5
عدد الزيارات 1225

عناصر المادة :
فصل في تصرفات المريض

الإنسان إذا وهب شيئًا ألا تتعلق به نفسُه؛ يعني بعض الناس يهب الشيء إما لطلب فرح لصاحبه، أو لعاطفة صارت جياشة في تلك الساعة ووهب له شيئًا، ثم ندم، وقال: ليتني ما وهبته، هذا لا ينبغي؛ لأن شيئًا وهبتَه اجعله عن طِيب نفس، ولا تُعلِّق نفسك به، خرج عنك قدَرًا وشرعًا، كيف تعلق نفسك؟! مع أنه لا يمكن أن تعود فلا يجوز له أن يعود في هبته.
فإن قال قائل: هل يجوز أن يشتري هبته من الموهوب له؟
فالجواب: لا يجوز؛ لأن الغالب أنك إذا اشتريت الهبة فسوف يُنزِّل لك، هذا الغالب، هو يستحيي أن يماكسك، لو وهبت له ما يساوي مئة، ثم أردت أن تشتريه منه فإنه سوف يقول: يعني لو قلت بثمانين، قال: توكَّل على الله، خذ، يخجل أن يقول: لا، إلا بمئة، وحينئذٍ تكون قد رجعتَ في بعض الهبة لكن بطريق غير مباشر.
ولهذا لما حمل أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه على فرس له في سبيل الله، فأضاعه الذي حمله عليه، وظن عمر أنه يبيعه برخص استأذن من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يشتريه فقال له: «لَا تَشْتَرِهِ، وَلَوْ بَاعَكَهُ بِدِرْهَمٍ؛ الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» .
أما إذا كانت صدقة فالأمر أشنع وأشنع؛ لأنه يكون رجع في هبته، قصدي إذا اشترى صدقته فإنه أشنع؛ لأنه يتضمن شيئين: الرجوع في الهبة، والرجوع فيما أخرجه لله، وما أخرجه لله لا يجوز فيه الرجوع، حتى البلد إذا هاجر الإنسان منها لله لا يجوز أن يرجع ويسكن فيها؛ لأنه تركها لله، وما تُرِك لله فإنه لا يُرجع فيه.
قال: (إلا الأب). الدليل على أن الأب يجوز حديث ورد في هذا: «لَا يَجُوزُ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَهُ إِلَّا الْأَبَ؛ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِيمَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ» . لكن هذا الحديث أعلَّه بعضهم وضعَّفه، وقال: إن عموم: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ» ، مُقدَّم على هذا الحديث الضعيف، وأن الأب ليس له أن يرجع فيما وهبه لابنه؛ لعموم الحديث: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ».
لكننا نقول في الجواب عن هذا: إن الاستثناء وإن كان ضعيفًا فله ما يعضده، وهو أن للأب أن يتملك من مال ولده ما شاء، فإذا كان له أن يتملك ما شاء فرجوعه فيما وهبه لابنه من باب أولى، لا شك.
قال: (إلا الأب)، وقوله: (إلا الأب) يخرج به الجد، فليس له أن يرجع فيما وهب لابن ابنه، أو لابن بنته، ويخرج من ذلك الأم، فليس لها أن ترجع فيما وهبت لابنها.
فإذا قال قائل: ما الدليل؟
قلنا: العموم: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ». وصيغة العموم لا يُخرج منها إلا ما دل عليه الشرع، وإلا فهي عامة لجميع الأفراد.
وهنا لا يصح القياس؛ لأن القياس مخالف للعموم، فالأصل أن الأم إذا وهبت أبناءها أو بناتها لا يحل لها أن ترجع، والجد أبو الأب، أو أبو الأم لا يرجع.
وقوله: (إلا الأب) هل يحتاج أن نقول: إلا الأب الحر؟ أو نقول: إنه لا يمكن أن يهب إلا إذا كان حُرًّا؟ نعم، نقول هكذا، لا يحتاج أن نقيد الأب بالحر؛ لأنه لا يهب إلا وهو حر.
وظاهر كلام المؤلف أن الأب يرجع ولو كان كافرًا فيما وَهَبَه لابنه المسلم؛ للعموم، فلو أن رجلًا غنيًّا كافرًا وَهَبَ لابنه المسلم شيئًا فله أن يرجع؛ لأن الحديث عام.
قال: (وله)، الضمير يعود على الأب، ولكن الضمير هنا لا بد فيه من شرط، وهو أن يكون الأب حُرًّا، فنقول: (له) يعود على الأب لكن بقيد أن يكون حُرًّا؛ لأن غير الحر لا يملك فكيف يتملك؟ ولأن غير الحر لو تملك من مال ابنه إلى أين يرجع ما تملكهم؟ لسيده، فهنا نقول: مرجع الضمير الذي هو الأب لا بد فيه من شرط وهو أن يكون حُرًّا.
وهل يُشترط أن يكون موافقًا لابنه في الدين؟ إن نظرنا إلى إطلاق الحديث قلنا: لا يُشترط؛ وعلى هذا فيجوز للأب الكافر أن يأخذ من مال ولده المسلم، وللأب المسلم أن يأخذ من مال ولده الكافر، هذا ظاهر الحديث.
وقيل: إنه لا يُمكَّن الأب الكافر من الأخذ من مال ولده المسلم؛ لأنه لا صلة بينهما ولا توارث؛ ولأن الله يقول: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء: ١٤١]، ولأننا لو مكَّنَّا الأب الكافر من الأخذ من مال ولده المسلم لكان في ذلك إذلال للمسلم، وربما يقصد الأب الكافر أن يذل ابنه بالأخذ من ماله، ولا شك أن الأب الكافر ليس له الحق؛ يعني عندي لا شك أنه ليس للأب الكافر أن يأخذ من مال ولده المسلم.
أما أخذ الأب المسلم من مال ولده الكافر فهنا قد نقول بعموم الحديث؛ أن له أن يأخذ؛ لأن أصل بقاء الكافر على الكفر ممنوع؛ فهو على دين غير مرضيٍّ عند الله، وتسليط المسلم على ماله له وجهة نظر لا سيما إن كان الابن من المحاربين؛ فإنه إذا كان من المحاربين لا شك في أن ماله حلال.
إذن (لَهُ) أي للأب، ونضيف وصفًا الحر، وصفًا آخر الموافق في الدين، على رأي كثير من العلماء، أو على الأصح ألا يكون كافرًا يأخذ من مال مسلم
.
(أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضره)، (يأخذ ويتملك)، هل هناك فرق؟ نعم، (يأخذ) على سبيل الاستعمال، (يتملك) على سبيل الضم إلى ملكه، فله أن يأخذ سيارة الابن يسافر بها إلى مكة، إلى الرياض، إلى المدينة، إلى أي بلد، وإن لم يتملكها، وله أن يتملك، وإن لم يأخذ، فيأتي إلى كاتب العدل مثلًا ويقول: إني تملكت سيارة ابني فلان، ويكتب كاتب العدل إذا قام الابن، وقال: أبدًا، ولا تملكها، ماذا نقول؟ نقول: يملكها لكن بشروط ستُذكر.
(من مال ولده) الذكور أو الإناث؟ الذكور والإناث؛ لأن الولد إذا أُطلق يشمل الذكور والإناث، لكن بشروط أولًا قال: (ما لا يضره). فإن كان يضر الولد فإنه ليس له أن يأخذ مثل أن يأخذ منه غداءه وهو محتاج إليه، مضطر إليه، فهنا ليس له ذلك، أو يأخذ منه لحافه وهو مضطر إليه لدفع البرد؛ فإنه لا يُمكَّنُ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ» . ولا يمكن أن نسلط الأب على مال الولد مع أنه يضره.
ولا يحتاجه، الحاجة أبطل من الضرورة؛ فإنه ليس له أن يأخذ ما تتعلق به حاجة الابن، مثال ذلك: الابن عنده فُرش في البيت، يحتاجها ولكن ليست ضرورة، لكن يحتاجها إذا جاءه ضيوف، عنده زيادة على قوت يومه وليلته، لكن يحتاجها، فهل للأب أن يتملك هذا؟ لا؛ لأن هذا تتعلق به حاجة الابن، ومن ذلك سُرِّيَّة الابن إذا كان يحتاجها، ولو كان عنده إماء كثير؛ لأنها تتعلق بها نفسه، هذا شرط. إذن يُشترط ألا يضر الابن، والثاني: ألا يحتاجه.
(فإن تصرف في ماله ببيع أو عتق أو إبراء)؛ لم يصح، إن تصرف الأب بماله، أي بمال ابنه، فالضمير تصرف اللي هو الفاعل يعود إلى الأب، وضمير المجرور بماله في قوله: (بماله) يعود إلى الابن، إن تصرف في ماله.
(ولو فيما وَهَبَه له) هذه إشارة خلاف؛ يعني تصرف الأب في مال ابنه ولو فيما وهبه له؛ فإنه لا يصح التصرف، وإنما نص على ما وهبه له؛ لا يقول قائل: إن تصرف الأب فيما وهبه لابنه دليل على الرجوع، فيقال: لا، الرجوع لا بد فيه من قول، وهذا الرجل تصرف بلا قول، مثاله: وهب ابنه سيارة، ثم إنه باع السيارة بعد أن وهبها لابنه وقبضها، باع السيارة الأب؛ فإنه لا يملك ذلك، لماذا؟ لأن السيارة لم تزل على ملك الابن، هو لم يتملكها الآن، لم يرجع في هبته.
طيب أجَّرَها، يصح التأجير؟ لا؛ لأنه لم يتملك.
إذن كيف يستطيع أن يبيعها أو يؤجرها؟ يرجع في الهبة، يقول: إني رجعت فيما وهبته لابني. حينئذٍ ترجع إلى ملك الأب، ويتصرف فيها.
وقول: (فيما وهبه له) هذه إشارة خلاف؛ وهو أن بعض العلماء رحمهم الله يقول: إذا تصرف فيما وهبه لابنه فإن تصرفه يدل على الرجوع، قاسوا ذلك على رجل وكَّلَك في بيع شيء، ثم باعه هو، يصح أو لا يصح؟ أجيبوا يا جماعة.
طلبة: يصح.
الشيخ: وكَّلت إنسانًا يبيع سيارتي، ثم بعتها أنا قبل أن أعزله، يصح أو لا؟ يصح، ويكون بيعي إياها رجوعًا، فيقال: الفرق واضح؛ لأن الْمُوكِّل إذا تصرف فيما وَكَّل فيه فقد تصرف في ملكه، لكن الأب إذا تصرف فيما وَهَبَه لابنه دون أن يرجع فقد تصرف في ملك غيره.
قوله: (فيما وهبه له ببيع أو عتق أو إبراء)، البيع معروف، كان لولده سيارة فباعها بدون توكيل الابن؛ فالبيع باطل. (أو عتق) في أيش؟
طلبة: عبد.
الشيخ: في عبد، الابن له عبد، فقال الأب للعبد: أنت عتيق لوجه الله؛ لا يصح العتق، ليش؟ الأخ أنت.
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما فيه هبة، هذا عبد من الأصل.
الطالب: ملك للابن.
الشيخ: ملك للابن، وهو لم يتملكه، صح.
(أو إبراء)، الإبراء يعني الدين؛ لابنه دَيْن على شخص فقال الأب للمدِين: إني أبرأتك من دَيْن ابني عليك فإنه لا يبرأ؛ لأن الدَّيْن لم يملكه الابن فضلًا عن الأب، الدين في ذمة المدين، فإذا قال الأب للمدِين الذي هو غرِيم لابنه: أنت في حِلٍّ من الدَّين فإنه لا يبرأ بذلك، وهذا واضح، هذا أشد من العين التي باعها الأب أو عتقها.
(أو أراد أخذه قبل رجوعه) (أراد أخذه) أي أخذ ما وهبه، والضمير هنا فيه ركاكة؛ لأن لو قرأت المتن (أو أراد أخذه) أي أخذ ماله قبل رجوعه، ولكن المراد أخذه؛ أي أخذ ما وهبه قبل رجوعه، كيف أخذ ما وهبه قبل رجوعه؟ يعني وهب ابنه شيئًا، ثم أراد أن يأخذه، يضمه إلى ملكه قبل أن يرجع فإنه لا يصح، لماذا؟
طلبة: (...).
الشيخ: لأنه لم يُصرِّح بالرجوع، الرجوع لا بد فيه من اللفظ؛ بأن يقول: رجعت فيما وهبت لك يا بني، أما يأخذه بدون أن يصرح بالرجوع؛ فلا يصح.

