تشدد على نفسها في تطهير الأشياء خوفا من النجاسة
عدد الزيارات 81010

السؤال:

جزاكم الله خيراً. هذه السائلة ع.ع من الكويت الصباحية تقول أنها مصابة بالوساوس في الطهارة والحدث في الصلاة، فأما بالنسبة للطهارة فتقول: إنني أتشدد في غسل كل شيء يقع عليه بول الأطفال. لأنها أم لثلاثة أطفال، وكثيراً ما تتعرض للنجاسة، حيث إنهم يبولون على السجاد أو على ملابسهم أو عندما تغسل ملابسهم النجسة تقع نقط من الماء على ملابسها. أصبحت لا تطيق النجاسة، وتتضايق كثيراً عندما ترى أحد أطفالها قد بال على شيء أو بال في  ملابسه، وأصبحت تشك في كل شيء يلمسه الأطفال كمقبض الباب أو الطاولات أو السجاد وملابسهم ونحو ذلك. فتقول: أرجو أن تجدوا لي حلاً لهذه الوساوس لأنني قد وصلت إلى درجة أنني أصبحت أتثاقل عن أداء الصلوات، وأحسب لها ألف حساب، فإذا بال الطفل على السجاد فكيف يمكن تطهيره؟ وأقصد بالسجاد الذي يفرش في الغرف، فلا يمكن نقله، وكم يكفي من الماء لتطهيره؟ وإذا وطئت بقدمي السجاد وهو مبلول بالماء الذي غسل به فهل تكون رجلي قد تنجست؟ فما العمل لو تركت النجاسة حتى جف موقعها واشتبه علينا؟ وفي الحقيقة بقي لنا أسئلة كثيرة حول النجاسة هل نذكرها فقرة فقرة أو نستمر؟

الجواب:


الشيخ: فقرة فقرة.
السؤال: هاتان الفقرتان الأوليان تقول: إذا بال الطفل على السجاد فكيف يمكن تطهيره؟ وهو السجاد الذي لا يمكن نقله، وكم يكفي من الماء لتطهيره؟

الشيخ: الإجابة عن هاتين المسألتين الفرعيتين نجيب عن أصل الداء وهو الوساوس: هذا مما يلقيه الشيطان في قلب ابن آدم، والشيطان كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِير﴾ وهو حريص على كل ما يغيظ الإنسان، ويحول بينه وبين السعادة في الدنيا والآخرة كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. فالشيطان حريص على  فساد ابن آدم والإفساد عليه في دينه ودنياه، وهذه الوساوس التي تقع لبعض بني آدم سواء كانت وساوس في العقيدة وفيما يتعلق بالرب جل وعلا، أو فيما يتعلق بالرسول صلى الله وسلم، أو فيما يتعلق بالإسلام عموماً، أو في مسألة من مسائل الدين: الصلاة، والوضوء، والطهارة، وما أشبه ذلك. ودواء ذلك كله ما أرشد الله إليه وأرشد إليه رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ وقال النبي عليه الصلاة والسلام لرجل شكا إليه أن الشيطان يحول بينه وبين صلاته أن يقول إذا أحس به أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فدواء هذا الداء الذي نسأل الله تعالى أن يعافينا وإخواننا المسلمين منه أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن يدعه، وأن يلهو عنه، وألا يلتفت إليه مطلقاً حتى لو وسوس له الشيطان بنجاسة شيء أو بالحدث وهو لم يتيقن ذلك فلا يلتفت إليه، وإذا داوم على تركه والغفلة عنه وعدم الالتفات إليه فإنه يزول بحول الله. أما المسألة الثانية أولا إذا بال الصبي على فراش لا يمكن نزعه كالفرش الكبيرة التي تكون في الحجر والغرف فإن تطهيرها يكون بصب الماء عليها، فإذا صب الماء عليها وفرك باليد يؤتى باسفنجة لتمتص هذا الماء ثم يصب عليه ماء آخر، ويفعل به كذلك ثم مرة ثالثة، وبهذا يطهر المحل إذا كان مجرد بول، أما إذا كان شيئاً آخر له جِرم فلا بد من إزالة الجرم أولا ثم التطهير.
السؤال: أما بالنسبة لهذه الفقرة هل في هذا فرق بين ما إذا كان الطفل ذكراً أم أنثى؟

الشيخ: بالنسبة لغير البول لا فرق بين الذكر والأنثى، وبالنسبة للبول فإن البول إذا كان من طفل ذكر لا يأكل الطعام فإنه يكفي فيه النضح. والنضح معناه أن يصب الماء صباً بدون فرك وبدون غسل.
السؤال: والبنت؟

