السؤال:
السؤال التالي هو من المستمع عبد الحكيم علي محمد، مصري يعمل بالعراق، يقول: ومن خلال متابعتي الدائمة لبرنامجكم الكريم وخلال إجابة الأسئلة الخاصة بالتصوف سمعت إجابات مختلفة من أساتذة أفاضل، وقد أجمعوا تقريباً على ذم هذا الأمر بدون استثناء، وإني لأعجب أشد العجب من ذلك؛ لأن في اعتقادي والله أعلم أن الأحكام في ديننا العظيم لا تأتي على التعميم في أمور الدين، فمثلاً إذا كان هناك شخص سوء في مكان ما لا يمكن أن أحكم علي جميع من فيه بأنهم أشرار. فعندما نحكم على التصوف بأنه سيئ هل معنى ذلك أن التصوف كمبدأ سيئ أم هناك من يدعي الصوفية وهو ليس من أهلها؟ وإذا كان التصوف كذلك فماذا نقول عن أئمة التصوف الذين أفادونا في الدين أعظم إفادة من خلال علمهم وعملهم أمثال الإمام الغزالي، وكذلك ابن عطاء الله، وعبد القادر الجيلاني، والشيخ السنوسي، وزواياهم معروفة، وفي العصر الحديث الدكتور عبد الحليم محمود رحمه الله؟ وماذا يقول الدين عن التصوف في أبسط معانيه التي نفهمها، وهو يتمثل في الزهد في الدنيا مع عدم ترك ما أحل الله لعباده، وإخلاص العمل والنية لله تعالى، وذكره كثيراً، واستغفاره، وحمده، مع نبذ كل ما يلتصق بالدين والتصوف من خرافات وبدع وأشياء تؤدي إلى الكفر، أعوذ بالله من ذلك؟
الجواب:
الشيخ: هذا السؤال مطول من طباخ، وفيه شيء يحتاج إلى تصنيف: الذين سمعهم يذمون التصوف ويطلقون إنما يريدون أن إثبات طريقة على نحو معين تنفرد عن طريقة أهل السنة والجماعة هذا من حيث هو مذموم بلا شك، فالذي ينبغي لجميع المسلمين أن يكونوا طائفة واحدة ألا وهي طائفة السلف الصالح أهل السنة والجماعة، سواء كان ذلك في العقيدة، أو كان ذلك في الأعمال الظاهرة أعمال الجوارح. فالذي ظل مطلقاً أن تحدث طريقة معينة يقال لها هذه طريقة القوم؛ إذ إن كل طريقة تخالف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم فإنها مذمومة مهما كانت، أما بالنسبة للأعمال التي تحدثها هذه الطائفة فإنه ينظر إن وافقت ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام فهي حق، لكن لا ينبغي أن يقال أنها من طريق الصوفية، أو من صنع الصوفية، أو من فضيل الصوفية، أو ما أشبه ذلك. بل يقال هذه سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا تنسب إلى هذه الطائفة بعينها. وحينئذ يخرج من اللقب الذي قد يوجب الذم. وأما ما يتعلق بالزهد في الدنيا فلا ريب أن الزهد في الدنيا الذي لا يتضمن ترك ما أحل الله عز وجل أو لا يتضمن ترك ما ينفع في الآخرة لا ريب أنه محمود، وأن الإنسان ينبغي له أن تكون الدنيا وسيلة إلى الآخرة، لا يكون كل همه وقصده الدنيا، والإنسان إذا أراد الدنيا فقط فإنه قد يضيع الدنيا والآخرة لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً۞ومن أراد الآخرة وسعى إليها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً﴾. وأما الأذكار والأوراد التي أحدثها من أهل التصوف فإنه لاشك أن ما خالف الشرع منها بكيفيته أو وقفه أو عدده أو سببه فإنه بدعة ينكر على صاحبه؛ لأنه لا تكون العبادة عبادة مبتدع فيها الرسول عليه الصلاة والسلام حتى يقوم دليل شرعي على الأمور التالية: على سببها، وجنسها، ونوعها، وهيئتها، وزمانها، ومكانها، وقدرها. فإذا لم يكن دليل على هذه الأمور فإنها تكون بدعة، ويكون فيها من البدعية بحسب ما فارقت السنة فيه.