طالب: عفا الله عنك يا شيخ، فيه عندي إشكال في أخذ الأب الكافر من المسلم، (...)، وأخذ الأب المسلم من الكافر؛ لأن الآية تنص على عدم الاغتصاب (...)، والرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» . والآية: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء: ١٤١]. بعدين يا شيخ إن الكافر يأخذ من المسلم (...).
الشيخ: إي، الإشكال اللي عندك هو إشكال عندنا، نحن قلنا: الصحيح أن الكافر لا يأخذ من مال ولده المسلم.
طالب: (...).
الشيخ: يعني أنت تختار الأمرين جميعًا.
الطالب: نعم، يا شيخ.
الشيخ: رأي لا بأس به، طيب.
طالب: يا شيخ (...).
الشيخ: لا، أنا أرى أخذ المسلم من ابنه الكافر أنه لا بأس به، أولًا: العموم، والثاني: أن تسلط المسلم على الكافر ليس أمرًا مستغربًا، إذا كان المسلم يتسلط على مال المسلم، كيف لا يتسلط على مال الكافر؟ فكِّر في الموضوع.
الطالب: أنا اللي أشكل عليَّ.
الشيخ: أنا فاهم أنه أشكل عليك أنه لا موالاة بينهما، ولا توارث بينهما، لكن هذا في حال الحياة، وربما يكون فيه مصلحة أن المسلم إذا أخذ من مال ابنه الكافر ربما يكون لابنه مصلحة للابن، فيقول مثلًا: هذا المسلم له سلطة عليَّ؛ لأنه مسلم فالإسلام عزيز، والإسلام عالٍ فيُسْلِم.

طالب: شيخ، بارك الله فيك، المال الذي يجوز للأب أن يرجع فيه إن وهبه ابنه، هل لا بد أن يكون من الموجود أو حتى ما أنفقه الابن يكون يعني؟
الشيخ: لا، إذا أنفقه الابن أو باعه أو أعتقه إن كان عبدًا سقط حق الأب.

طالب: شيخ، عافاك الله، شخص وهب لأخ هبة.
الشيخ: لأخيه ولَّا لأبيه؟
الطالب: شخص آخر، فالموهوب له رد الهبة على صاحبها، ولم يأخذها، فما الحكم (...)؟

الشيخ: يعني يسأل عن حكم قبول الهدية، كذا؟ الأفضل أن يأخذها إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية، وقال: «لَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ» . بل قال بعض أهل العلم: يجب قبول الهدية إلا إذا خاف من غائلتها؛ يعني خاف أن هذا الرجل يَمُنُّ عليه، أو خاف مثلًا إن أهدى عليه ينتظر أنه يرد عليه أكثر، أما إذا لم يخف شيئًا فيجب، واستدل هؤلاء بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعمر رضي الله عنه: «مَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ» . وقالوا: إن المراد بالمال الجنس لا مال الزكاة.


طالب: بارك الله فيك، قلنا: يجوز للأب أن يأخذ من مال الولد بشرطين؛ ألا يضره ولا يخذله، لكن يا شيخ، عموم (...)، وكذلك أيضًا: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» . كيف يا شيخ؟
الشيخ: الاستثناء، الرسول استثنى: «إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ» . وقال: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» .


طالب: هل للأب أن يأخذ، إذا كانوا إخوة، أحدهم يكون غنيًّا، والبقية بعضهم يكونوا فقراء، هل للأب أن يأخذ من الغني ويعطي إلى أبنائه الفقراء؟
الشيخ: إي، هذا سؤال مهم؛ يعني هل يجوز للأب أن يأخذ من واحد، من الأولاد ويعطيه الثاني؟ نعم، إذا كان الآخرون فقراء والأب لا يستطيع أن ينفق عليهم فله ذلك، أما إذا كانوا أغنياء، أو هو يقدر أن ينفق عليهم فلا يجوز؛ لأن هذا لا شك أنه يحدث الضغائن بين الأولاد، يقول: كيف تأخذ من مالي وتعطيه أخويَّ؟!

