السؤال:
هذا السائل ابن مسعود من جمهورية مصر العربية مدينة السلوم، بعث سؤالين، السؤال الأول يقول فيه: سمعت من خلال برنامجكم فتوى فهمت منها تحريم ذبيحة تارك الصلاة، ونظراً لأن هذا الأمر له أهميته الكبرى في حياة المسلمين فنأمل التكرم بإلقاء الضوء على هذا الأمر مع رجاء دوام الأدلة والبراهين؟
الجواب:
الشيخ: تارك الصلاة لا تحل ذبيحته بناء على القول الراجح من أن تارك الصلاة يكون كافراً كفراً مخرجاً عن الملة، ونظراً لأهمية هذه المسألة فإننا نذكر ما تيسر من أدلتها، فمن أدلة كفر تارك الصلاة قوله تعالى عن المشركين: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ فعلق الله تعالي تسمية الأخوة في الدين على أمور ثلاثة: التوبة من الشرك، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة. فإذا تخلف أحد هذه الأوصاف لم يكونوا إخوة لنا في الدين. فمن المعلوم أن الأخوة في الدين لا تنتفي بمجرد المعصية حتى ولو كانت من أكبر الكبائر، فقتل المؤمن عمداً من أكبر الكبائر، ومع ذلك لا يخرج من الدين ولا تنتفي به الأخوة، يقول الله تعالى في آيه القصاص: فمن عفي له من أخيه شيء. فجعل الله تعالى القاتل أخاً للمقتول، ويقول تعالى في آية قتال المؤمنين: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ إلى قوله: ﴿إنما المؤمنين إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾. لم تنتف الأخوة الإيمانية في قتال المؤمنين مع أن قتال المؤمنين كفر كما ثبت فيه الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: سباب المؤمن -أو المسلم- فسوق وقتاله كفر. هذا واحد، الدليل الثاني قوله تعالى: ﴿خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة وابتدعوا الشهوات سوف يلقون غياً إلا من تاب وأمن وعمل صالحاً﴾ فإن قوله إلا من تاب وآمن دليل على أنه حين إضاعة الصلاة ليس بمؤمن. أما من أدلة السنة فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة. وفي السنة أن حديث بريدة بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر. فجعل النبي عليه الصلاة والسلام العهد فاصلاً بيننا وبين الكفر، وقال: ومن تركها فقد كفر. بأن خرج من منطقة الإيمان. وكذلك في حديث جابر قال: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة. فجعل ترك الصلاة هو الحائل بين الإيمان والكفر، وقال الكفر بـ(ال) الدالة على الحقيقة، فالمعنى: بين الرجل وبين الكفر الحقيقي -وهو المخرج عن الإيمان- ترك الصلاة. ومن أدلة السنة أيضاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نسمع ونطيع لولاة الأمور، وقال عبد الله بن شفيق: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة. وقد وقع على بعض أهل العلم الإجماع على كفر تارك الصلاة، وهو مروي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم منهم عمر وابن مسعود رضي الله عنهما، قال عمر رضي الله عنه: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. وحظ نكرة في صيغة النفي، فيعم القليل والكثير؛ أي: لا حظ لا قليلاً ولا كثيراً لمن ترك الصلاة في الإسلام، فهذه الأدلة تدل على أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة. وفيها أدلة أخرى لا يتسع المقام لذكرها. وقد تأملت الأدلة التي استدل بها من لا يرون كفر تارك الصلاة فوجدتها تنقسم إلى أقسام منها ما لا دليل فيه أصلاً، ومنها ما هو مقيد بحال يعذر فيها بترك الصلاة، ومنها ما هو مقيد بوصف لا يمكن معه ترك الصلاة، ومنها ما هو عام