السؤال:
نعود إلى رسالة وصلت من المستمع عزت يوسف طه محافظة دهوك، السؤال الأخير يقول فيه: يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾، نحن ندعو كثيراً ولم يستجب لدعائنا، ترى ما الأسباب في ذلك؟
الجواب:
الشيخ: الحمد لله رب العالمين. وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أسأل الله تعالى لي ولإخواني المسلمين التوفيق للصواب عقيدة وقولاً وعملاً، يقول الله عز وجل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. ويقول السائل إنه دعا الله عز وجل ولم يستجب الله له، فيستشكل هذا الواقع مع هذه الآية الكريمة التي وعد الله تعالى فيها من دعاه أن يستجيب له، والله سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد؟ والجواب عن ذلك أن للإجابة شروطاً لا بد أن تتحقق، وهي الإخلاص لله عز وجل بأن يخلص الإنسان في دعائه فيتجه إلى الله سبحانه وتعالى بقلب حاضر، صادقاً في اللجوء إليه، عالماً بأنه عز وجل قادر على إجابة الدعوة، مؤملاً الإجابة من الله سبحانه وتعالى، الشرط الثاني أن يشعر الإنسان حال دعائه بأنه في أمس الحاجة بل في أمس الضرورة إلى الله سبحانه وتعالى، وأن الله تعالى وحده هو الذي يجيب دعوة المضطر ويكشف السوء، أما أن يدعو الله عز وجل وهو يشعر بأنه مستغن عن الله سبحانه وتعالى وليس في ضرورة إليه، وإنما يسأل هكذا عابثاً فقط، فإن هذا ليس بحري الإجابة، الشرط الثالث أن يكون متجنباً لأكل الحرام، فإن أكل الحرام حائل بين الإنسان والإجابة، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وقال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل السفر، يمد يديه إلى السماء ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأنى يستجاب لذلك». فاستبعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستجاب لهذا الرجل الذي قام بالأسباب الظاهرة التي بها تستجلب الإجابة، وهي رفع اليدين إلى السماء، لأنه تعالى في السماء فوق العرش، ورفع اليد إلى الله عز وجل من أسباب الإجابة كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد في المسند: «إن الله حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً». ثانياً: هذا الرجل دعا الله تعالى يعني الرب: يا رب يا رب، والتوسل إلى الله تعالى بهذا الاسم من أسباب الإجابة؛ لأن الرب هو الخالق المالك المدبر لجميع الأمور وبيده مقاليد السموات والأرض، ولهذا تجد أكثر الدعاء الوارد في القرآن بهذا الاسم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾. فالتوسل لله تعالى بهذا الاسم من أسباب الإجابة. ثالثاً: هذا الرجل كان مسافراً، والسفر غالباً من أسباب الإجابة؛ لأن الإنسان في السفر يشعر بالحاجة إلى الله عز وجل والضرورة إليه أكثر مما إذا كان مقيماً في أهله، وأشعث أغبر كأنه غير معني بنفسه، كأن أهم شيء عنده أن يلتجئ إلى الله ويدعوه على أي حال كان هو، سواء أن كان أشعث أغبر أم مترفاً، والشعث و الغبر له أثر في الإجابة، كما في الحديث الذي هو عن النبي عليه الصلاة والسلام أن «الله تعالى يتجلى إلى السماء الدنيا عشية عرفة يباهي الملائكة بالواقفين فيها يقول: أتوني شعثاً غبراً ضاجين من كل فج عميق». هذه السباب الأربعة في إجابة الدعاء لم تُجْدِ شيئاً لمن كان مطعمه حراماً وملبسة حراماً وغذي بالحرام، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فأنى يستجاب لذلك». هذه الشروط في إجابة الدعاء إذا لم تتوفر فإن الإجابة تبدو بعيدة، فإذا توفرت ولم يستجب الله تعالى للداعي فإنما ذلك لحكمة يعلمها الله عز وجل ولا يعلمها هذا الداعي، ﴿وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم﴾ وإذا تمت هذه الشروط ولم يستجب الله عز وجل فإنه إما أن يدفع عنه من السوء ما هو أعظم، وإما أن يدخرها له يوم القيامة فيوفيه الأجر أكثر وأكثر؛ لأن هذا الداعي الذي دعا بتوفر الشروط ولم يستجب له ولم يصرف عنه من السوء ما هو أعظم يكون قد فعل الأسباب ومنع الجواب لحكمة، فيعطى الأجر مرتين؛ مرة على دعائه ومرة على مصيبته بعدم الإجابة، فيدخر له عند الله عز وجل ما هو أعظم وأكمل، ثم إن من المهم أيضاً ألا يستبطئ الإنسان الإجابة؛ فإن هذا من أسباب منع إجابته أيضاً، كما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل. قالوا: كيف يعجل يا رسول الله؟ قال: يقول: دعوت ودعوت فلم يستجب لي». فلا ينبغي للإنسان أن يستبطئ الإجابة ويستحسر عن الدعاء ويدع الدعاء، بل يلح في الدعاء، فإن كل دعوة تدعو بها إلى الله عز وجل فإنها عبادة تقربك إلى الله سبحانه وتعالى وتزيدك أجراً، فعليك يا أخي بدعاء الله سبحانه وتعالى في كل أمورك العامة والخاصة، الشديدة واليسيرة، لو لم يكن من الدعاء إلا أنه عبادة لله سبحانه وتعالى كان جديراً بالمرء أن يحرص عليه.