طالب: شيخ، بارك الله فيكم، سبق في كتاب البيع أن القصد في البيع مُعتَبر، كمن باع عنبًا لمن يتخذه خمرًا، فهل القصد كذلك معتبر في الهبة وفي الرجوع فيها؟
الشيخ: مثل أيش؟
الطالب: مثل أن يهديه عنبًا يفعل له الخمر أو يرجع، كأن يهديه مثلًا شيئًا مآله إلى محرم؟
الشيخ: إي، معروف، كل شيء مآله إلى المحرم هو حرام، العبرة بالغايات.
الطالب: الحكم في هذا؟
الشيخ: حرام، ولا تصح الهبة.

طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، الكلب من أنجس الحيوانات.
الشيخ: نعم.
الطالب: يُقاس عليه يا شيخ الخنزير؟

الشيخ: لا، قياس الخنزير عليه غير صحيح، وإلا بعض العلماء قال: إن طهارة الكلب سبع غسلات إحداهن بالتراب، والخنزير أخبث منه فتكون طهارة نجاسته بسبع غسلات إحداهن بالتراب، لكن لا قياس مع النص، الخنزير موجود في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ومنصوص عليه في القرآن، وذكر الله أنه رجس، ولم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام: إذا ولغ الكلب أو الخنزير، فالصواب أن الكلب أنجس وأخبث.

طالب: شيخ، بارك الله فيك، إذا أهدى الهدية لحاجة الآخر، ثم لما انتهى منها ردها.
الشيخ: كيف؟
الطالب: أعطاه كتابًا مثلًا ليقرأه، ثم لما انتهى من قراءته قال: خلاص، ما أبغاه.
الشيخ: وهي هدية؟
الطالب: إي نعم.

الشيخ: إي، ما يرجع؛ لأنه أخذها على أنها مُلكه.
الطالب: ثم رد هذا الكتاب بنفسه، قال: خذه، ما أبغاه.
الشيخ: يقول: لا، إذا شاء الواهب الأول يقول: لا.
الطالب: إذا شاء؟
الشيخ: إذا شاء.

الطالب: وإذا لم يَشأ؟
الشيخ: إذا لم يَشأ لا بأس، إلا ما كان صدقة؛ فالصدقة لا يجوز الرجوع فيها مطلقًا حتى ولو رضي المتَصدَّق عليه.

طالب: شيخ، قلنا: العلة في أن الواهب لا يشترط الموهوب؛ لأنه سوف ينقص الثمن، إذا كان الواهب وكل أحدًا، وأنه لا يعرف أنه هو الذي..، فهل يجوز هذا؟
الشيخ: سدًّا للباب يقال: لا يجوز، يعني لو أن الواهب وكَّلَ من يشتري سلعة له، والموهوب له ما علم، وباع على وكيله، فهذا سدًّا للذرائع نقول: لا يصح.


طالب: أيهما أولى أن يؤثر الولد يعني أولاده على أبيه أم يؤثر أباه على أولاده؟
الشيخ: إذا فيه ضرورة ولَّا؟
الطالب: كل منهما محتاج.
الشيخ: نعم، يبدأ بأبيه.


طالب: أحسن الله إليك، قلنا بأن الأم مثل الأب في وجوب أن تعدل بين الأولاد في العطاء.
الشيخ: نعم.
الطالب: شيخ، لماذا لم نُسوِّ بينهم كذلك في الرجوع؟

الشيخ: أيش؟
الطالب: الرجوع (...) ما ترجع؟
الشيخ: لا، ما ترجع.
الطالب: الفرق يا شيخ؟
الشيخ: الفرق النص: «اتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» . هذا عام، فهذه لها أولاد، والأب له أولاد، وأما الرجوع فالأصل منعه، استُثني الأب لدلالة النص عليه.

الطالب: وإن قلنا بأن العلة البر وكذا؟
الشيخ: لا، ما يصح، ما يستقيم، والغالب أن الأب يحتاج إلى النفقة؛ لأنه هو المطالَب بها كما قال الله عز وجل: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء: ٣٤].

طالب: (...).
الشيخ: إي نعم.
طالب: (...).
الشيخ: لا، كل شيء أخرجه الإنسان لله لا يرجع فيها حتى ولو على أبنائه.

طالب: أحسن الله إليك، هل لهذا أن يأخذ مال ولده؟ وهل يدخل ولد الولد في الولد؟
الشيخ: لا، ذكرنا هذا، يخرج به الجد والأم،
اقرأ.