الشيخ: البنت كغيرها، لابد أن يغسل.
السؤال: لا بد أن تغسل. الفقرة الثانية تقول: إذا وطئت بقدمي الفراش وهو مبلول بالماء الذي غسل به فهل تكون رجلي قد تنجست في هذا البول؟ وما العمل لو تركت النجاسة حتى جف موقعها واشتبه علينا؟

الشيخ: إذا وطأت برجلك وهي رطبة على هذا الموضع الذي طهر فإنه لا يؤثر؛ لأن المكان صار طاهراً، وأما ترك هذا المكان حتى يجف أن يشتبه فإن هذا لا ينبغي، وإذا قدر أنه وقع واشتبه الأمر فإنه يجب التحري بقدر الإمكان ثم يغسل المكان الذي يظن أنه هو الذي أصابته النجاسة. وقلت أنه لا ينبغي تأخير غسل النجس؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان منهجه المبادرة في إزالة النجاسة، فإنه أُتي له بصبي  فوضعه في حجره فبال عليه صلى الله عليه وسلم، فدعا عليه الصلاة والسلام بماء فأتبعه إياه ولم يؤخر غسله. ولما بال الأعرابي في طائفة المسجد -أي في جانب منه- أمر النبي عليه الصلاة والسلام بذنوب من ماء فأريق عليه فوراً. فعلم من هذا أن هدي الرسول عليه الصلاة والسلام هو المبادرة في إزالة النجاسة وذلك لسببين: أولا المسارعة إلى إزالة الخبث والأذى؛ فإن الأذى والخبث لا يليق بالمؤمن، فالمؤمن طاهر، وينبغي أن يكون كل ما يلابسه طاهراً. وثانياً أنه إذا بادر بغسله أسلم عاقده؛ لأنه ربما ينسى إذا أخر غسله عن فوره وحينئذ قد يصلي بالنجاسة، وربما يتلوث أو ربما استعدى ماء النجاسة إلى مكان أكثر. وأقول: ربما يصلي بالنجاسة. وليس معنى ذلك أنه إذا صلى بالنجاسة ناسياً أن صلاته تبطل، فإن القول الراجح أنه إذا صلى بالنجاسة ناسيا ًأو جاهلاً فإن صلاته صحيحة، مثل لو أصاب ثوبه نجاسة تهاون في غسلها -أي لم يبادر بغسلها- ثم صلى ناسياً غسلها فإن صلاته تصح لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. وكذلك لو كان جاهلاً بها لم يعلم بها إلا بعد أن صلى فإن صلاته تصح للآية السابقة لصلاة الرجل إذا صلى وهو محدث ناسياً أو جاهلاً فإنه يجب عليه إعادة الصلاة لو نقض وضوءه ثم حضرت الصلاة فصلى ناسياً أنه نقض وضوءه ثم ذكر بعد ذلك فإنه يجب عليه أن يعيد الصلاة بعد الوضوء، وكذلك لو دعي إلى وليمة فأكل لحما لا يدري ما هو وصلى ثم تبين له بعد صلاته أنه لحم إبل فإنه يجب عليه أن يتوضأ ويعيد الصلاة وإن كان جاهلاً حين أكله أنه لحم إبل. والفرق بين هذا وبين الأول؛ يعني الفرق بين من صلى محدثاً ناسياً أو جاهلاً فإنه يجب عليه إعادة الصلاة دون من صلى بنجاسة ناسياً أو جاهلاً فإنه لا يجب عليه إعادة الصلاة، الفرق بينهما أنه في مسألة الحدث ترك مأموراً، وترك المأمور ناسياً أو جهلاً يسقط الإثم بتركه، لكن لا يسقط إعادة الصلاة أو العبادة على وجه صحيح بأنه يمكن تلافي ذلك. وأما من صلى بثوب نجس ناسياً أو جاهلاً فإن هذا من باب فعل المحظور، وفعل المحظور ناسياً أو جاهلاً يسقط به الإثم لجهله ونسيانه. وإذا سقط الإثم صار لم يفعل محرماً. فسقوط إثمه عنه بالجهل والنسيان، وحينئذ تكون الصلاة كأنه لم يفعل فيها هذا المحرم.
السؤال: بالنسبة للوطء بالقدم على النجاسة؛ إذا كان الوطء بالقدم على النجاسة وهي لم تزل رطبة فهل هذا ينقض الوضوء لو كان الإنسان متوضئاً؟

الشيخ: لا ينقض الوضوء، ولا دخل للنجاسة في الوضوء؛ يعني حتى لو تلوث الإنسان بالنجاسة هي نفسها ببدنه أو بثوبه فإن وضوءه باقٍ.
السؤال: بل عليه فقط أن يطهر الموقع؟

الشيخ: أي نعم، عليه أن يطهر ما يجب تطهيره.