أعلى بدنه ليس عليه ستر، وأسفل بدنه ليس عليه ستر، ودخل على ملك من الملوك، ماذا
تكون المسألة؟
طالب: مجنون هذا.
الشيخ: يقال: إي نعم، إلى دور المجانين، هذا يخالف المروءة، كذلك
كانوا من قبل لا يمكن لأحد أن يأكل في السوق أبدًا، ينتقدون اللي يأكل في السوق أو
الذي يتقهوى في السوق، فإذا كنا في بلد ينتقدون ذلك فجاء رجل وقام يأكل في السوق،
أيش تقولون؟
طلبة: مجنون.
الشيخ: لا ما هو بعاد لحد الجنون، لكن ينتقدونه لا شك، في الوقت
الحاضر صار هذا غير مخالف للمروءة، فيه ناس الآن يتقهوون في السوق في دكاكينه فصار
الآن لا يخالف المروءة؛ فيه رجل شريف من الشرفاء صار يمشي في السوق قد فتح ازراره
ووضع الغترة على كتفه وملأ يده من الفصفص وهو يأكل فصفص ويمشي في السوق، ويش يكون
هذا؟
طالب: مخالفًا للمروءة.
الشيخ: مخالفًا للمروءة حتى الناس ينتقدونه، إذن العدل مَنِ
استقام دينُه واستقامت مروءته.
ومن أهم شيء في العدالة في هذا الباب أن يكون
أمينًا أي مؤتمنًا، فإن لم يكن أمينًا فليس بعدل ولا يصح أن يوصى إليه.
(رشيد
ولو عبدًا) الرشيد مَنْ يُحْسِن التصرف، فإن كان الموصى إليه رجلًا لا يحسن
التصرف فإن الوصية إليه لا تصح؛ لأن هذا أمر يخل بنفس الوصية فلا يصح أن يوصي إلى
شخص غير رشيد.
قال: (ولو عبدًا) يعني: ولو
كان الموصى إليه عبدًا وهذه إشارة خلاف؛ فإن بعض العلماء يقول: لا تصح الوصية إلى
العبد؛ لأن العبد قاصر، ولكن الصحيح أنها تصح إليه لكن يُقْبَل بإذن
سيده، فإن لم يأذن فلا وصية، ولكن إذا أوصى إلى عبد ولم يأذن سيده وقد مات الموصي
فماذا نعمل في الوصية؟
تُحال إلى القاضي، والقاضي يقيم من يتولى هذه
الوصية.
ثم قال المؤلف: (وإذا أوصى إلى زيد وبعده إلى عمرو ولم يعزل زيدًا
اشتركا، ولا ينفرد أحدهما بتصرف لم يجعله له).
هذا رجل أوصى فى عام ألف
وأربع مئة وإحدى عشر إلى زيد قال: أوصيت إلى زيد بثلث مالي يبني به مساجد، ثم ختم
الوصية ثم بعد ذلك في سنة ألف وأربع مئة واثنا عشر قال: أوصيت إلى عمرو بثلثي يبني
به مساجد. صار الموصَى إليهم؟
طالب: اثنين.
الشيخ: اثنين؛ زيدًا وعمرًا، فهل نأخذ بوصية الأول لسبقه أو
بوصية الثاني لتأخُّرِه؟
يقول المؤلف: نأخذ بالوصيتين جميعًا إلا أن يعزل الأول،
ويقول: قد عزلت زيدًا، وأوصيت إلى عمرو، فإن فعل ذلك فهو حر له أن يعزل الموصى
إليه، لكن إذا لم يعزل يعني: لما مات الرجل وجدنا في دفتره هاتين الوصيتين أوصيت
إلى زيد بثلث مالي يبني به مساجد، كُتِبَ في واحد محرم عام ألف وأربع مئة وإحدى
عشر. وجدنا في نفس الدفتر أوصيت إلى عمرو بثلثي يبني به مساجد، كُتِبَ في واحد محرم
ألف وأربع مئة واثنتا عشر، ماذا؟
طلبة: على كلام المؤلف
يشتركان.
