الحمد الله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذا هو اللقاء الرابع والتسعون بعد المائة من لقاءات الباب المفتوح التي تتم كل يوم خميس، وهذا الخميس هو الرابع عشر من شهر شعبان عام (1419هـ). وبما أن الطلاب في زمن امتحان; فإننا سنجعل هذا اللقاء اليوم آخر لقاءٍ لنا في هذا الشهر، ونستأنف اللقاء إن شاء الله تعالى بعد العيد، وبناءً على ذلك نتكلم بما ييسر الله عز وجل من الصيام وأحكامه.
مكانة الصيام من ديننا وفرضيته:
إن الدين الإسلامي بني على خمسة أركان -خمسة دعائم- هي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وأداء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام.
فالصيام أحد هذه الأركان، فرضها الله عز وجل في السنة الثانية من الهجرة، ومن تيسير الله تعالى على عباده أن من شاء صام، ومن شاء أطعم في أول الأمر، ثم تعين الصيام، فصار صيام رمضان فرض عين، ولا يُعدل عن الصيام إلى الإطعام إلا إذا كان الإنسان يعجز عنه -أي: عن الصيام- عجزاً مستمراً فإنه يطعم عن كل يومٍ مسكيناً.
شروط الصيام:
الصيام لا يجب إلا بشروط:
الشرط الأول: الإسلام.
والثاني: البلوغ.
والثالث: العقل.
والرابع: القدرة.
والخامس: الإقامة.
والسادس: ألا يكون هناك مانع.
الشرط الأول: الإسلام وضده الكفر، فالكافر لا يجب عليه الصوم، ولا يؤمر به ولا ينصح به، وإذا أسلم فإنه لا يلزمه القضاء؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:38].
الشرط الثاني: البلوغ وضده الصغر، فالصغير الذي دون البلوغ لا يلزمه الصوم، ولكن يؤمر به ليعتاده، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يصومون أولادهم الصغار حتى إن الواحد من هؤلاء الصغار ليبكي فيعطونه العهن يتلهى به -يعني شيئاً يتلهى به- حتى تغرب الشمس.
الشرط الثالث: العقل وضده فقد العقل، سواءً كان بالجنون، أو كان بغيبوبة من حادث، أو كان ببلوغ الكبر حتى يهذي في كلامه ولا يعرف، فهؤلاء كلهم ليس عليهم صيام، وليس عليهم إطعام، فلو أصيب الإنسان بحادث قبل دخول شهر رمضان ولم يفق منه إلا بعد خروجه فلا شيء عليه؛ لأنه ليس من أهل الوجوب، ولذلك لا يقضي الصلاة، ولا يقضي غيرها مما يجب في ذلك الوقت، وكذلك للذي يهذي، وهو الذي بلغ السن الكبيرة ليس عليه صيام، ولا إطعام؛ لأن هؤلاء كلهم بمنزلة الصغار.
الشرط الرابع: القدرة وضدها العجز، فمن عجز عن الصيام فلا صيام عليه، لكن إن كان عجزه عارضاً يرجى زواله، كالمرض العادي فإنه ينتظر حتى يشفيه الله، ثم يقضي؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:185].
وإن كان عجزه لازماً -أي: مستمراً- كالكبير العاجز عن الصوم، والمريض مرضاً لا يرجى برؤه، فإنه يطعم عن كل يومٍ مسكيناً، إما أن يعطي كل واحدٍ كيلو من الرز عن اليوم الواحد، وإما أن يجمعهم على غداءٍ، أو عشاء، وإذا أعطاهم غير مطبوخ فينبغي أن يجعل معه شيئاً يؤدمه من لحمٍ، أو غيره.
الشرط الخامس: الإقامة وضدها السفر، فالمسافر لا صوم عليه، حتى لو كان لا يشق عليه فإنه مخير بين الصيام، والفطر، والأفضل أن يصوم إلا مع نوعٍ من المشقة فليفطر.
وإنما قلنا: الأفضل أن يصوم؛ لأسباب:
الأول: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر يصوم، ولم يفطر إلا مراعاةً لأصحابه حيث قيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، قال أبو الدرداء رضي الله عنه: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان في حرٍ شديد، حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وأكثرنا ظلاً صاحب الكساء وما فينا صائمٌ إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعبد الله بن رواحة".
ثانياً: أنه إذا صام صار أسهل عليه؛ لأن الناس كلهم صُوَّم، فيكون هذا أسهل عليه، أسهل عليه من القضاء؛ لأن القضاء ثقيل على الإنسان حيث أنه ينفرد به، وربما يتمادى به الوقت حتى يأتي رمضان الثاني.
ثالثاً: أنه يدرك فضيلة الزمن، وهي فضيلة شهر رمضان.
رابعاً: أنه أسرع في إبراء الذمة، لكن إذا حصل نوع مشقة ولو يسيرة فالأفضل أن يفطر.
الشرط السادس: ألا يوجد مانع، وذلك خاصٌ بالنساء، والمانع هو الحيض والنفاس؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في المرأة: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم» لكن عليهما القضاء.
فإن قال قائل: الحامل هل يلزمها أن تصوم؟ فالجواب: إذا كان لا يضرها ولا يضر ولدها وجب عليها أن تصوم، وإن كانت تخشى على نفسها، أو ولدها، فلها أن تفطر، وتقضي فيما بعد.
