السؤال:
فضيلة الشيخ محمد، هذه الرسالة الأولى التي بين أيدينا وردتنا من الأخ في الله عماد إبراهيم أبو الدهب من جمهورية مصر العربية، المستمع قد استمع إلى حلقةٍ كما أشار إليها في يوم السبت الموافق 22/10/1401هـ، ويسأل عن ردكم على إحدى المستمعات التي تقول: هل يجوز الدعاء لله عز وجل والتوسل إليه بجاه الأنبياء أو بجاه عباده الصالحين؛ بمعنى أن نقول اللهم إنا نسألك بجاه نبيك صلى الله عليه وسلم أن تغفر لنا ذنوبنا، وخلاف ذلك من الدعاء؟ ويقول: إنكم قد أشرتم في إجابتكم إلى أنه إذا وجد حديث يخالف عدم الجواز فيرسل إلينا، وأنه وجد حديثاً في نيل المرام يقول فيه.
الشيخ: في بلوغ المرام.
السؤال: في بلوغ المرام، يقول الحديث: عن أنسٍ رضي الله عنه عن عمر رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال: اللهم إنا كنا نستسقي إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. فيُسقون. رواه البخاري. يقول: فما رأي فضيلة أستاذنا الجليل في ذلك؟ هل له من صحة أم من الأحاديث الضعيفة الزائدة؟ والله الموفق.
الجواب:
الشيخ: الحمد لله رب العالمين. قبل أن أجيب عن هذا السؤال أولاً أشكر الأخ على تعاونه مع إخوانه؛ لأن هذا من التعاون على البر والتقوى، فإن الإنسان بشر يخطئ ويصيب ويذهل عن الشيء ويغيب، والشريعة ليس محصورةً على أحدٍ معينٍ من الناس، بل كل من آتاه الله تعالى علماً وفهماً وإخلاصاً فإن له الحق في أن يتكلم بما آتاه الله تعالى من علمٍ وفهمٍ وإخلاص، وهذا هو واجب كل مسلم في هذا الباب وغيره أن يكون ناصحاً لإخوانه حريصاً على حفظ شريعة الله؛ إذا تكلم أحدٌ فيها بخطأ حاول إصلاح الخطأ على وجه الحكمة والصواب. وأما بالنسبة لسؤاله فهذا الحديث الذي أشار إليه هو حديثٌ صحيح رواه البخاري، ولكن من تأمله وجد أنه دليلٌ على عدم التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره، وذلك أن التوسل هو اتخاذ الوسيلة، والوسيلة هي الشيء الموصل إلى المطلوب، والوسيلة المذكورة في هذا الحديث: نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. المراد بها التوسل إلى الله تعالى بدعائه؛ لأن عمر قال للعباس: قم يا عباس فادعُ الله. فدعا. ولو كان هذا من باب التوسل بالجاه لكان عمر رضي الله عنه يتوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يتوسل بجاه العباس؛ لأنه لا شك أن جاه النبي صلى الله عليه وسلم عند الله أعظم من جاه العباس وغيره، فلو كان هذا الحديث من باب التوسل بالجاه لكان الأجدر بأمير المؤمنين عمر أن يتوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم دون جاه العباس بن عبد المطلب. والحاصل أن التوسل إلى الله تعالى بدعاء من تُرجى فيه إجابة الدعاء لصلاحه لا بأس به، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يتوسلون إلى الله بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم، وكذلك أيضاً عمر توسل بدعاء العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه. فلا بأس إذا رأيت رجلاً صالحاً حرياً بالإجابة بكون طعامه وشرابه وملبسه ومسكنه حلالاً، وكونه معروفاً بالعبادة والتقوى أن تسأله أن يدعو الله لك بما تحب، بشرط ألا يحصل في ذلك غرورٌ لهذا الشخص الذي طُلب منه ذلك الدعاء، فإن حصل منه غرورٌ بذلك فإنه لا يحل لك أن تقتله وتهلكه بهذا الطلب منه؛ لأن ذلك يضره. كما أنني أيضاً أقول: إن هذا جائز، ولكنني لا أحبذه، وأرى أن الإنسان يسأل الله تعالى بنفسه دون أن يجعل له واسطة بينه وبين الناس؛ لأن ذلك أقوى في الرجاء، وأقرب إلى الخشية. كما أنني أيضاً أرغب في أن الإنسان الذي طلب من أخيه الذي ترجى إجابة دعائه أن يدعو له أن ينوي بذلك الإحسان إليه -أي إلى هذا الداعي- دون دفع حاجة هذا المدعو له، إلا أن ذلك إذا طلبه من أجل دفع حاجته صار كسؤال المال وشبهه المذموم، وأما إذا قصد بذلك نفع أخيه الداعي بالإحسان إليه -والإحسان إلى المسلم يثاب عليه المرء مثل ما هو معروف- صار هذا أولى وأحسن.