الشيخ: على كلام المؤلف يشتركان ما لم يقل فى
الثانية: قد عزلت زيدًا؛ فإن قال: قد عزلته. انتهى الأمر. وإذا ثبتت الوصية إليهما
يقول: (لم ينفرد أحدهما بتصرف لم يجعله له) الآن يلزم أن الاثنين كليهما
يتفقان على العمل.
فإذا أراد زيد أن يبني مسجدًا لا بد أيش؟ يوافقه عمرو، وإذا
أراد عمرو أن يبني مسجدًا لا بد أن يوافقه زيد، ولكن ينبغي عمليًّا للإنسان إذا
أوصى بوصية أن يقول في آخرها: وهذه الوصية ناسخة لما سبقها لماذا؟
لأن الإنسان
ربما يوصي وصية وينسى مع طول الزمن أو مع كثرة الهموم ينسى، فإذا كتب: هذه الوصية
ناسخة لما سبقها استراح وأراح غيره واضح يا إخوان؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وهذه ينبغي لمن
كتب الوصايا للناس أن ينتبه لها، كلما قال لك إنسان: اكتب الوصية؛ اكتب الوصية،
ولكن اكتب فيها: هذه الوصية ناسخة لما سبقها؛ لئلا توقع الورثة في حرج فيما بعد أو
توقع الموصى إليه.
الآن زيد وعمرو إذا قلنا: لا ينفرد أحدهما بالتصرف إن لم
يجعله له، معناها مشكلة، كلما أراد واحد منهم أن يتصرف فلا بد أن يستأذن الآخر، قد
يكون الآخر غائبًا وقد يكون معاندًا لأن بعض الناس -نسأل الله العافية- عنده عناد
إذا أبدى غيره رأيًّا ولو كان صوابًا، قال: لا، هذا ما يصلح، الرأي كذا وكذا. أو
إذا عجز أن يأتي برأي بدل قال: والله هذا ما يصلح، هذا يرد عليك كذا ويرد عليك كذا
ويرد عليك كذا، وجاء من الإيرادات ما ليس بوارد، لكن من أجل عرقلة نظر صاحبه، وهذا
شيء مشاهد.
فالحاصل أنه إذا لم يعزل زيد اشتركا، ولكننا لو قلنا في كل وصية
يكتبها لواحد: هذه الوصية ناسخة لما قبلها استرحنا واستراح مَنْ بعدنا؛ ولذلك ينبغي
لنا أن نضع هذه على بالنا دائمًا.
يقول: (ولا تصح وصية إلا في تصرف معلوم
يملكه الموصي) لا تصح الوصية يعني: إلى الشخص إلا في تصرف معلوم فإن كان
مجهولًا فإن الوصية لا تصح، ولكن ليس من المجهول العموم مثل أن يقول: أوصيت إلى
فلان أن يضع ثلثي فيما شاء من أعمال البر، هذا غير مجهول، هذا أيش؟ هذا عام وليس
بمجهول، والعموم ليس بجهل.
لكن لو قال: يضعه مثلًا في أمور مجهولة لا يعلم هل
تكون أو لا، فإن ذلك لا يصح، لكنه يحمل على ما يصح.
يقول: (يملكه الموصي)
فإن كان لا يملكه لم تصح الوصية، والذي لا يملكه الموصي نوعان:
أحدهما ما لا
يملكه شرعًا بأن يوصي إليه في فعل محرم، مثل أن يقول: أوصيت إلى فلان أن يصرف للقبر
الفلاني مئة درهم لإسراجه أو للذبح له، أو ما أشبه ذلك ما تقولون؟ الوصية هذه
باطلة؛ لأنها وصية في ما لا يملكه الموصي؛ إذ إن الموصي لا يملك استحلال ما حرم
الله.
والثاني أن يوصي له بشيء لا يمتنع؛ ليس شرعًا لكن لحق الغير؛ مثل أن يقول:
أوصيت إلى فلان أن يبيع بيتي وهو مرهون، هذا لا يصح؛ لأنه لا يملكه إلا بإذن
مَن؟
طلبة: المرتهن.