***

طالب: (...) على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل: في تصرفات المريض، من مرضه غير مَخُوف كوجع ضرس وعين وصداع يسير فتصرفه لازم كالصحيح ولو مات منه، وإن كان مخوفًا كبرسام، وذات الجنب، ووجع قلب، ودوام قيام، ورعاف، وأول فالج، وآخر سل، والحمى المطبقة، والرِّبع، وما قال طبيبان مسلمان عدلان: إنه مخوف، ومن وقع الطاعون ببلده، ومن أخذها الطَّلْق، لا يلزم تبرعه لوارث بشيء، ولا بما فوق الثلث إلا بإجازة الورثة لها إن مات منه، وإن عُوفي فكصحيح.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
هل للأب أن يتملك من مال ولده؟
طالب: نعم، له ذلك.
الشيخ: بشروط ولَّا بغير شروط؟
الطالب: بشروط.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: ما لم يكن ما يتملكه يضره أو يحتاجه الابن.
الشيخ: يعني يُشترط ألا يضر الابن، أو يحتاجه الابن، هذا واحد. أن يكون الأب حُرًّا. ثالثًا؟
طالب: أن يكون موافقًا في الدين.
الشيخ: أن يكون موافقًا له في الدين؛ يعني معناه أنه لا يجوز للمسلم أن يتملك من ماله ابنه الكافر؟
الطالب: لا.
الشيخ: إذن ألا يكون أعلى منه في الدِّين، فيجوز للأب المسلم أن يتملك من مال ابنه الكافر ولا عكس، طيب، هل هناك دليل؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: أن من يدخل في الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه.
الشيخ: لا، قصدي دليل على التملك.
الطالب: دليل التمليك قوله صلى الله عليه وسلم: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأبِيكَ» .
الشيخ: قوله صلى الله عليه وسلم: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأبِيكَ». نعم، هل مثل ذلك الأم؟
طالب: ليست مثله.
الشيخ: ليست، الدليل؟
الطالب: الدليل النص.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: استثناؤه للأب.
الشيخ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأبِيكَ»، والأصل احترام المال، فلا تُنتهك هذه الحرمة إلا بدليل، ولم يأتِ الدليل إلا بالأب. هل للأب أن يرجع في هبته لابنه؟
طالب: له ذلك.
الشيخ: له ذلك، الدليل؟
الطالب: من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَهُ إِلَّا الْأَبَ» .
الشيخ: يعني أنت رويته بالمعنى: «لَا يَجُوزُ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ في هِبَتِهِ إِلَّا الْأَبَ». قلنا: اللازمة، هبته اللازمة، هل هناك هبة لازمة وغير زلامة؟
طالب: الهبة اللازمة هي التي تُقبض.
الشيخ: المقبوضة.
الطالب: الهِبة غير اللازمة هي التي لا تُقبض.
الشيخ: طيب لو أني قلت لك: وهبتُك هذا الكتاب، فقلتَ: جزاك الله خيرًا، وشكر الله سعيك، الهدية مقبولة، وأبقيتُ الكتاب عندي، هل لي أن أرجع؟
طالب: نعم.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنها لم تلزم.
الشيخ: لأنها لم تلزم، لا تلزم إلا بالقبض، ولهذا قال: «أَنْ يَرْجِعَ في هِبَتِهِ إِلَّا الْأَبَ». وقال: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» . متى يجوز للولد أن يُطالِب والده؟
طالب: إذا كان ذلك من نفقته الواجبة.
الشيخ: إذا كان من نفقته الواجبة، كذا؟ يعني الابن فقير والأب غني، والأب أبى أن ينفق على ابنه يجوز أن يشكوه عند الأمير، ويطالبه عند القاضي، كذا؟ وهو أبوه؟!
الطالب: نعم.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأن هذا من ضرورياته.
الشيخ: لأن هذا من الضروريات، ومن حفظ النفس الواجب على الأب، فهي كالزكاة يُجبر عليها.
يقول رحمه الله: (فإن تصرف) يعني الأب (في ماله ولو فيما وهبه له فإن تصرفه لا يصح). يعني لو أن الأب باع سيارة ابنه التي لا يحتاج إليها الابن فإن بيعه إياها لا يصح إلا إذا تملكها أولًا فله أن يبيعها.
التعليل: لأنه قبل أن يتملكها، فالسيارة في ملك الابن، فنقول: الآن أنت تصرفت في ملك ابنك بدون وكالة، والأمر سهل، انوِ التملك، ثم بِعْها بالشروط المعروفة في شروط التملك.
(فإن تصرف في ماله ولو فيما وهبه له)، بماذا؟ (ببيع، أو عتق، أو إبراء) أو غير ذلك من أنواع التصرفات حتى بالتأجير مثلًا أو الإيقاف، إذا تصرف في مال ابنه قبل أن يتملكه مع القبض فإنه لا يصح، والتعليل أن الملك ملك الابن، ولا يجوز للإنسان أن يتصرف في ملك غيره إلا بتوكيل منه، والابن لم يُوكِّلْه.
(أو إبراء) إن تصرف في إبراء؛ يعني لابنه دَيْن على آخر فقال الأب للمدِين: قد أبرأتُك من دين ابني عليك؛ فلا يصح.
التعليل: لأن الدين لم يملكه الابن الآن، الدين في ذمة المدِين، فلم يدخل في ملك الابن، والأب يتملك من مال ابنه، وهذا لم يكن مالًا له الآن، ولكنه دَيْن فلا يصح إبراؤه.
(أو أراد أخذه قبل رجوعه) (أراد أخذه) أي أخذ ما وَهَبَ ابنه قبل أن يرجع في الهبة فلا يملك ذلك.
إذن لا بد أن ينوي الرجوع، ثم له أن يأخذه. (أو تملكه) قبل رجوعه في هبته (أو تملكه) يعني يأخذ ما وهبه بنية التملك لا بنية الرجوع؛ له هذا، والتملك يقول: له طريقان؛ القول، أو النية والقبض، القول بأن يقول: إني قد ملكت أو إني قد تملكت مال ابني؛ سيارته، بيته، أشياء لا يحتاج إليها ولا تضره.
(أو نية وقبض مُعتَبر) يعني يقبض الشيء المال لابنه بنِيَّة التملك، فله حينئذٍ أن يتصرف فيه؛ لأنه لما قبضه بنية التملك صار مُلكًا له.
(وقبض مُعتبَر) القبض المعتَبر هو أن يكون بإذن الابن، وعلى الوصف السابق في كتاب البيع ما يُنقَل يكون بنقله، وما يُوزَن بوَزْنه، وما يُكال بكيله، وما يُذرع بذرعه، وما يُعدُّ بِعدِّه، وما لا يتصور فيه ذلك يكون بتخليته، كالأراضي مثلًا، الأراضي ما يمكن تُقبض بما ذكر، فيكون بالتخلية؛ بمعنى أن يرفع يده عنها.
(بل بعده) أي: بل يصح تصرفه بالبيع، أو العتق، أو الإبراء بعده، أي: بعد القبض بنية التملك أو القول أنه تملكه.
ثم قال: (وليس للولد مطالبة أبيه بدَيْن ونحوه) (ليس للولد) هذا نفي، يعني لا يملك الولد أن يطالب والده بدَيْن ونحوه؛ لأنه إذا جاز أن يتملك من ماله فإنه لا يجوز للولد أن يطالبه بدَيْنه، مثال ذلك: استقرض الأب من ابنه عشرة آلاف ريال، فليس للولد أن يقول: يا أبتِ، أعطني الدَّيْن، وليس له أن يطالبه، لكن له أن يُعرِّض، ويقول: يا أبتِ، أنا محتاج وأنت قد أغناك الله، وما أشبه ذلك، أما أن يطالبه ويرفعه إلى القاضي فلا.
وقوله: ليس للولد مطالبة أبيه، هل يدل ذلك على أن له أن يطالب أمه؟ نعم، له أن يطالب أمه، هذا مفهوم كلام المؤلف، والعلماء رحمهم الله كلامهم له منطوق وله مفهوم، هل له أن يطالب جده من قِبل أبيه أو أمه؟ نعم، له؛ لأن هؤلاء ليس لهم أن يتملكوا من مال ولدهم أو ولد ابنهم فله أن يُطالِبهم، ولكن الصحيح أنه لا يملك أن يطالب أمه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم وقد سُئل: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صُحْبَتِي؟ فَقَالَ: «أُمُّكَ». قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قال: «أُمُّكَ». قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قال: «أُمُّكَ». قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ» .
وهذا صريح في أنه إذا كان لا يملك مطالبة أبيه، فعدم مطالبته أمه من باب أولى، وهل من البر أن يقود أمه عند رُكب القضاة؟ أبدًا، ليس من البر، وهذا مستهجن شرعًا وعادة، فالصواب أنه لا يملك مطالبة أمه، وليست المسألة مبنية على التملك، التملك شيء، والمطالبة بالدَّيْن شيء آخر.
وقول المؤلف رحمه الله، والمسألة خلافية أيضًا، أصل المسألة في مسألة الأب خلافية، بعض أهل العلم يقول: له أن يطالب أباه بالدَّيْن.
وقوله: (بِدَيْن ونحوه) ويش نحو الدَّيْن؟ كأرش الجناية مثلًا، لنفرض أن أباه جنى عليه جناية تُوجِب المال، ولا تقُل تُوجِب القوَد؛ لأنه على المذهب ليس بين الأب وابنه قوَد، لكن تُوجِب المال، مثل أن يشُجه في رأسه حتى يظهر العظم، وهذه الشجة التي تُوضِح العظم تُسمَّى مُوضِحة، فيها خمس من الإبل، هل له أن يُطالِب أباه بهذه الدية؟ لا، لدخولها تحت قوله: (ونحوه).
كذلك لو أن أباه صدم سيارته، سيارة الابن، يلزمه أرشها أو لا يلزمه؟ يلزم أرشها ويكون دَيْنًا عليه، فليس له أن يطالب أباه بهذا الدين.
وفُهِم من قوله: (بِدَيْن) أن له أن يُطالبه بالعين، كيف يُطالِبه بالعين؟ استعار أبوه منه كتابًا، ولنقل فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، استعارها الأب من ابنه، فقال الابن: أعطني الكتاب، أنا محتاجه، قال: لا، ولم ينوِ التملك. إن نوى التملك جاءت مسألة التملك بشروطها، قال: لا، له أن يطالبه؛ لأن هذا ليس بدين ولكنه عين، والمؤلف يقول: (بِدَيْن). فله أن يطالب أباه بتسليم العين التي أعارها إياه، عند مَنْ؟ عند القاضي، يعني يقول: هذا عين مال، لكن للأب أن يقول: روح وراك، أنا الآن تملكته. فإذا قال هذا، لا ما راح، ننظر للشروط، إذا قال الابن: هذا الكتاب تتعلق به حاجتي، أحتاجه للقراءة والمطالَعة، يمتنع التملك الآن؛ لأن من شرط تملك الأب لمال ابنه ألا تتعلق به حاجته أو ضرورته، حينئذٍ يمتنع التملك فله المطالبة.
وكل هذا الذي يقوله الفقهاء رحمهم الله بقطع النظر عن مسألة المروءة، أو التربية، أو حسن المعاملة، هم يذكرون أحكامًا عامة، لكن هل من المروءة أن الإنسان يُطالِب أباه بعين ماله؟ في ظني لا، لكن قد يكون بين الأب والابن مشاحنات وعداوة وبغضاء، كما يوجد كثيرًا، ولا يهمه أن يطالب أباه.
لو استعار الأب قلمًا لابنه، ابنه معتاد على الكتابة به، تتعلق به حاجته، استعاره منه، فقال الابن: يا أبتِ، أعطني القلم، قال: لا. فطالبه عند القاضي، يجوز ولَّا ما يجوز؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: الجواب كأنه ليِّن!
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأنها عَيْن، ولكن لا أعتقد أن المروءة تقضي بجواز ذلك، أليس هكذا؟ يعني أي إنسان يعرف، يقال: إن فلانًا طالَب أباه عند القاضي من أجل قلم بخمسين ريالًا مثلًا، كل الناس سيعيبون هذا، وقد قال عبد الله بن مسعود: مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْهُ قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ قَبِيحٌ .
وهذه نقطة يجب أن ننتبه لها، أن كلام الفقهاء رحمهم الله، يذكرون الأحكام بقطع النظر عن مسألة التربية والمروءة وما أشبه ذلك، هذا شيء آخر.
يقول رحمه الله: (إلا بنفقته الواجبة عليه) يعني فإن له مطالبته بها وحبسه عليها. إذا امتنع الأب من النفقة الواجبة عليه فللابن أن يطالبه؛ لأن وجوب النفقة ثابت بأصل الشرع، فهو كالزكاة، فإذا جَعل ابنه الفقير عاجزًا عن التكسب، وليس عنده مال، وقال لأبيه: أنفق عليَّ. قال: لا، ما أنفق، فله أن يُطالب أباه بالنفقة، وإذا امتنع فللحاكم أن يحكم بحبسه حتى يُسلِّم النفقة.
وأعتقد أن هذا العمل من الابن، أعني مطالبة أبيه بالنفقة لا يخالف المروءة؛ لأن الذي خرم المروءة مَنْ؟ الأب، كيف لم يُنفِق؟ فإذا طالب أباه بالنفقة فله ذلك، وله حبسه عليها.
العلة بأن النفقة واجبة بأصل الشرع فهي كالزكاة يُجبَر الإنسان على بذلها لمستحقها.
فصل في تصرفات المريض
00:00:00

