السؤال:
هذه الرسالة وصلت من المستمع عوض السيد من السودان يقول: لدينا مجموعة من الناس يصلون صلاة العيدين خلف مقابر المسلمين فترةً طويلة، وفي الفترة الأخيرة اختلف هؤلاء على هذا المكان مما دعاهم إلى الانقسام، وأصبح جزءٌ منهم يصلي في مكانه، والجزء الآخر اتخذ جانب المقابر، وكلٌ منهم يقيم خطبته على مرأى من الآخرين، الرجاء الإفادة حول صحة تلك الصلاة هل هذا صحيح نرجو الإفادة مأجورين؟
الجواب:
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد فإنه قبل الإجابة على هذا السؤال أود أن أوجه نصيحة إلا إخواني المسلمين؛ وهو أن الواجب عليهم الاجتماع على دين الله وإقامته، وألا يتفرقوا فيه كما قال الله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾. وقال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون﴾ وقال الله تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذابٌ عظيم﴾. ففي هذه الآيات الكريمة نهى الله سبحانه وتعالى عن التفرق وأمرنا بإقامة الدين، وبيّن أن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بريء من هؤلاء المتفرقين، ولا شك أن هذا التفرق يضر بالإسلام والمسلمين، وأن هذا التفرق هو غرة عيون أعداء الله من الكفار والمنافقين، وأن هذا التفرق يمزق المسلمين تمزيقاً، كما تمزق الرياح العاصفة الثياب البالية، وأن هذا التفرق يكسر شوكة المسلمين ويعز أعداءهم عليهم، وأن هذا التفرق يؤدي إلى العداوة والبغضاء بين المسلمين، وهو الأمر الذي تكاد أن تقول: إن كثيراً من النواهي مبنيةٌ على هذه العلة؛ أي على إحداث العداوة والبغضاء تجد النواهي في البيوت والنواهي في المآكل والمشارب، تجد سببها إبعاد الناس عن العداوة والبغضاء، وهذا التفرق في دين الله يؤدي ولا شك إلى العداوة والبغضاء، ولا سيما إذا كان التفرق بين طلبة العلم في أمور الاجتهاد التي يصوغ فيها الخلاف، فإن هذه المسائل التي يصوغ فيها الخلاف مسائل اجتهادية لا ينبغي أن يحدث منها، أو لا ينبغي أن يحدث منها بالخلاف فيها اختلافٌ في القلوب؛ لأن هذا الاختلاف في القلوب مخالفٌ لما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم، فالصحابة رضي الله عنهم يختلفون في المسائل كثيراً، ومع ذلك فإن قلوبهم متفقة لا تختلف، وأنا أضرب مثلاً لاختلاف الصحابة رضي الله عنهم حين ندبهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد الرجوع من غزوة الأحزاب إلى أن يخرجوا لبني قريظة، وقال لهم: لا يصلين أحدٌ العصر إلا في بني قريظة، فخرجوا فأدركتهم صلاة العصر في الطريق، فمنهم من صلاها في وقتها ومنهم من أخرها حتى وصل بني قريظة فصلى بعد الوقت، ولم يعنف واحدٌ منهم الآخر، ولم يوبخ النبي صلى الله عليه وسلم طائفةً منهم، ولم تختلف قلوبهم في ذلك؛ لأن الحديث فيه احتمالٌ لهذا؛ ولهذا فمن نظر إلى قوله: لا يصلين أحدٌ العصر إلا في بني قريظة وأخذ بظاهره قال: لا أصلي إلا في بني قريظة وكوني أصل إلى محل القتال عذرٌ في تأخير الصلاة ومن نظر إلى أن المراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلين أحدٌ إلا في بني قريظة هو المبادرة والإسراع وأخذ بعموم الأدلة الموجبة للصلاة في وقتها للصلاة أن تكون في وقتها صلى في الطريق فلكلٍ وجهة، فكذلك أيضاً المسائل الاجتهادية التي تكون بين العلماء إلى يومنا هذا؛ فإذا كان للخلاف مساق فإنه يجب ألا يكون هذا الخلاف سبباً لاختلاف القلوب، هذه نصيحة أود أن أذكر بها إخواني المسلمين، ولا سيما بعض طلبة العلم الذين يتخذون من الخلاف في المسائل الاجتهادية سبباً للتنافر والتباغض، أما بالنسبة إلى السؤال الذي سأله السائل فإنني أقول: إذا كانت القبور في قبلة المصلى مباشرة، فإنه لا يجوز أن يصلي خلفها؛ لأنه ثبت في صحيح مسلم عن أبي مرتبٍ الغنوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها. أو قال: لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها؛ فلا يجوز الصلاة على القبور؛ أي أن يتخذ الإنسان القبر قبلةً له؛ فإذا كانت هذه القبور إلى قبلة المصلى، فإن الواجب نقل القبور إلى مكانٍ آخر، ويكون الصواب مع الطائفة التي بعدت عن هذا المكان، والواجب على الطائفة الأخرى أن تذهب وتصلي معها، أما إذا كانت القبور بعيدةً عن المصلى، ولا تعتبر مباشرةً له؛ فلا بأس بالصلاة في هذا المكان لا سيما إذا كان المكان سابقاً على القبور، وعلى الطائفة التي انفردت أن ترجع وتصلي مع الطائفة الأخرى هذا هو الحكم بين الطائفتين، وأما تفرقهما هؤلاء في مكان وهؤلاء في مكان، حتى إن بعضهم ليسمع صلاة بعض مع كونهم مسلمين، فهذا خلاف ما تقتضيه الشريعة الإسلامية ونصيحتي لهم أن يبنوا أمرهم على ما قلت إذا كانت القبور منفصلة عن المصلى، ولا يعتبر المصلي فيه مصلياً إليها، فالواجب على الطائفة التي انفردت أن ترجع، وإذا كانت القبور مباشرةً المصلى والمصلي في هذا المصلى يعتبر مصلياً إليها، فإن الواجب أن ينزحوا عن هذا المصلى وأن يكونوا مع الطائفة التي انفرجت حتى يكونوا أمةً واحدة كما وصفهم الله في قوله: ﴿وأن هذه أمتكم أمةٌ واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾.