الشيخ:
المرتهن صاحب الحق.
قال: (كقضاء دينه) كيف قضاء دينه؟ يعني الموصي عليه
دين فأوصى إلى شخص قال: أوصيت إلى فلان بقضاء ديني صحيح؛ لأنه يملك ذلك.
كذلك
(تفرقة ثلثه) أوصى إلى فلان بثلثه يفرقه في أعمال البر يصح؛ لأنه يملك
هذا.
(النظر لصغاره) النظر لصغاره؛ يعني: على صغاره أوصيت إلى فلان أن
يكون ناظرًا لأولادي الصغار لا بأس؛ لأن الموصي يملك ذلك.
(ولا تصح فيما لا
يملكه الموصي؛ كوصية المرأة بالنظر في حق أولادها الأصاغر ونحو ذلك) الذي لا
يملكه الموصي لا تصح الوصية إليه فيه؛ مثل امرأة قد توفي زوجها وهى الناظرة على
أولادها فأوصت إلى شخص من بعد موتها أن ينظر على أولادها الصغار، هذه الوصية غير
صحيحة ليش؟
لأن الأم لا تملك النظر استقلالًا على أولادها الصغار، طيب ماتت الأم
الموصية ماذا نعمل؟ تحال المسألة إلى القاضي ويجعل القاضي من رأى فيه خيرًا حتى لو
رأى أن أمهم صالحة؛ لأن تكون ناظرة عليهم فلا بأس.
لو أن رجلًا أوصى إلى امرأته
في أولادها الصغار يجوز؟ أوصى إلى امرأته في النظر على أولادها الصغار؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: المرأة مسلمة
ولَّا كافرة؟
طلبة: مسلمة.
الشيخ: تصح الوصية إلى كل مسلم، مكلفة ولَّا عير مكلفة؟
(رشيدة) يعني: هي مكلفة رشيدة مسلمة تدخل في كلام المؤلف الأول تصح الوصية
إليها في النظر على أولادها.
وكثير من النساء تكون رعايتها لأولادها أفضل بكثير
من رعاية الرجال.
طالب: ذكرنا في (...) أنها
قاصرة.
الشيخ: إي، لكنها قاصرة متعدية.
الطالب: ذكرنا في تعريف المكلف ما يكون عاقلًا وبالغًا؛ فالعاقل
هو رشيد.
الشيخ: رشيد؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: العاقل رشيد؟!
لا.
طالب: (...).
الشيخ:
إي، الفقهاء لا يريدون بالعقل عقل الرشد خليها على بالك؛ يريدون بالعقل عقل
الإدراك؛ كلما رأيت في كلام الفقهاء (عاقل) فهو عقل الإدراك، وإلا لقلنا: إن الصلاة
لا تلزم إلا من كان عنده عقل رشد، أليس كذلك؟ إي نعم.
طالب: هل تصح وصية الوكيل.
الشيخ:
أيش؟
طالب: لو وكَّل أحد أبناءه (...) هل تصح وصية
الوكيل؟
الشيخ: إي نعم، يقول: هل يصح أن يوصي
الوصي؟
الجواب: لا، لا يصح أن يوصي الوصي؛ يعني: لو كان شخص عنده أولاد كبار
وصغار فأوصى أحد الكبار على أولاده الصغار ثم مات الكبير، والصغار ما زالوا صغارًا؛
هل لهذا الكبير الذى أوصي إليه أن يوصي إلى شخص آخر؟ نقول: لا، لا يصح إلا إذا كان
أبوه قد جعل ذلك إليه؛ فقال الوصي: على أولادي ابني فلان، وله أن يوصي من شاء
فحينئذ يصح، لكن إذا قلنا: إن الأب لم يوصِ ومات الوصي، ماذا تكون حال الأولاد
الصغار؟
طالب: يرفعون إلى الحاكم.
الشيخ: يرفعون إلى الحاكم؛ «السُّلْطَانُ
وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» .