يكون مخصصاً بأدلة كفر تارك الصلاة، ولم أجد لا في الكتاب ولا في السنة نصاً يقول أن تارك الصلاة مؤمن، ولا يقول أن تارك الصلاة يدخل الجنة، ولا يقول أن تارك الصلاة ينجو من النار، وما أشبه ذلك، مما يجعلنا نحمل نصوص الكفر على من أراد به كفراً لا يخرج من الملة، وإذا كان كذلك فإننا عبيد الله عز وجل، يحكم فينا بما يشاء، فإذا دل كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على استحقاق وصف من الأوصاف فليس لنا أن نتهرب منها، بل علينا أن نثبته، وإذا أثبتناه فإن الحكمة في إثباته. ونحن إذا قلنا بكفر تارك الصلاة كفراً مخرجاً عن الملة كما هو مقتضى النصوص وأقوال الصحابة رضي الله عنهم فإننا بهذه المقالة نحمل الناس على الصلاة، وكل إنسان يخاف الله ويخشى من عقابه فإنه لا بد من أن يصلي إذا علم أنه إذا تركها كفر كفراً مخرجاً عن الملة، وترتب على هذا أحكام الكفر من انفساخ زوجته منه، وعدم حمل ذبيحته، ومنعه من دخول مكة وحرمها، وعدم تغسيله إذا مات، وعدم دفنه مع المسلمين، وتحريم الدعاء له بالرحمة والمغفرة، وما أشبه ذلك. كل إنسان له عقل إذا علم أن هذا الأمر يترتب على تركه للصلاة فإنه سوف يصلي، لكننا إذا ذهبنا نلتمس التأويلات البعيدة للنصوص، وقولنا أنه فاسق لا يكفر فسيتهاون بها ويتمادى في تهاونه. ومن المعلوم أنه لا يمكن لإنسان عرف أعمال القلوب أن يقول لشخص أو عن شخص حافظ على ترك الصلاة والتهاون بها وعدم المبالاة أن في قلبه شيئاً من الإيمان. كيف يكون في قبله شيء من الإيمان وهو محافظ على ترك الصلاة، يؤمر بها فلا يمتثل، ويرى المسلمون يصلون فلا يصلي، وهو يعلم ما في الصلاة من الثواب العظيم والأجر الكثير، وما في تركها من العذاب الأليم؟! أعتقد أن هذا لا يمكن أن يقع من شخص في قبله مثقال حبة من الإيمان. وعلى هذا فيكون ترك الصلاة لو لم يكن فيه نصوص خاصة بتكفير من تركها لكان كفره من باب اللوازم؛ أي أن من حافظ على تركها فإن من لازم ذلك ألا يكون في قلبه شيء من الإيمان. هذه هي الأدلة التي تحتوي على تارك الصلاة كفراً مخرجاً عن الملة والعياذ بالله. وبناء على ذلك فإن ذبيحته لا تحل؛ لأن ذبيحة غير المسلم لا تحل إلا إذا كان الذابح من أهل الكتاب؛ اليهود و النصارى، وتارك الصلاة من المسلمين مرتد، فلا تحل ذبيحته. هذا هو خلاصة كلامي في هذه المسألة العظيمة المهمة التي يجب علينا جميعاً أن نتعاون فيها على البر والتقوى، وأن نلزم هؤلاء الذين تهاونوا بهذا الركن العظيم من أركان الإسلام بأن يقوموا به مخلصين لله متبعين لرسوله صلى الله عليه وسلم. بقي أن يقال: قد يقول قائل: ذكرت في آية براءة ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ أنه إذا تخلف أحد الأوصاف الثلاثة لم يكن أخاً لنا في الدين، وهذا يستلزم أن يكون كافراً؛ لأن الأخوة في الدين لا تنتفي إلا بالكفر، إذن فتارك الزكاة هل يكون كافراً؟ والجواب على ذلك أن يقال: يرى بعض العلماء أن مانع الزكاة بخلاً يكون كافراً كفراً مخرجاً عن الملة، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، ولكن مع ذلك القول الراجح أنه لا يكفر ووجهه أن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن من منع زكاة ماله عذب عليه كما بطرف الحديث، قال: ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. وهذا الحديث يدل على أن من منع الزكاة بخلاً لا يكون كافراً؛ لأن الكافر لا يمكن أن يرى سبيلاً له إلى الجنة، وهذا الحديث يخصص مفهوم الآيات الكريمة التي في سورة براءة.





