نصحية لأولياء الأمور في ترك المغالاة في المهور
عدد الزيارات 1854

السؤال:

بارك الله فيكم، هذا المستمع محمد عوض الزهراني، الرياض، أرسل بهذه الرسالة، يقول فيها: فضيلة الشيخ، حفظك الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إنني أبعث إليكم هذه الرسالة طالباً من فضيلتكم التكرم بإلقاء نصيحة لبعض الآباء- هداهم الله- الذين يطلبون على بناتهم مهراً لا يقدر عليه الشباب، وإنني واثق أن كثيراً من الشباب والشابات قد حرموا من الزواج، والسبب هو أهل البنت وطمعهم عندما يتقدم أحد لطلب بناتهم، أرجو منكم نصح هؤلاء بارك الله فيكم؟

الجواب:


الشيخ: وعلى السائل السلام ورحمة الله وبركاته، إن نصيحة هؤلاء الآباء الذين يجعلون بناتهم سلعاًَ يتجرون بها متوفرة ولله الحمد في خطباء المساجد، وفي كلمات الوعاظ فيما أظن، ولكن لا مانع من أن أضم صوتي إلى أصواتهم، فأقول: إن الله سبحانه وتعالى جعل الولاية للرجال على النساء، وجعل الرجال قوامين عليهم، فالرجال من القوة العقلية والبدنية والنظر البعيد ومعرفة الأمور، وغير ذلك مما فضل الله به الرجال، كما قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾، ومن ثم جعل الله للرجال الولاية على النساء في عقد النكاح، فلا يصح نكاح إلا بولي، ولكن هذا الولي يجب عليه أن يتقي الله عز وجل، وأن يؤدي الأمانة فيمن ولاه الله عليها، سواء أكانت ابنته، أم أخته، أم أي امرأة ممن له ولاية عليها، ولا يحل له أن يخون هذه الأمانة فيجبرها على الزواج بمن لا تريد، ولا أن يخون هذه الأمانة فيمنعها من الزواج ممن تريد وهو كفؤ في دينه وخلقه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عظيم». ويجب على الولي أن يكون أولى مراعاة له مصلحة المرأة لأنه إذا كان الله عز وجل يقول: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾، فكيف بنفس الشخص، فلا يجوز أن يتصرف بما هو أهل له، ومنع النساء من الزواج من بعض الأولياء أهل الجشع والطمع الذين عدمت فيهم كمال الرحمة والشفقة، هذا المنع منع محرم، لأنه خلاف أمر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه»، ولأنه جناية وعدوان على المرأة إذا خطبها من هو كفء لها، فمنعها منه وهي تريده، وما أدري أو أن أحداً من هؤلاء الأولياء من النكاح بمن يريدون فهم في حاجة إليه، أفلا يرون أن ذلك جناية عليهم، وإذا كانوا يرون ذلك جناية عليهم، فلماذا لا يرونه جناية على النساء اللاتي ولاهم الله عليهنّ؟ فعليهم أن يتقوا الله عز وجل، وإنني أقول: لا يحل للرجل سواء كان أباً، أم غير أب أن يشترط لنفسه شيئاً من المهر، لا قليلاً، ولا كثيراً، فالمهر كله للزوجة، قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْئ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾، فعلم أن الصداق للنساء، وجعل التصرف فيه إليهن، وآتوا النساء صدقاتهن نحلة، فإن طبن لكم عن نفس فكلوه هنيئاً مريئاً، فإذا كان الصداق للمرأة وهي صاحبة التصرف فيه، فإنه لا يحل للرجل، أعني: لوليها، سواء كان أباً، أم غير أب أن يشترط منه شيئاً لنفسه، لكن إذا تم العقد وملكت الزوجة الصداق فلأبيها أن يتملك منه ما شاء بشروط جواز التملك التي ذكرها أهل العلم، ومنها أن لا يلحقها ضرر، وأما غير الأب فليس له أن يتملك من مهرها شيئاً، إلا ما رضيت به بشرط أن تكون رشيدة أو بالغة عاقلة، تحسن التصرف في مالها، وتأذن له بأخذ شيء منه، وأقول ذلك حتى ينتهي هؤلاء الجشعون الطامعون عن أخذ شيء من صداق النساء، وفي ظني- والعلم عند الله- أنه إذا علم الولي أنه لا حق له في المهر، وأنه إذا أخذ منه قرشاً واحداً على غير وجه الشرع فهو آثم، وأكله إياه حرام، في علمي أنه إذا كان الأمر كذلك، سهل على الولي أن يجيب الخاطب إذا كان كفئاً ورضيت المرأة، وأما ما يقع لبعض هؤلاء الأولياء أهل الجشع والطمع الذين نزع من قلوبهم كمال الرحمة والشفقة من اشتراطهم جزءاً كبيراً من المهر لأنفسهم، ذلك حرام عليهم، ولا يحل لهم، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن ييسر حلاً لهذه المشكلة المعضلة. والذي أرى في توجيه العامة أنه ينبغي أن يبدأ وجهاء البلدان وأعيانهم وأشخاصهم بالنكاح بمهور قليلة، ويعلنوا ذلك، ومن المعلوم أن العامة تبع لرؤسائهم ووجهائهم وأعيانهم، وإذا بدأ به الأعيان، ونشر وقيل: إن فلاناً تزوج فلانة من أهل الشرف والحسب، وأن مهرها كان كذا وكذا- مهراً قليلاً مستطاعاً لأكثر الناس- فإن المسألة ستنحل، أو فإنه يكون من أسباب حلها.