ثم قال المؤلف رحمه الله: (فصل في تصرفات المريض) لما ذكر الهبة رحمه الله وأحكامًا كثيرة تتعلق بها وهي في حال الصحة، ذكر الهبة في حال المرض، هل الهبة في حال المرض كالهبة في حال الصحة؟ هنا يكون التفصيل. (قال: من مرضه غير مخُوف) أين السيبويه؟ اتفضل.
طالب: (من) اسم موصول في محل رفع مبتدأ.
(مرضُه) مبتدأ ثان.
(غير مخوف) خبر المبتدأ الثاني. المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول.
الشيخ: يا أبا علي، سيبويه والكسائي.
طالب: (من) اسم موصول مبتدأ.
و(مرضه) مبتدأ ثانٍ.
الطالب: والخبر محذوف.
الشيخ: يأبى عليك الشيخان.
طالب: (من) مبتدأ، و(مرضه) مبتدأ ثانٍ، (غير مَخُوف) خبر المبتدأ الأول، والجملة صلة الموصول خبر المبتدأ الأول..
الشيخ: والثالث؟
طالب: رجعت يا شيخ.
الشيخ: رجعت، تقبلون رجوعه، نرد عليه ولا ندور غيره؟
طالب: (من) مبتدأ. (مرضه)..
الشيخ: ويش اسم موصول، ولَّا استفهام، ولَّا شرط؟
طالب: اسم موصول مبتدأ، (مرضه) مبتدأ ثانٍ، و(غير) خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره صلة الموصول (من).
الشيخ: خطأ.
طالب: اسم موصول مبتدأ.
الشيخ: أيش؟
طالب: مبنية (...).
الشيخ: هذه (مَنْ) منبية على السكون في محل رفع مبتدأ.
الطالب: (مرضه) مبتدأ ثانٍ، و(غير مخوف) خبره، والجملة خبر ثان.
الشيخ: خطأ.
طالب: (من) اسم موصول، و(مرضه) مبتدأ ثانٍ.
الشيخ: خطأ، لا إله إلا الله!
طالب: (...).
الشيخ: خطأ، سبحان الله! كيف تقولون؟ هذه (من) اسم موصول مبتدأ، متفقون عليها، أكثر الأجوبة عليها إلا الجواب الأخير، والأخير بعيد من الصواب، (مرضه) مبتدأ، ما نقول: مبتدأ ثانٍ؛ لأن صلة الموصول جملة مستقلة، فـ(مرضه) متبدأ، و(غير مخوف) خبر المبتدأ، والجملة صلة الموصول، لا محل لها من الإعراب، نقطة الخطأ في إعرابكم قولكم: متبدأ ثانٍ؛ لأن صلة الموصول جملة مستقلة ما لها علاقة بما سبق، تكون صلة الموصول.
(من مرضه غير مخوف كوجع ضِرْس) وجع الضرس لا شك أنه يُؤلم، وربما يسهر الإنسان ليلًا، لكنه غير مخوف، لو أن الإنسان مات من وجع ضرسه لقال الناس: هذا مات في صحته؛ لأنه لا يُنسب الموت إلى مثل هذا المرض، وإلا فإن وجع الضرس مؤلم بلا شك، وتناظَر رجلان فقال أحدهما: لا وجع إلا وجع الضرس، ولا همَّ إلا هم العرس. وقال الثاني: لا وجع إلا وجع العين، ولا هم إلا هم الدَّين، أيهما أصوب؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: لا، الثاني، كفاكم الله شر وجع العين، وجع العين مؤلم جدًّا، وكان الناس فيما سبق يجدون منه معاناة شديدة، لكن الآن -والحمد لله- لنظافة المياه، ووجود الأسباب الكثيرة في المعالجة سهل، وإلا كان الناس يتأذون، يعني الإنسان إذا وجعته عينه لا ينام، بل ولا يضطجع على الفراش، بل يحوم في البيت؛ فهي شديدة، فالثاني لا شك أنه أصح، والدَّيْن أيضًا مشكلة؛ لأن الدين وجوده مؤذٍ، عدم العرس فوات محبوب، لكن الدَّيْن كلما طلع من بيته لقي الزبانية عنده: أعطِنا أعطِنا، صعبة.
إذن وجع الضرس يعتبر من الأمراض غير المخوفة.
(وعين) أيضًا وجع العين غير مخوف، إلا أن هناك نوعًا من الأمراض يكون في أصل الضِّرْس، ويكون أيضًا في حدقة العين، يُسمى عندنا الحبة، هذه مخوفة لا شك، أن الإنسان لو مات منها لم يكن ذلك غريبًا، إنما وجع العين العادي ليس مخوفًا.
(وصُداع يسير) الصداع وجع رأس، لكن اشترط المؤلف أن يكون يسيرًا، فأما الصداع الشديد فهو من الأمراض المخوفة؛ لأن نسبة الموت إليه لا تُستَغرب.
قال: (فتصرفه لازم كالصحيح ولو مات منه). تصرفه، أي: من كان مصابًا بهذا المرض تصرفه لازم كالصحيح، يعني كمن ليس به مرض ولو مات منه، وهي إشارة خلاف.
مثال ذلك: رجل أصابه وجع في ضرسه، فأوقف نصف ماله، قال: نصف مالي وقْف. التصرف صحيح، وَهَبَ نصف ماله، التصرف صحيح؛ لأن المرض غير مخوف فهو كالصحيح.
وقوله: (فتصرفه لازم) قد يشكل على بعض الطلبة كيف جاءت الفاء في الجواب؟ فنقول في إزالة هذا الإشكال: إن (مَنْ) التي هي المبتدأ اسم موصول، والاسم الموصول يُشبه اسم الشرط في العموم؛ فلذلك وقعت الفاء في خبره؛ لأن قوله: (فتصرفه لازم) هذه الجملة خبر المبتدأ، ومنه المثال المشهور: الذي يأتيني فله درهم، الأصل الذي يأتينا له درهم، لكن لما كان اسم الموصول مُشبِهًا لاسم الشرط في العموم جاز دخول الفاء في خبره.
قال: (وإن كان مخوفًا) (إن كان) الضمير يعود على المرض. (مخوفًا) وهو الذي يصح نسبة الموت إليه، مثاله: (كبرسام، وذات الجنب، ووجع قلب، ودوام القيام، ورعاف، وأول فالج، وآخر سل، والحُمَّى المطبقة والربِّع، وما قال طبيبان) إلى آخره (ومن وقع الطعون ببلده، ومن أخذها الطلق) عدَّ اثني عشر نوعًا.
البِرْسام: وجع يكون في الدماغ، نسأل الله العافية، يختل به العقل، فإذا أصاب الإنسان صار مرضه مخوفًا؛ لأنه لو مات به لم يُستغرب، ولا يقول الناس: هذا مات فجأة.
(ذات الجنب) هو وجع في الجنب في الضلوع، ويقولون: إن سببه أن الرئة تلصق في الضلوع، ولصوقها هذا يشل حركتها، فلا يحصل للقلب كمال دفع الدم وغير ذلك من أعماله، فهذه من الأمراض المخوفة، وكان هذا الداء كثيرًا فيما سبق، يعني عشنا ذلك كثيرًا جدًّا لا سيما في استقبال الشتاء، ويصيب الناس، ولكنه سبحان الله يُشفى -بإذن الله عز وجل- بالكي، وأحسن.. ما له إلا الكي، حتى إن بعض المرضى يُغْمى عليه، ويبقى الأيام والليالي وقد أُغْمِي عليه، ثم يأتي الطبيب العربي، فيقص أثر الألم في الضلوع، ثم يسمها بوسم؛ محل الألم، ثم يكويه، إذا كواه -سبحان الله- لا يمضي ساعة واحدة إلا وقد تنفس المريض؛ ولذلك لا يوجد علاج فيما سبق لذات الجنب إلا الكي، ذات الجنب تؤدي إلى الهلاك لا شك، ومن مات من ذات الجنب لم يُعدَّ مات بشيء غريب، يعني لا يُستغرب.
(وجع القلب) أيضًا من الأمراض المخوفة؛ لأن القلب إذا أصابه الألم لم يستطع أن يضخ الدم، أو ينقي الدم فيهلك البدن؛ لأن القلب -بإذن الله- مصفاة، سبحان الذي خلقه، يرد إليه الدم مستعملًا، وفي نبضة واحدة يعود نقيًّا فيدخل من عرق ويخرج من عرق آخر، في هذه اللحظة النبضة هذه، ثم إن الله سبحانه وتعالى أودعه قوة إذا احتاج الإنسان إليها وُجِدَت، وإن لم يحتج فهو طبيعي؛ ولذلك إذا حملت شيئًا شاقًّا، أو سعيت بشدة تجد نبضات القلب تزيد؛ لأنه يحتاج إلى ضخ بسرعة، إذا وُجِع القلب فهو خطر على الإنسان لا شك، وأوجاع القلب أنواع متنوعة يعرفها الأطباء، لكن منها ما هو قوي، ومنها ما دون ذلك.
(ودوام قيام) القيام هو الإسهال، معروف لكم، إذا كان دائمًا فلا شك أنه مخوف؛ لأن الأمعاء مع هذا الإسهال لا يبقى فيها شيء يمتص الجسم منه غذاءً؛ فيهلك الإنسان، أما القيام اليسير كيوم أو يومين، هذا لا يضر، ولا يُعدُّ مرضًا مخوفًا، لكن إذا دام مع الإنسان فآخِر مآله الموت.
(ودوام رعاف) ما هو الرعاف؟ خروج الدم من الأنف، هذا أيضًا إذا كان يسيرًا فإنه ليس مرضًا، وإن كان دائمًا فهو مرض؛ لأنه إذا دام فإن الدم ينزف، ومعلوم أن البدن لا يقوم إلا بالدم؛ لأن أصل البدن سبحان الله دم، أصله علقة، فلا يقوم إلا بذلك، فمع دوام الرعاف يُعتبر المرض مرضًا مخوفًا.
(وأول فالج) أول الفالج هو خدورة البدن. وأنواعه متعددة، لكن أول الفالج خطر؛ لأن هذه الخدورة قد تسري إلى البدن فتقضي عليه، أما إذا كان في آخر الفالج فلا، إلا أن يقطعه في الفراش كما سيأتي، الخطر في الفالج في أوله، السل الخطر في آخره؛ لأن أول السل ربما يُشفى منه المريض إما بحمية وإما بمعالجة يسيرة، لكن آخره خطر، مرض مخوف.
وكذلك أيضًا (الحُمَّى المطبقة والرِّبع) الحمى المطبقة يعني الدائمة، و(الرِّبع) التي تأتي في اليوم الرابع، تتكرر عليه كل يوم أربعة تأتيه، والحمى هي السخونة، وهي معروفة، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الحمى من فيح جهنم، وأنها تُطفأ بالماء البارد . وهذا سبحان الله، هذا الطب اليسير السهل قد عُلِم من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، والأطباء الآن يرجعون إليه، الآن الأطباء يصفون الدواء لمن أُصِيب بالحمى بهذا، حتى إنهم يجعلون بعض المرضى أمام المكيِّف.
ووجه ذلك ظاهر بأن الحمى معناها خروج الحرارة من داخل البدن إلى ظاهره، فيبقى البدن من الداخل يبقى باردًا، وإذا عُدِمت البرودة اختل التوازن بلا شك؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- جعل البرودة حرارة، والرطوبة يبوسة يقوم بها البدن، إذا غلب أحدها على الآخر اختل طبيعة البدن، فإذا جاء الْمُبرِّد اضطرت البرودة أن تنتقل من الظاهر إلى الباطن فيتعدى البدن.
طالب: إذا ذهب إلى طبيب الأخ المسلم، فقال الطبيب: إن الحمى إذا جاءت للإنسان يقوم بتركها؟
الشيخ: بتركها؟
الطالب: بتركها حتى تخرج الميكروبات الموجودة بالجسم، استدل بالحديث: «لَا بُدَّ أَنْ يُبْرِدَهَا بِالْمَاءِ» . وقال الثالث: يمكن أن يحمل هذا على الحمى الخفيفة الأول، والثاني على الحمى الشديدة، فكيف؟