طالب: (...).
الشيخ: ما يكفي، لا؛
لأنه قد يكون ناسيًا للأولى، ولو ذُكِّرَ بها لعدل عن الثانية، وقد يكون ناسيًا
للأولى، ولو ذُكِّرَ بها لقال: لا أريدها. أريد الثانية.
طالب: (...).
الشيخ: ما يكفي؛ ولهذا
أنا قلت لكم: الآن ينبغي لطالب العلم وغير طالب العلم اللي يكتب الوصايا أنه كلما
كتب وصية قال: هذه ناسخة لما قبلها، طبعًا بعد استئذان الرجل؛ يعني: ينبهه، يقول
له: لا تلخبط الناس بعدك، اكتب بأن هذه الوصية ناسخة لما سبق، ونحن نفعل هذا إذا
كتبنا وصية، سنكتب أن هذه الوصية ناسخة لما قبلها؛ لأنه أحيانًا تيجي وصايا متضاربة
يكون بالأول له فكر، ثم تغير فكره ونسي الأول وإلا لو ذُكِّرَ عند كتابة الثانية
لقال: أنا عدلت عن الأول.
***
الطالب: وإن ظهر على الميت دين يستغرق تركته بعد تفرقة الوصي لم يضمن، وإن قال: ضع ثلثي حيث شئت لم يحل له ولا لولده ومن مات بمكان لا حاكم فيه ولا وصي حاز بعض من حضره من المسلمين تركته، وعمل الأصلح حينئذ فيها من بيع وغيره.الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
رجل أوصى بالنظر على أولاد أخيه ما تقول؟
طالب: إذا كان أخوه موجودًا.
الشيخ: لا، أخوه ميت.
طالب: يصح.
الشيخ: تصح الوصية؟
طالب: ما تصح.
الشيخ: السؤال يا جماعة؛ رجل أوصى بالنظر على أولاد أخيه؟
طالب: لأنه لا يملكه لا يصح.
الشيخ: تصح ولَّا ما تصح؟
طالب: ما تصح.
الشيخ: لا تصح لماذا؟
طالب: لأنه لا يملكه.
الشيخ: لأنه لا يملكه ولا بد من أن يكون الموصي يملك ما أوصى به.
امرأة أوصت بالنظر في حق أولادها الصغار؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟
طالب: لأنها ما تملك.
الشيخ: لأنها لا تملك هذا.
أوصت بأن يزوج بناتها فلان؟
طالب: أن يزوج بناتها؛ لا يجوز.
الشيخ: ليش؟
طالب: ما تملك؛ لأنها ليست..
الشيخ: نعم لا تملك؛ لأنها هي نفسها لا تزوج كيف توصي لمن يزوج؟
وصى إلى زيد ثم وصى إلى بكر؟
طالب: يشتركان في الوصية ما لم يقل: (...).
الشيخ: أحسنت؛ يعني: ما لم يعزل الأول، إذا اشتركا هل يمكن لأحدهما أن ينفرد بالتصرف دون الآخر؟
طالب: حتى يستشير الآخر.
الشيخ: حتى يتفقا على ذلك.
طالب: إي نعم.
الشيخ: إذا كان بيديهما مال وضعاه في الصندوق كيف يمكن أن يكون تحت تصرفهما؟
طالب: إن اتفقا على عمل من الأعمال..
الشيخ: لا ما اتفقا الآن هو في الصندوق لكن كل واحد يخشى أن الثاني يتصرف في هذه الدراهم، فكيف يمكن أن نضبط المسألة؟
طالب: تحال للقاضي.
الشيخ: القاضي ماذا يفعل؟
طالب: القاضي يولي آخر.
الشيخ: مشكلة (...) من دول وهم أوصياء؛ يقول العلماء: يجعل للصندوق قفلان كل واحد بيده مفتاح قفل حينئذ ما يمكن يفتح إلا بحضورهما جميعًا؛ فقالوا يجعل قفلان وتكون بيد كل واحد مفتاح ففي هذه الحال لا يمكن أن يتصرف أحدهما إلا بحضور الثاني، وهذه حيلة طيبة؛ لأنه مشكل لو يكون المفتاح بيد واحد يمكن يتصرف، وإن جعلنا بيد كل واحد مفتاح والقفل واحد.
