السؤال :
بارك الله فيكم، هذه رسالة وصلت من علي زيد جودة مصري الجنسية مقيم بالمملكة يقول: فضيلة الشيخ، رجل أعطاني جمرات في اليوم الثاني عشر؛ لكي أرمي بدلاً عنه بحجة أنه مسافر، والمسافة بعيدة، ولعلمكم أنه ليس مريضاً فما حكم الشرع في نظركم في هذا العمل؟
الجواب:
الشيخ: نظرنا أن هذا العمل لا يجزئه؛ لأنه ترك واجباً من واجبات الحج، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله»، ومن وكل غيره بذلك فإنه لم يقم بذكر الله في هذه الجمرات، وعلى هذا فإن رمي هذا الوكيل لا يجزئه عن موكله، والواجب على موكله الآن أن يستغفر الله ويتوب إليه مما صنع، وأن يذبح فدية توزع على الفقراء في مكة، يذبح فدية في مكة توزع على الفقراء هناك؛ لأنه ترك واجباً من واجبات الحج، وقد قال أهل العلم: إن الإنسان إذا ترك واجباً من واجبات الحج وجبت عليه فدية تذبح في مكة وتوزع جميعها على الفقراء هناك، وليعلم أن الحج عبادة يتقرب بها الإنسان إلى ربه، وأن الإنسان نفسه مكلف بها وبإتمامها، كما قال الله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ فالواجب على مَن شرع في حج أو عمرة أن يتمهما بنفسه، ولا يجوز أن يوكّل غيره فيها لا في الطواف ولا في السعي ولا في المبيت ولا في الرمي ولا في الوقوف بعرفة، لا بد أن تباشر أنت بنفسك هذه الأعمال، ولولا أن الصحابة كانوا يرمون عن الصبيان لقلنا: إن من عجز عن رمي الجمرات فإنه لا يوكل أحداً؛ لأنها عبادة متعلقة ببدن الفاعل، فإن قدر فذاك وإن لم يقدر سقطت عنه فإن كان لها بدل أتى ببدلها، وإن لم يكن لها بدل سقطت بالكلية، وأما تهاون بعض الناس اليوم في التوكيل برمي الجمرات فإنه يدل على أحد أمرين؛ إما على نقص في العلم أو على ضعف في الدين، وأما من كان عنده علم في شريعة الله فإنه يتبين له أن رمي الجمرات كغيرها من واجبات الحج لا بد أن يقوم الإنسان فيها بنفسه، ولا يجوز أن يوكّل غيره فإن الله تعالى قال: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ والإتمام يشمل إتمام جميع أعمالهم، فإن قال قائل: إذا كان معي نساء فإن النساء ضعيفات لا يستطعن مقاومة هذا الزحام الشديد الذي قد يحصل به الموت أحياناً، وذلك لغشم الناس وعدم معرفتهم بما ينبغي أن يكونوا عليه في هذه المناسك من الرفق والرحمة بإخوانهم، فإذا ذهبنا بالنساء للرمي صار عليهن المشقة، وربما يحصل عليهن ضرر، فالجواب عن هذا أن نقول: إن هذا الزحام ليس دائماً، بل هذا الزحام يكون عند ابتداء وقت الرمي في الغالب، ثم يخف الناس شيئاً فشيئاً فانتظر الوقت لخفة الناس، ولو أنت رميت في الليل فإن الرمي في الليل جائز، ولا سيما عند هذا الزحام الشديد، ولا يجوز أن يوكّل النساء من يرمي عنهن من أجل الزحام، ولهذا أذن النبي صلى الله عليه وسلم للضعفة الناهية أن يدفعوا من مزدلفة في آخر الليل؛ ليرموا الجمرات قبل زحمة الناس، فأمرهم أن يقتطعوا جزءاً من المبيت في مزدلفة، مع أن المبيت في مزدلفة من شعائر الله ومن المشاعر العظيمة قال الله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ ومع هذا أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يقتطعوا جزءاً من هذه العبادة من أجل أن يسلموا من الزحام، ولم يقل صلى الله عليه وسلم: اجلسوا لا تهجروا إلا معنا ووكلوا من يرمي عنكم. ولو كان هناك مسار للتوكيل لكان التوكيل أهون من أن يقتطعوا جزءاً من المبيت في مزدلفة، ورخص لهم أن يتقدموا وأن يرموا قبل الوقت الذي رمى فيه، والصحيح أنه يجوز أن يرموا ولو قبل الفجر متى أبيح لهم الدفع من مزدلفة أبيح لهم الرمي متى وصولوا إلى منى؛ لأن رمي الجمرات تحية منى، وكذلك الرعاة إذن لهم الرسول عليه الصلاة والسلام أن يرموا يوماً ويدعوا يوماً، ولم يأذن لهم أن يوكلوا من يرمي عنهم في اليوم الذي هم فيه غائبون عن منى، فلهذا يجب على المسلم أن يتقي الله في نفسه وأن يؤدي أفعال النسك بنفسه إلا ما عجز وورد فيه التوكيل.