الشيخ: والله على كل حال، تعارض عندنا الآن قول الرسول عليه الصلاة والسلام مع قول غيره، فلا نقبل سواه، لكن المشكلة في مسألة الماء البارد أو القماش البارد أنه ربما يصعب على المريض تحمله، لكن نقول: اصبر.
طالب: أو يصح القول الثاني؟
الشيخ: والله أنا لا أمشي إلا على الحديث، الحديث مُقدَّم على كل شيء، ولو لم يكن من الحديث إلا أن الإنسان يقوله تصديقًا للرسول صلى الله عليه وسلم وهذا يُؤثِّر نفسيًّا على المريض لا شك.


طالب: إذا أتى الولد أعطى الأب مالًا ليكون عنده لأبيه، فجاء الوالد وأخذ هذا المال وتصدق به، واشترى أراضي.
الشيخ: يعني الولد أعطى أباه مالًا وديعة؟
الطالب: نعم، فالوالد تصرف في هذا المال واشترى أراضي، وزوج إخوته من هذا المال، فجاء الولد (…).

الشيخ: هل اشترى بعد التملك أو قبل؟
الطالب: هو أعطاه المال.
الشيخ: هو أعطاه وديعة، ما هو تمليك، هل الأب حينما اشترى بهذه الدراهم عقارًا هل نوى تملك هذا المال، ثم الشراء به؟ لا، أنا بأعلمك الآن التفصيل، إذا كان قد نوى تملُّكه، ثم اشترى به فهو صحيح، هذا كلام المؤلف، أما إذا كان ما نوى فكما علمتم أن تصرفه في مال ابنه غير صحيح إلا بنية التملك.

طالب: (...) هل هو خلاف الأولى لحديث (السبعون)؟
الشيخ: لا، السبعون لا يكتوون، يعني ما يطلبون الكي، لكن إذا جاء الطبيب وقال: أنا أريد أن أكويه فلا بأس، ولا يخرج من أوصاف السبعين.

طالب: ما هو الضابط (...)؟
الشيخ: الضابط الذي إذا نُسب الموت إليه لم يُعدَّ غريبًا، هذا مخوف؛ ولهذا من أخذها الطلق، كما سيأتينا من الأمراض المخوفة مع أن الطلق يُصيب نساء كثيرات، ولا يمتن؛ يعني فقول بعض الناس: إن المرض المخوف ما غلب على الظن موته به. هذا غير صحيح، بل يقال: المرض المخوف هو الذي إذا نُسب الموت إليه لم يُعد غريبًا.

طالب: إذا قال قائل: ألا يمكن أن يقال بأن تملك الأم ينفذ أخذًا بظاهر الحديث: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ وأن حديث: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» واقعة عين.
الشيخ: ما يستقيم هذا؛ لأن الأب مِنَّتُه على الابن بالمال أكثر من مِنَّة الأم، بالإنفاق وغيره، فرُخِّص له بالأخذ من مال ابنه مكافأة له على الإنفاق عليه، وهذا في الغالب، لكن المسألة فيها قول: إن الأم والجد لهما أن يتملكا من مال الولد، وما له عندي وجه، ليس عندي وجه له، لكن كما قلت لك: ليس له أن يطالب أُمَّه بدَيْن أو نحوه.