طالب: يتصرف في غيبة الآخر.
الشيخ: يتصرف أيضًا في غيبة الآخر فلا طريق إلا أن نجعل له قفلين ونعطي كل واحد مفتاح قفل.
طالب: ما يمكن يُعَيِّنُوا أمينًا على الصندوق؟
الشيخ: لا ما يلزمهم، الأمين قد لا يكون مؤتمنًا عند القاضي مثلًا.
***
يقول المؤلف رحمه الله: (ومن وُصِّيَ في شيء لم يصر وصيًّا في غيره) لأن الوصية تُسْتَفاد بالتعيين من الموصي، الوصي لا يملك التصرف إلا بإذن الموصي فيتقيد تصرفه بما عينه الموصي فمثلًا إذا وصى شخصًا على ثلث ماله فإن هذا الوصي لا يكون وصيًّا في تزويج بناته أو النظر على أولاده، لماذا؟لأنه إنما وُصِّيَ على الثلث ولو أوصى شخصًا بسدس ماله يجعله في المساجد وأوصى ثانيًا بسدس ماله يجعله في الفقراء فهل يملك الأول أن يصرف شيئًا مما وُصِّيَ إليه فيه في الفقراء؟
طالب: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنه إنما وصي للمساجد فقط، وهل يملك الثاني أن يصرف شيئًا مما وصي فيه إليه إلى المساجد؟ لا؛ والتعليل -كما قلت لكم- أن تصرف الوصي يكون بإذن الموصي فيتوقف على ما أُذِنَ له فيه فقط، والمسألة واضحة.
(وإن ظهر على الميت دين يستغرق بعد تفرقة الوصي لم يضمن) يعني أن الإنسان إذا أوصى بثلثه أن يصرف في طرق الخير فصرفهم الوصي، وبعد أن صرفه تبين أن على الميت دينًا يستغرق جميع التركة، الآن ثلث التركة قد مضى وانتهى ونفذ، فهل يضمن الوصي أو لا؟
يقول المؤلف: إنه لا يضمن؛ لماذا لا يضمن؟ لأنه تصرف بإذن الموصي على وجه جائز، وكل مَنْ تصرف على وجه جائز فإنه لا يضمن ما ترتب على تصرفه.
فإن قال قائل: لماذا لم ينتظر؟
فالجواب أنه إلى أي مدى ينتظر؟ لأن كل وقت يحتمل أن يظهر فيه دين، والوصي مأمور بالإسراع بتنفيذ الوصية، فإذا أخرها يومًا أو يومين خوفًا من أن يظهر دين، قال أيضًا: أؤجل شهراً أو شهرين خوفًا من أن يظهر دين، وحينئذ يؤدي إلى عدم تنفيذ الوصية. فنقول: هذا الوصي المشروع في حقه أن يبادر في تنفيذ الوصية، فإذا فعل ما هو مشروع في حقه ثم تبين ما ليس بعلمه فإنه لا ضمان عليه.
فإذا قال قائل: لماذا قال المؤلف: (دين يستغرق)؟
نقول: لأن الدين مقدم على الوصية فإذا كان عنده ثلاثة آلاف وأوصى بالثلث أن يصرف في الفقراء فنفذه الوصي نفذ الوصي ألفًا ثم ظهر أن على الميت ثلاثة آلاف معناها أن الثلث الذي نفذ مستحق بالدين، فهل نضمن الوصي؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا ما نضمنه ليش؟ لأن الوصي تصرَّف تصرفًا مأمورًا به شرعًا ومأمورًا به من قبل الموصي، فليس عليه اعتراض، ماذا يقول: صاحب الدين الآن؟ يقول صاحب الدين: آخذ ألفين. وبقي له ألف، ماذا يكون؟
طلبة: يؤخذ من الورثة.
