حكم توكيل غير المحرم في الرمي
عدد الزيارات 6082

السؤال:

بارك الله فيكم. هذه الرسالة من السائل إبراهيم مطر من جيزان يقول في سؤاله الأول: هل يجوز لغير المحرم أن يرمي عن الحاج العاجز عن الرمي؟

الجواب:


الشيخ: أولاً وقبل أن أجيب عن هذا السؤال أود أن أنبه على هذه المسألة وهي مسألة التوكيل في الرمي، فإن الناس استهانوا بها استهانة عظيمة حتى صارت عندهم بمنزلة الشيء الذي لا يؤبه له، ورمي الجمرات أحد واجبات الحج التي يجب على من تلبس بالحج أن يقوم بها بنفسه لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ وهذا الأمر يقتضي للإنسان أن يتم جميع أعمال الحج بدون أن يوكل فيها أحداً. ولكن مع الأسف الشديد أن بعض الناس صار يتهاون في هذا الأمر حتى إنك تجد الرجل الجلد الشاب يوكل من يرمي عنه، أو المرأة التي تستطيع أن ترمي بنفسها توكل من يرمي عنها. وهذا خطأ عظيم، ولا يجزئ إذا وكل الإنسان أحداً يرمي له وهو قادر على الرمي، لا يجزئه هذا الوكيل. يقول بعض الناس: إن النساء يحتجن إلى التوكيل من أجل الزحام والاختلاط بالرجال. فنقول: هذا لا يبيح لهم التوكيل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن لسودة بنت زمعة إحدى نسائه وكانت طبقة ثقيلة، لم يأذن لها أن توكل، بل أذن لها أن تدفع من مزدلفة في آخر الليل عندما تقل زحمة الناس، ولو كان التوكيل جائزاً لأمرها أن تبقى في مزدلفة حتى تصلي الفجر ثم تتبع وتوكل على الرمي لو كان التوكيل جائزاً. ثم نقول: مسألة الزحام واردة حتى في الطواف وفي السعي، بل هي في الطواف والسعي أخطر وأعظم؛ لأن الناس في الرمي ليس اتجاههم واحداً، هذا يأتي وهذا يذهب، ثم إنهم يكونون على وجه عجل ليس فيه تأنٍ ولا تأمل، بخلاف الطواف فإن اتجاههم واحد، ويكون مشيهم رويداً رويداً، فالفتنة فيه أخطر أن يكون فيه الفساق والعياذ بالله ينال ما ينال من المرأة بملاصقتها في حال الطواف من أوله إلى آخره، فالخطر فيه أعظم، ومع ذلك ما قال أحد أن المرأة مع الزحام في الطواف أن توكل من يطوف عنها. وعلى هذا فيجب على الحاج فرداً كان أم مثنى أن يرمي بنفسه، فإن كان عاجزاً كامرأة حامل ومريض وشيخ كبير لا يستطيع فإنه يوكل في هذه الحال، ولولا أنه روي عن الصحابة أنهم كانوا يرمون عنهم الصبيان لقلنا أنه إذا كان عاجزاً لا يوكل، بل يسقط عنه؛ لأن الواجبات تسقط بالعجز. لكن لما جاء التوكيل في أصل الحج لمن كان عاجزاً عجزاً لا يرجى زواله، وروي عن الصحابة أنهم كانوا يرمون عن الصبيان قلنا بجواز التوكيل في الرمي لمن كان عاجزاً عنه. وأما من يشق عليه الرمي من الزحام فإن ذلك ليس عذراً له في التوكيل، بل نقول له: ارم بنفسك، إن كنت تستطيع المزاحمة فارمِ في النهار، وإن كانت المزاحمة تشق عليك فارم في الليل، فإن الأمر في ذلك واسع، فالإنسان يرمي حسب ما تيسر له الرمي في الليل ليس ممنوعاً، وليس الرمي بعد في النهارية، بل الذين أذن لهم الرسول عليه الصلاة والسلام أن يدفعوا من مزدلفة في آخر الليل كانوا يرمون إذا وصلوا كما روي عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أنها كانت ترمي ثم تصلي الفجر. وهذا دليل على أن الأمر في ذلك واسع كما حدده الشرع التزمنا بالحج، وما أطلقه فإن هذا من سعة الله سبحانه وتعالى وكرمه. لو فرض أن الإنسان بعيد منزله ويشق عليه أن يتردد كل يوم إلى الجمرات فله أن يجمع ذلك إلى آخر يوم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم رخص لرعاة الإبل أن يرموا يوماً ويدعوا يوماً، ثم يرمي في اليوم الثالث لليومين، فإذا قدر أن منزله بعيد ويشق عليه أن يأتي كل يوم فله أن يجمع، وأما مع عدم المشقة فلا يجوز له أن يؤخر رمي كل يوم إلى اليوم الذي يليه. وأما الإجابة عن السؤال وهو هل يجوز أن يتوكل من ليس بمحرم في رمي الجمرات فإن الفقهاء رحمهم الله قالوا لا يصح أن يوكل إلا من حج ذلك العام، والله أعلم.