السؤال:
جزاكم الله خيراً. هذه الرسالة من المستمع شريف محمد عثمان سوداني مقيم باليمن تعز يقول: أنا رجل عمري أربعون سنة، وأب لخمسة أولاد، زوجتي منذ زواجي بها غيرت مسار حياتي للأفضل بسلوكها، فهي تربى وتغضب لله، فاكتسبت احترامي وتقديري، وأنا لست كثير الغضب، ولكن إذا حدث وغضبت فلا حول ولا قوة إلا بالله، أتحول إلى فاقد للوعي، لا أدري ماذا أفعل، فكثيراً ما ضربت أولادي بل وكسرت أغلى أثاث منزلي، وفي أثناء هذه الحالة كثيراً ما أحلف بالطلاق خلال ثورتي هذه، وقد سألت مرة أحد العلماء فأفاد بأن علي كفارة قسم، ففعلت بأن أطعمت بنقود، ومرة أخرى سألت المأذون عن حالة أخرى فأفاد بأنها طلقة رجعية لأنها واحدة، فأخرجت قسيمة شرعية بذلك، وفي كل هذه الحالات زوجتي ليست سبباً في ذلك. وسؤالي هو: هل يقع علي الطلاق وأنا على هذه البشاعة من الجنون عند غضبي؟ إذا كان الجواب نعم فما هو الحل إذا أوقعت الطلقة الأخيرة ولم يحدث أن حدثت نفسي ولو في النوم بالطلاق؟ وهل تحسب الطلقتان الأوليان أم ماذا فيهما؟
الجواب:
الشيخ: من عادتي أنه لو استفتى أحد في مسألة من مسائل العلم ألا أفتيه؛ وذلك لأني أخشى أن يقع من الناس تلاعب في أمور دينهم، فيستفتون من يرونه أهلا للفتيا، فإذا أفتاهم بما لا يريدون ذهبوا إلى عالم آخر لعلهم يجدون ما يشفي غليلهم، وهذا الأمر أمر لا يجوز أن يتتبع الإنسان رخص أهل العلم في أمر دينه، بل قال أهل العلم: إن الإنسان إذا استفتى عالماً يعتقد أن ما يفتيه به هو الحق فإنه لا يجوز له أن يسأل عالماً آخر. والذي فهمت من هذا السؤال أنه حصل منك الطلاق مرتين، أما الأول فاستفتيت شخصاً فأفتاك بأن طلاقك يمين، وأخرجت عن اليمين دراهم، وعلى هذا فلا يكون ذلك طلاقاً ولا يحسب عليك من الطلاق. وإخراجك الدراهم عن الطعام والكسوة إن كان بفتوى من هذا الذي أفتاك فقد فعلت ما أفتيت به، ولا نتعرض لما حصل، وإن كان عن اجتهاد منك فإن الله تعالى إنما ذكر في كفارة اليمين الإطعام والكسوة، فلا يجوز الخروج عما عين الله سبحانه وتعالى، وتكون هذه الدراهم التي صرفتها من أجل كفارة اليمين تكون صدقة، ويلزمك أن تطعم عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم كما قال الله سبحانه وتعالى. وأما الطلقة الثانية فإنك استفتيت فيها من أفتاك بأنه وقع عليك الطلاق، وحينئذ فيكون قد سبق على زوجتك طلقة واحدة منك وبقي لك طلقتان، والذي أنصحك به أن تدافع الغضب ما استطعت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل: أوصني. قال: لا تغضب. فقال: أوصني. قال: لا تغضب. فردد مراراً، فقال: لا تغضب. وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ليس الشديد بالصرعة -يعني ليس القوي بالذي يصرع الناس ويغلبهم في المصارعة- وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. فاحذر يا أخي من ثورة الغضب وقت الحدة، فإذا أحسست به فتعوذ بالله من الشيطان الرجيم وتوضأ، وإن كنت قائماً فاقعد، وإن كنت قاعداً فاضطجع، وحاول أن تمنع هذا الغضب ما استطعت. والغضب ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها أن يصل إلى حد يفقد الإنسان به شعوره بحيث لا يدري ما يقول، ولا يدري في أي مكان هو، ولا في أي وقت هو، فهذا لا حكم لقوله لا بطلاق ولا غيره، حتى لو طلق لا يعتبر الطلاق في هذه الحال، فإن الطلاق لا يقع منه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا طلاق ولا إشراق في إغلاق. وهذا مغلق عليه لا يدري ما يقول. والقسم الثاني أن يكون الغضب في مبدئه والإنسان يدري ما يقول ويستطيع أن يملك نفسه عنده، هذا يقع عليه الطلاق، فهذا يعتبر قوله، فإذا طلق زوجته في هذه الحال وقع الطلاق. والقسم الثالث يكون غضبان، ولكنه لا يملك نفسه، لم يصل إلى الحد الأول بحيث لا يدري ما يقول ولا يدري أين هو ولا متى الوقت، ولكنه من شدة غضبه كأنه ألزم بالطلاق، وهذا محل خلاف بين أهل العلم؛ فمن العلماء من يقول أنه يقع طلاقه لأنه يدري ما يقول، ومنهم من يقول أنه لا يقع لأنه مغلق عليه، فهو كالمكره حيث إن شدة الغضب ألزمته بأن يتكلم بهذا الطلاق. وهذا القول أرجح، ويرجح أن الأصل بقاء النكاح، فلا يمكن أن يزول هذا النكاح إلا بمزيل متيقن؛ لأن ما ثبت باليقين لا يزول إلا باليقين.