الشيخ: نقول: الورثة ما ذنبهم قضاء الدين، الورثة أُخِذَ ما بأيديهم وهو ألفان، لكن بقي لصاحب الدين ألف، وصاحب الدين قد أمسك الوصي وقال: يلَّا أعطني، أنت الذي تبرعت بالمال فنقول: ليس لك حق في مطالبته وما بقي من دينك، فإن حسابه على الله عز وجل، وهذا الذي استدان إذا كان أخذ أموال الناس يريد أداءها فإن الله يؤدي عنه.
لو ظهر أن على الميت دينًا لا يستغرق؛ أن عليه ألفين فقط في المثال اللي ذكرنا، فهنا يأخذ الألفين من الورثة، ويزول الإشكال، لكن هل يرجع الورثة على الوصي بثلثي ما أنفق؟ لا؛ لأنه مأمور بالمبادرة إلى تنفيذ الوصية.
قال: (وإن قال: ضع ثلثي حيث شئت لم يحل له ولا لولده) إن قال مَن؟ إن قال الموصي للوصي: (ضع ثلثي حيث شئت لم يحل له ولا لولده) (لم يحل له)؛ لأنه لو أراد الموصي أن ينفع الوصي لقال: أوصيت لك، لا يقول: أوصيت إليك. يقول: أوصيت لك بألف، ولا يقول: أوصيت إليك بألف؛ لأن بينهما فرقًا؛ (أوصيت لك) يعني أنه ملك لك. (أوصيت إليك) يعني أنك تتصرف فيه وليس لك.
المهم لو قال: (ضع ثلثي حيث شئت لم يحل له)؛ لأنه لو أراد نفعه لأوصى به له مباشرة.
(ولا يحل لولده) لماذا؟ لأنه متهم؛ فإنه من الجائز أن يكون هناك مَنْ هو أحق من الولد، ولكن يصرفه للولد لأنه ولده، وكذلك أيضًا لم يحل لوالده أو أمه فلا يصرفه لا لأصوله ولا لفروعه؛ لأنه متهم.
وقوله: (حيث شئت) هل يجوز أن يضعه في الأشياء المباحة أو في الأشياء المحرمة؟ لا، لا يجوز؛ لأنه من المعلوم أن قصد الموصي بقوله: (حيث شئت) يعني: من أعمال البر فضعه في صدقة، في شراء الكتب، في إنفاق على طلبة العلم، في إصلاح طرق، في مساجد، في غير ذلك من وجوه الخير. أما أن تصرفه في شيء مباح فهذا يعلم بالضرورة أن الموصي لم يرده. إذن ما الذي يمتنع في مثل هذا؟
يمتنع شيئان:
الشيء الأول: أن يصرفه إلى نفسه أو أصوله أو فروعه؛ لأنه متهم.
والشيء الثاني: أن يصرفه في غير عمل مشروع.
فإن قال قائل: كيف نجيب عن قوله: (حيث شئت)؟
فالجواب أن يقال: إنه من المعلوم أن الموصي إنما أوصى بالمال يريد الثواب، ولا ثواب إلا في شيء مشروع.
***
(ومن مات بمكان لا حاكم فيه ولا وصي حاز بعض من حضره من المسلمين تركته وعمل الأصلح حينئذ فيها من بيع وغيره) من مات بمكان ليس فيه حاكم وليس فيه وصي؛ يعني: في السفر مثلًا رجل سافر مع رفقة، ثم مات في مكان ليس فيه حاكم في البر وليس فيه وصي؛ يعني أن الميت لم يوصِ لأحد، وهذا يقع كثيرًا ولا سيما في عهد الحوادث؛ جماعة مسافرون في سيارة وحصل حادث ومات أحدهم، هذا الميت الآن ما أوصى كما هو المعروف، ما أوصى إلى واحد من رفقائه؛ ما قال: يا فلان، أنت وصي على مالي حُزْه واحفظه حتى تأتي إلى أهلي؛ ما قال هكذا، البر ليس فيه حاكم، معروفة، القضاة في البلاد؛ فهل نقول لهولاء الرفقة: اتركوا ماله ليس لكم حق أن تتصرفوا فيه؟ لا، يجب عليهم؛ ولهذا قال: (حاز بعض من حضره) حاز وجوبًا، وأما (جاز) فالنسخة غلط، بل هي (حاز) وجوبًا بعض من حضره؛ يعني ممن تحصل بهم الكفاية.وقوله: (عمل الأصلح فيها من بيع وغيره).