طالب: هل يشترط في تصرف الوالد مع ولده علم الولد؟
الشيخ: علمه، لا، ما هو شرط.

الطالب: هل يا شيخ، قد يحدث إشكال بأن يبيع مثلًا الأب سيارة ابنه (...)؟
الشيخ: لا، السيارة -بارك الله فيك- تتعلق بها بحاجته.

طالب: تمت الشروط.
الشيخ: تمت الشروط.
الطالب: (...) فرآها بالمعرض، وقال: هذه سيارتي.
الشيخ: قال: هذه سيارتي. سهلة يقول: باعها لي، وهذا (...).
طالب: أحسن الله إليك، حتى أذن الوالد (...) يريد أن يأخذ يتملك من ابنه، هنا يجوز له أن يتصرف مع أنه هو وماله لأبيه، يجوز التصرف في المال؟
الشيخ: إي، لا، هو الآن التصرف على أنه ملك ابنه.

طالب: (...).
الشيخ: لكن من شروط البيع وصحة البيع أن يكون ملكًا للبائع أو مأذونًا له فيه، والحمد لله المسألة ما فيها مشكلة، يقول: اشهدوا يا جماعة أني تملكت هذا، ويبيع.

طالب: ليس من المروءة أن يطالب الآباء الذي ما يكون ضررًا لي، ولو كان فيه ضرر، قلنا: (...) من ماله ويضره في ماله؟
الشيخ: لا، يضره لا؛ لأن شرط تملك الأب من مال ابنه ألا يضره ولا يحتاجه.
طالب: ولكن يا شيخ إذا (...).
الشيخ: لا، ما حصل هذا، حتى مثلًا لو كان الابن بيده مال يتجر به، ونفقته على نفسه وعياله مِنْ ربح هذا المال، فليس للأب أن يأخذ منه شيئًا؛ يعني مثلًا إنسان عنده مال مئة ألف يتجر بها وربحها، ينفقه على نفسه وعياله، فأراد الأب أن يأخذ من المئة ألف، قلنا: لا؛ لأنه يحتاجه.

طالب: شيخ، بارك الله فيك، (...) الابن غني، ثم أخذ الأب منه مثلًا مليونًا؛ عمارة مثلًا، ثم تملكها ووزعها حينها على الأولاد، وأعطاه نصيبه (...).
الشيخ: نعم، اشترط العلماء رحمهم الله لجواز أخذ الأب من مال ولده ألا يعطيه لولد آخر؛ يعني ما يأخذ من زيد ويعطي عمرًا وهم عياله.


طالب: شيخ، ليس (...)، لا يملك الأب حتى؟
الشيخ: كيف لا يملك؟ إذا تملك دخل ملكه.
الطالب: أوليس الأب له أن يعطي أولاده بالسوية؟
الشيخ: بلى، يجب في هذه المسألة؛ لأن هذا يُحدث الضعائن بين الأولاد على أبيهم وفيما بينهم.

طالب: شيخ، أحسن الله إليك، (...) الابن، ثم بعده هل للابن أن يطالب الورثة؟
الشيخ: إي نعم، له أن يطالبهم، وهذا السؤال مهم، يعني لو استدان الأب من ابنه، ثم مات قبل الوفاء فله أن يطالَب بتركته.

طالب: إذا أراد أن يرجع في هبته لابنه لا بد من القول..؟
الشيخ: أو النية مع القبض المعتبَر.

طالب: شيخ، بارك الله فيك، إذا كان على الابن دَيْن أبيه، فهل للأب أن يبرئ الابن وإن لم يبرئ غيره من الأبناء؟
الشيخ: كيف يبرئ الابن؟ إذا كان للأب دين على ابنه؟
الطالب: على أحد أبنائه، هل له أن يبرئ أحدهم دون الآخرين أم يجب العدل حتى في الإبراء؟
الشيخ: هل هذا من العدل؟ أسألك؟
الطالب: لا، ليس من العدل.
الشيخ: إذا لم يكن من العدل صار حرامًا.
الطالب: كان يجب بعض الأبناء، ويسدد الدَّين والآخرون لا (...).
الشيخ: هذا عن شيء آخر حتى اللي ليس عنده ما يسدده اليوم، قدر يرزقه الله ويكون عنده ما يسدد، ينتظر.