حقيقة الصوم.. وما يمسك عنه الصائم.. وبعض آدابه وأحكامه:
عن ماذا يصوم الإنسان؟ هل هو عن الأكل والشرب والجماع والمفطرات؟
الجواب: نعم. هذا هو الصوم الحسي، الذي يستطيعه كل إنسان، لكن الصوم الحقيقي: هو أن يصوم عن محارم الله؛ لقوله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:183] هذه هي الحكمة أن يتقي الإنسان ربه، لا أن يترك الطعام والشراب والنكاح، وفسر هذه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه» فيتأكد على الصائم اجتناب المحرمات أكثر من غيره، فلا يغتاب أحداً، ولا يكذب، ولا يمشي بالنميمة، ولا يغش بالبيع والشراء، ولا يتعامل بالربا، ولا يسب والديه، المهم أن يتجنب جميع المحرمات، ولا يتهاون بالواجبات.
والعجب أن بعض الناس يصوم ولا يصلي، إما أنه لا يصلي مطلقاً، وإما أنه لا يصلي مع الجماعة، فأما من لا يصلي مطلقاً فصومه مردود؛ لأنه كافر، ولا يقبل منه أي عبادة، وأما من لم يصلّ مع الجماعة فإنه آثم، عاصٍ لله ورسوله، وصيامه ناقص، فأهم شيءٍ في الصيام هو تقوى الله عز وجل -أسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذلك.
أما ما يصوم عنه من الأمور الحسية: فهو الأكل والشرب والجماع وبقية المفطرات؛ لقول الله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:187] فيجب على الإنسان من حين أن يتبين له الفجر أن يمسك إلى أن تغرب الشمس.
والمفطرات كلها محصورة: الأكل والشرب، والجماع، وإنزال المني بشهوة، باستمناءٍ، أو تقبيل، أو غير ذلك، والتقيؤ عمداً، وإخراج الدم بالحجامة، وخروج دم الحيض والنفاس، هذه المفطرات، ومع ذلك لا تفطر إلا بشروط:
الشرط الأول: أن يكون الإنسان عالماً بالوقت، وعالماً بأن هذا مفطر، يعني: لابد من العلم بشيئين: بالوقت يعني: يعلم أنه في النهار. والثاني: عالم بأن هذا الشيء مفطر.
الشرط الثاني: أن يكون ذاكراً، أي: ليس ناسياً.
الشرط الثالث: أن يكون مريداً للمفطر.
فللنظر: أن يكون عالماً، وضد العالم: الجاهل، فلو أن الإنسان فعل شيئاً من المفطرات يظن أنه ليس بمفطر، فلا شيء عليه، مثل أن يحتجم، ويظهر منه الدم، يظن أن ذلك لا يفطر، فنقول: صيامه صحيح.
وكذلك الجاهل بالوقت، لو أنه أكل وشرب فلما خرج من بيته وجد الناس قد صلوا صلاة الفجر، فهذا ليس عليه شيء؛ لأنه جاهل بالوقت، وهذا يقع كثيراً، بعض الناس لا يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر فيظن أن الفجر لم يطلع، فيأكل ويشرب، ومثل ذلك: لو كان في البر، وكانت السماء غيماً، وليس حوله أذان، فظن أن الشمس قد غربت فأفطر، ثم ظهرت الشمس من وراء الغيم، فصومه صحيح؛ لأن هذه القضية وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنهم أفطروا في يوم غيم ظنوا أن الشمس قد غربت ثم ظهرت الشمس بعد إفطارهم، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالقضاء، وسبب ذلك: أنهم كانوا جاهلين بالوقت، يظنون أن الليل قد دخل.
وضد الذكر النسيان، فلو أكل الإنسان، أو شرب ناسياً أنه صائم، فصومه تام؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:286] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه».
الشرط الثالث: أن يكون مختاراً مريداً للفعل، فإن كان غير مختار فصيامه صحيح، لو تمضمض الإنسان، وفي أثناء التمضمض نزل الماء بدون قصد إلى بطنه فصيامه صحيح؛ لأنه غير مريد، وكذلك لو احتلم وهو نائم فصيامه صحيح؛ لأنه بغير اختيار، كل هذا من نعم الله على عباده وتيسيره عليهم، ولهذا قال عز وجل في آية الصيام: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:185].
فضل السحور:
ومما ينبغي للصائم أن ينوي بسحوره -أي: في تسحره- امتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: «تسحروا فإن في السحور بركة».
ثانياً: أن ينوي التأسي برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه كان يتسحر.
ثالثاً: أن ينوي بذلك مخالفة أهل الكتاب؛ لأنهم كانوا لا يتسحرون; ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فصل ما بيننا وبين أهل الكتاب» -يعني في الصيام- «أكلة السحور» لأن السحور يعني الطعام، والسحور يعني الفعل.
من آداب الإفطار:
وينبغي -أيضاً- للصائم أن يبادر إلى الإفطار إذا تيقن غروب الشمس، سواءً أذن أو لم يؤذن المغرب، أو غلب على ظنه أن الشمس قد غربت؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا يزال الناس بخيرٍ ما عجلوا الفطر» ويفطر على رطب أولاً، فإن لم يمكن فعلى تمر، فإن لم يمكن فعلى ماء، وليحرص على كثرة الدعاء في حال الصيام، لا سيما عند الإفطار فإن ذلك حريٌ بالإجابة.
والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.