لو قال قائل: كيف يجوز أن يبيع مالم يوكل فيه؟ نقول: هذه ولاية ضرورة، ولنفرض أن هذا الرجل معه مال يفسد لو بقي كلبن مثلًا فلمن حضره -بل يجب على من حضره- أن يبيع هذا اللبن من أجل ألا يفسد، أو معه لحم يجب أن يبيع اللحم من أجل ألا يفسد؛ ولهذا قال: (عمل الأصلح فيها من بيع وغيره).
هل له أن يتبرع بها على الفقراء؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم؟! لا، لا يتبرع؛ لأن هذا ليس من صالح الورثة، والورثة لو تبرع لطالبوه، وصل الرجل الذي تولى على تركة الميت إلى البلد فطالبه الورثة بالضمان وقالوا: ليش تبيع هذا وليش تحوزه؟ فما الجواب على ذلك؟ الجواب أن نقول: إن هذا الرجل محسن، وقد قال الله تعالى: مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة: ٩١] ونحن نعلم أنكم إنما طالبتموه من باب التحدي، وإلا فإن الأصلح له ولكم أن يتولى هذا الرجل التركة ويعمل الأصلح.
***
ثم قال المؤلف: (كتاب الفرائض) الفرائض جمع فريضة وتطلق على معانٍ متعددة؛ منها الفرائض في الاصطلاح وهى نصيب مقدر شرعًا لوارث، هذه الفرائض. جمع فريضة؛ وهى أي الفريضة نصيب مقدر شرعًا لوارث فقولنا: (نصيب مقدر شرعًا) خرج به الوصية؛ لأن الرجل إذا أوصى بالسدس مثلًا فهو نصيب مقدر، ولكنه ليس مقدرًا شرعًا إنما مقدر من قبل الموصي.وقولنا: (شرعًا لوارث) خرج به الزكاة فإن الزكاة مقدرة شرعًا؛ ربع العشر، نصف العشر، العُشر، لكنه لوارث أو لغير لواراث؟ لغير وارث وخرج به أيضًا الإرث بالتعصيب؛ لأن الإرث بالتعصيب ليس بمقدر حينئذ نقول: الفرائض جمع فريضة، وهى اصطلاحًا نصيب مقدر شرعًا لوارث، الوصية بالسدس تدخل في التعريف أو لا؟
طلبة: تخرج.
الشيخ: تخرج؟ تخرج من التعريف بقولنا: (شرعًا لوارث) تخرج به الزكاة؛ لأنها نصيب مقدر شرعًا ولكن لغير الوارث. الإرث بالتعصيب لا يدخل؛ لأنه غير مقدر.
واعلم أن الميت إذا مات تعلق بتركته خمسة حقوق: الأول مؤن التجهيز، والثاني الدين برهن، والثالث الدين بلا رهن، والرابع الوصية، والخامس الإرث؛ هذه خمسة حقوق تتعلق بالتركة، بمجرد موت الإنسان وهى مرتبة على المشهور من مذهب الإمام أحمد مرتبة هذا الترتيب.
أولًا: مؤن التجهيز. كيف مؤن التجهيز؟ الميت إذا مات يحتاج إلى تجهيز، يحتاج إلى تغسيل وإلى كفن وإلى حنوط وإلى من يحمله، إذا لم نجد من يتطوع بحمله إلى المقبرة تؤخذ هذه النفقات من التركة قبل كل شيء، لو قدَّرْنَا أن التركة بمقدار هذه المؤن فهل يبقى للدين شيء؟ للوصية؟ للإرث؟ ما يبقى شيء؛ سرقتها مؤن التجهيز.