***

الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: وما قال طبيبان مسلمان عدلان: إنه مخوف، ومن وقع الطاعون ببلده، ومن أخذها الطلق، لا يلزم تبرعه لوارث بشيء، ولا بما فوق الثلث إلا بإجازة الورثة لها إن مات منه، وإن عُوفي فكصحيح، ومن امتد مرضه بجذام أو سل أو فالج ولم يقطعه بفراش فمن كل ماله، والعكس بالعكس، ويعتبر الثلث عند موته.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبق لنا أن الأمراض ثلاثة أنواع.
طالب: مرض مخوف، ومرض غير المخوف، ومرض ممتد.
الشيخ: (طبيبان مسلمان عدلان إنه مخوف) انظر للشروط، (ما قال طبيبان) فغير الطبيب لا يعتبر قوله، فلو أن عاميًّا قال لمريض من المرضى: إن مرضك هذا مخوف وهو غير طبيب، ولا يعرف الطب فإنه لا يُعتبر قوله، كما لو أفتاك الجاهل بأن هذه الصلاة صحيحة أو غير صحيحة، أو هذا الوضوء صحيح أو غير صحيح.
الشرط الثاني: (مسلمان)، وضدهما الكافران ولو كانا من أحذق الأطباء، فإنه لا عبرة بقولهما؛ لقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦]، فإذا كان هذا في خبر الفاسق فخبر الكافر مردود لا يُقبَل.
الشرط الثالث: (عدلان)، والعدل هو المستقيم دِينًا ومروءةً، هذا العدل، مستقيم في دينه ومروءته، ففي دِينه يعني الاستقامة في الدين أن يؤدي الفرائض، ويجتنب المحارم؛ فالمتهاون بصلاة الجماعة مثلًا، والجماعة واجبة عليه، ليس بعدل، وحالق اللحية مثلًا ليس بعدل إذا استمر على ذلك.
فالعدالة إذن الاستقامة في الدِّين والمروءة، المروءة أن يفعل أو يقول ما يخرم المروءة عند الناس، وينزل قيمته عندهم وإن كان الفعل في نفسه ليس محرمًا، وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله من الأمثلة الرجل المتمسخر؛ يعني اللي يفعل التمثيليات سخرية وهزءًا فإن هذا خارم المروءة، وذكروا أيضًا الذي يأكل في السوق، قالوا: هذا ما له مروءة، ومعلوم أن هذا المثال في الوقت الحاضر لا ينطبق على ذلك، لماذا؟ لأن الناس اعتادوا أن يأكلوا في السوق الآن، يعني لا أقول: الولائم، يجعل وليمة ويجيبها بالسوق ويأكلها، لا، لكن جرت في المطاعم مثلًا، مطعم في السوق يأكل الإنسان فيه، كنا نستنكر أن يشرب الشاهي في دكان، ونرى أن هذا خارمًا للمروءة، الآن أجيبوا يا جماعة.
طلبة: ليس بخارم.
الشيخ: ليس بخارم للمروءة، الآن يشربون الشاي والقهوة في الدكاكين.
قالوا: مما يخرم المروءة أن يمد الإنسان رجله بين الجالسين، إذا مد رجله بين الجالسين فهذا الفعل خارم للمروءة؛ لأنه من العادة أن الإنسان يُوقِّر جلساءه، وألا يمد رجليه بينهم، ولكن هذا -في الحقيقة- يختلف، إذا كان الإنسان معذورًا، وعرف الجالسون أنه معذور فإن ذلك لا يعد خرمًا للمروءة؛ لأنهم يعذرونه، أو كان الرجل استأذن منهم وقال: ائذنوا لي. ففعل، فليس خارمًا للمروءة، أو كان الإنسان بين أصحابه وقرنائه، ففعل ومد رجله بينهم وهم جلوس، فهذا لا يعد خارمًا للمروءة، ومن الأمثال العامية: (عند الأصحاب تسْقُط الآداب).
على كل حال الضابط في استعمال المروءة ألا يفعل ما ينتقده الناس فيه، لا من قول ولا من فعل.
الشروط الآن ثلاثة؛ عدد محصور باثنين: الإسلام، الثالث: العدالة، فإذا اختل شرط من ذلك فإنه لا عبرة بقوله مع أنهم قالوا في صفة الصلاة، قالوا: يجوز للإنسان أن يصلي قاعدًا إذا قال الطبيب المسلم الواحد: إن القيام يُؤثِّر عليه، لكنهم يفرقون بين هذا وذاك بأن ذاك خبر ديني يتعلق بأمور الدين، وهذا يتعلق بأمور المال، هذا ما قيده به المؤلف.
والصواب في هذه المسألة أنه إذا قال طبيب ماهر: إن هذا مرض مخوف قُبِل قوله، سواء كان مسلمًا أو كافرًا واحدًا أو متعددًا، ولو أننا مشينا على ما قاله المؤلف لم نثق بأي طبيب غير مُسلِم مع أننا أحيانًا نثق بالطبيب غير المسلم أكثر مما نثق بالطبيب المسلم إذا كان الأول أشد حذقًا من الثاني، أليس كذلك؟
ثم إن صناعة الطب لا يمكن فيها الغدر من الكافر، يعني الخوف من الكافر أن يغدر لا يمكن فيه الغدر لسببين؛ السبب الأول: أن كل إنسان يريد أن تنجح صناعته، أليس كذلك؟ فالطبيب، ولو كان غير مسلم، يريد أن تنجح صناعته، وأن يكون مصيبًا في العلاج، مصيبًا في الجراحة.
الثاني: أن من الأطباء من يكون داعية لدِينه وهو كافر، وإذا كان داعية لدينه هل يمكن أن يُغرِّر بالمسلم؟ لا يمكن؛ لأنه يريد أن يمدحه الناس، وأن يحبوه، وأن يحترموه؛ لأنه ناصح.
فالصواب في هذه المسألة أن المعتبَر حذق الطبيب والثقة بقوله، ولو كان غير مسلم، فإذا قال طبيب حاذق: هذا المرض مخوف، يُتوقع منه الموت، فإننا نعمل بقوله، ونقول: إن المريض بهذا المرض عطاياه من الثلث ولَّا من رأس المال؟ من الثلث.
ومن وقع الطاعون ببلده، فهو كالمريض مرضًا مخوفًا؛ لأن الطاعون أجارنا الله وإياكم والمسلمين منه، الطاعون إذا وقع في أرض انتشر بسرعة، لكن مع ذلك قد ينجو منه من شاء الله نجاته، إنما الأصل فيه أنه ينتشر، كل إنسان في البلد التي وقع فيها الطاعون يتوقع أن يُصاب به بين عشية وضحاها، فعطاياه في حكم عطايا المريض.
الطاعون قيل: إنه نوع معين من المرض يؤدي إلى الهلاك، وقيل: إن الطاعون كل مرض فتَّاك منتشر فهو طاعون، مثلًا الكوليرا، المعروف أنها إذا وقعت في أرض فإنها تنتشر بسرعة، الحمى الشوكية وغيرها من الأمراض التي يعرفها الأطباء، ونجهل كثيرًا منها، فهذه الأمراض التي تنتشر بسرعة، وتؤدي إلى الهلاك يصح أن نقول: إنها طاعون حقيقة أو حكمًا.
هذا عطاياه، أي عطايا الصحيح الذي وقع الطاعون في بلده من أين؟ من الثلث ولَّا من رأس المال؟
طلبة: من الثلث.
الشيخ: من الثلث. طيب بالنسبة للطاعون هل يجوز للإنسان أن يخرج من البلد إذا وقع فيه؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَخْرُجُوا مِنْهُ -أي من البلد الذي وقع فيه- فِرَارًا مِنْهُ» . فقيد النبي صلى الله عليه وسلم منع الخروج بما إذا كان فرارًا، أما إذا كان الإنسان له غرض جاء لهذا البلد بتجارة وانتهت تجارته، وأراد يرجع إلى بلده فلا نقول: هذا حرام عليك، لا نقول هذا، نقول: لك أن تذهب.
بقي علينا هل نأذن له أن يذهب إذا خِيفَ أن الوباء أصابه؟ أجيبوا.
طلبة: لا.
الشيخ: لا، نعم، نمنعه، حتى إن بعض الأطباء ظن أن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِذَا وَقَعَ فِي أَرْضٍ وَأَنْتُمْ فِيهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا». ظن أن هذا من باب الحجر الصحي، وقال: إن مراد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ألا يخرج الناس من هذه الأرض الموبؤة كحَجْر صحي، ولكن هذا غير صحيح، إن النبي صلى الله عليه وسلم راعى ما هو أعم وأهم، وهو الفرار من قدَر الله، قال: «لَا تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا مِنْهُ».
إذا سمع الإنسان أنه وقع في أرض هل يجوز أن يقدم عليها؟ لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فِي أَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهَا» ؛ لأن هذا من باب الإلقاء بالتهلكة، ومن باب قوله تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩]، كيف تقدم على بلد وقع فيه الطاعون؟ ما مثلك إلا مثل من أقدم على النار ليقتحم فيها.
فإن قال: أليس يمكن أن يسلم الإنسان وهو في بلد الطاعون؟ قلنا: بلى، لكن ما الأصل؟ الأصل الإصابة؛ فلا يجوز أن تقدم.
ارتحل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام، وفي أثناء الطريق قيل له: إنه قد وقع فيها الطاعون، وهو طاعون عظيم، مات فيه خَلْق كثير في أثناء الطريق، عمر رضي الله عنه ليس عنده أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، لكنه عنده عقل كأنه قال: كيف نقدم على أرض فيها هذا الوباء الْمُعدِي الفتاك، وكان من عادته رضي الله عنه أنه إذا أشكل عليه الأمر يجمع الصحابة ويستشيرهم، جَمَعَ الصحابة واختلفوا، ثم جمع المهاجرين، ثم الأولين من المهاجرين وكان الرأي الذي استقر عليه رأي المهاجرين الأولين أن يرجعوا، وقال: يا أمير المؤمنين، معك المجاهدون، معك المسلمون كيف تقدم إلى هذه الأرض؟ ارجع. فقرر الرجوع بمشورة الصحابة رضي الله عنهم، وأمر بالارتحال، فجاءه أبو عبيدة عامر بن الجراح الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّهُ أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ» . وقال فيه عمر حين طُعِن: لو كان أبو عبيدة حيًّا لجعلته خليفة؛ لأن الرسول قال: «هُوَ أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ». قال: يا أمير المؤمنين، كيف تقرر الرحيل؟ أفرارًا من قدر الله؟!
خفي على أبي عبيدة رضي الله عنه بأن القدَر لم يقع حتى نفر منه، لكن لو أقدموا لكانوا هم الذين جاؤوا إلى القدر فخفي عليه، وقال: أفرارًا من قدَر الله؟ قال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! يعني أتمنى أن غيرك قالها؛ لأن منزلة أبي عبيدة عند أمير المؤمنين عمر منزلة عالية، نحن نفر من قدَر الله إلى قدَر الله. من قدَر الله الذي نُلقي بأيدينا إلى التهلكة لو قدمنا عليه إلى قدَر الله الذي نسلم به.
وهذا واضح إن مضو إلى الشام بقدر الله، وإن رجعوا بقدر الله، ثم ضرب له مثلًا، أن لو كان له إبل في وادٍ له عِدوتان، واحدة مخصبة، والثانية مجدبة إلى أين يذهب؟
طلبة: إلى المخصبة.
الشيخ: إلى المخصبة، فقال له: أما تذهب إلى المخصبة؟ قال: بلى. قال: إذن إن ذهبت إلى المخصبة فبقَدر الله، وإلى المجدبة فبقدَر الله، لكن لن تختار المجدبة، إذن نحن كذلك لا نختار القدوم على أرض الطاعون، فرجعوا والحمد لله ووُفِّقوا للصواب.
في أثناء ذلك أتى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وكان قد تغيَّب في حاجة له، فبلَغَه الخبر، وجاء إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «إِذَا وَقَعَ الطَّاعُونُ فِي أَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهَا فِرَارًا مِنْهُ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ» أيضًا اللفظ الآخر: «لَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ» . فقال: الحمد لله..
شوف الآن كل الصحابة ما سمعوا هذا الحديث إلا عبد الرحمن بن عوف، لكن الحمد لله الشريعة محفوظة، لا يمكن أن تخبو.