تفسير آيات من سورة الأعلى
عدد الزيارات 1025

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فهذا هو اللقاء الرابع والخمسون من اللقاء المسمى بلقاء الباب المفتوح، ونتكلم على ما تبقى من سورة الأعلى.

تفسير قوله تعالى: (ويتجنبها الأشقى): 

قال تعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ [الأعلى:11] أي: يتجنب هذه الذكرى، ولا ينتفع بها، والأشقى هنا اسم تفضيل من الشقاء، وهو ضد: السعادة، كما في سورة هود: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ ۞ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود:107-108] ،فالأشقى -والعياذ بالله- المتصف بالشقاوة يتجنب الذكرى، ولا ينتفع بها، والأشقى هو: البالغ في الشقاوة غايتها وهذا هو الكافر، فإن الكافر يذكر ولا ينتفع بالذكرى.

تفسير قوله تعالى: (الذي يصلى النار الكبرى): 

قال تعالى: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ۞ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ [الأعلى:12-13]، الذي يصلى النار الموصوفة بأنها الكبرى وهي: نار جهنم؛ لأن نار الدنيا صغرى بالنسبة لها، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «ناركم جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم» أي: إن نار الآخرة فضلت على نار الدنيا بتسع وستين ضعفاً، والمراد: نار الدنيا كلها ليست ناراً مخصوصة، بل هي أشد ما يكون من نار الدنيا، فإن نار الآخرة فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً؛ ولهذا وصفها الله بقوله: ﴿النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى:12]، ثم إذا صلاها لا يموت فيها ولا يحيا، المعنى: لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة سعيدة، وإلا فهم أحياء في الواقع، لكنهم أحياء معذبون ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء:56]، كما قال الله -عز و جل-: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾[الزخرف:77] ،وهو خازن النار ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:77] أي: يهلكنا ويريحنا من هذا العذاب ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:77] فيها العذاب المقيم، ويقال لهم: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:78]. هذا معنى قوله: ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ [الأعلى:13]؛ لأنه قد يشكل على بعض الناس كيف يكون الإنسان لا حي ولا ميت؟ فيقال: لا يموت فيها ميتة يستريح بها، ولا يحيا حياة يسعد بها، فهو -والعياذ بالله- في عذاب، وجحيم، وشدة، يتمنى الموت، ولكن لا يحصل له، هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى ﴾[الأعلى:13].