الثاني الدين برهن، بعد هذا الدين برهن؛ فلو فرض أن هذا الميت مات وعنده عشرون ريالًا تجهزه وعنده سيارة مرهونة لشخص بعشرة آلاف وعليه دين لآخرين بثلاثين ألفًا؛ الديون الآن دين برهن، ودين بغير رهن. كم اللي بغير رهن؟
طلبة: ثلاثون.
الشيخ: ثلاثون ألفًا؛ الدين برهن بعشرة آلاف؛ مؤن التجهيز عشرون ريالًا. وجدنا عند هذا الرجل لما مات وجدنا عنده عشرين ريالًا، والسيارة المرهونة فقط ماذا نعمل؟
تُصْرَف العشرون في مؤن التجهيز وتصرف السيارة في الدين التى هي رهن به وبقية الديون؟
طالب: سقطت.
الشيخ: سقطت لا يعطى أهلها شيئًا. فإذا قال أهل الديون: نريد أن نشارك صاحب الدين الذي فيه رهن. قلنا لهم: لا، ليس لكم ذلك؛ لأن صاحب الرهن مقدم برهنه. الثالث ما هو؟
طلبة: الدين بلا رهن.
الشيخ: الدين بلا رهن؛ هلك هالك فخلف ثلاثين درهمًا وثلاث مئة درهم، وكان عليه دين بقدر ثلاث مئة درهم بدون رهن. ومؤن التجهيز بثلاثين درهمًا، ولم يخلف إلا ثلاث مئة وثلاثين درهمًا.
طلبة: تُصْرَف في مؤن التجهيز.
الشيخ: تصرف في مؤن التجهيز وفي الدين. إذا كان قد أوصى بالثلث تسقط؛ تبطل الوصية. الورثة؟
طلبة: ليس لهم شيء.
الشيخ: ليس لهم حق؛ لأن الدين مقدم.
بقي عندنا الوصية ثم الإرث لننظر نحن نقول: نقدم الوصية ثم الإرث. كيف نقول: نقدم الوصية ثم الإرث مع أن الوصية لا تصح بزائد على الثلث؟
نقول: نعم؛ لأننا نأخذ الثلث للوصية من رأس المال، ونقسم الميراث على حسب نصيب كل واحد بعد أخذ الوصية، وبهذا يتضح تقديم الوصية على الميراث كذا؟
يتضح بالمثال؛ رجل خلَّف ابنين وأوصى بالثلث وخلف ستة آلاف درهم. الآن لولا الوصية لقسمنا الستة آلاف على الابنين لكل واحد ثلاثة لكن لا، قال: إذا أوصى بالثلث نأخذ من الستة ألفين، ثم نقسم الباقي على الابنين فيأخذ كل واحد ألفين. إذن نقص نصيب كل واحد ولَّا لا؟ والوصية أُخِذَت كاملة، وإلا لو أننا ساويناها بأصحاب الفروض ما أخذ الثلث كاملًا كان يقول: عندنا ثلث ونصف؛ المسألة من ستة؛ لأن اثنين في ثلاثة بستة للوصية الثلث ولكل واحد من الأبناء ثلث لولا الوصية لكان لكل واحد من الأبناء النصف فلهذا تبين أن الوصية مقدمة على الميراث.
يرى بعض العلماء ومنهم الشافعي رحمه الله أن الدين برهن مقدم على التجهيز؛ مثاله رجل مات وله سيارة مرهونة بدين وليس عنده سواها؛ فعلى مذهب الإمام أحمد تباع السيارة ويؤخذ لمؤن التجهيز والباقي للمرتهن. وعلى رأي الشافعي تعطى السيارة للمرتهن ومؤن التجهيز تكون على مَنْ تلزمه نفقته من الأقارب، فإن لم يكن له أقارب أو كانوا لا يجدون فعلى من علم بحاله من المسلمين؛ لأنه فرض كفاية فإن لم يقم بذلك أحد فعلى بيت المال.





