السؤال :
في هذا الأسبوع وصلت رسالة من المستمع علي حسن علي عطية من الأردن يقول: فضيلة الشيخ، ما الفرق بين حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها الذي معناه؛ الذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه فله أجران، ومعنى الحديث الذي يقول ما معناه: رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه؟ أفيدونا مأجورين.
الجواب:
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين؛ أما بعد: فللإجابة على هذا السؤال؛ أولاً: أريد أن أنبه أنه لا يمكن أن يوجد تعارض في كتاب الله سبحانه وتعالى بين آياته ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أحاديثها الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا بين القرآن والسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كل من عند الله، وما كان من عند لله فلا يكون فيه تناقض قال الله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾. ولكن قد يبدو للناظر التعارض في هذا، وحينئذٍ يحتاج إلى الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، أو بين الآيات التي ظاهرها التعارض، والجمع بين الآيات يكون بحمل بعضها على وجه لا يخالف البعض الآخر؛ مثال ذلك قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثا﴾. فإن ظاهر هذين الآيتين التعارض، وأنهم ينكرون أن يكونوا أشركوا بالله في الآية الأولى، وفي الآية الثانية لا يكتمون الله حديثاً، فيخبرون بأنهم عليه، ولكننا نقول: الجمع بين هاتين الآيتين أن للمشركين يوم القيامة أحوالاً؛ فتارة يقرون بما فعلوا وتارة ينكرون بما فعلوا، ويوم القيامة يوم مقداره خمسون ألف سنة، وقد يأتي التعارض ويكون أحد النصين ناسخاً للأول وحينئذٍ لا تعارض؛ لأن النص الأول ليس قائماً حتى يكون معارضاً للنص الثاني، وهذا موجود في القرآن وفي السنة، ففي القرآن مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ . الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّه﴾. فالآية الأولى منسوخة، صرح الله بذلك في قوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾. فلا يكون بينها وبين الثانية تعارض؛ لأن الأولى بعد النسخ صارت غير قائمة، وكذلك ما جاء في السنة من النهي عن زيارة القبور في أول الأمر، ثم أمر بزيارتها في آخر الأمر، على كل حال التعارض بين المنسوخ والناسخ غير قائم؛ لأن المنسوخ قد رفع حكمه وقد يأتي التعارض، ولكن يرجح أحدهما على الآخر، وإذا رجح أحدهما على الآخر فلا تعارض أيضاً؛ لأن المنسوخ غير قائم، بل هو مهدر لا يعمل به؛ لشذوذه، وبعد هذه المقدمة؛ وهي أن نعلم أنه لا يمكن أن يوجد التعارض في الكتاب الكريم بين آياته، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أحاديثها، ولا بين القرآن والسنة، ويمكن الإجابة على هذا السؤال، فنقول: إنه لا تعارض بين الحديثين إن صح الثاني وهو قوله: «ربما قارئ القرآن والقرآن يلعنه». فإن المراد بالحديث الأول الذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق، المراد به الرجل الحريص على قراءة القرآن، فيحرص على قراءة القرآن، ولو كان يتتعتع فيه فيشق عليه أن يتلو به على وجه سليم، ومع ذلك يحافظ على قراءة القرآن، إن هذا له أجران أجر التلاوة وأجر المشقة في التلاوة، أما الثاني فيصح فالمراد بقارئ القرآن الذي يلعنه القرآن هو قارئ يقرأ القرآن ولكنه لا يؤمن بأخباره، ولا يؤمن بأحكامه يكذب الأخبار يحرفها، يستكبر عن الأحكام فيخالفها، فمثل هذا القارئ يكون قارئاً للقرآن، لكنه في الحقيقة بريء من القرآن في ترتيبه أو أخباره عن العمل بأحكامه، ولا فرق بين من يكذب القرآن جملة أو يكذب خبراً واحداً من أخباره، وبين أن يرفض أحكامه جملة، أو يرفض حكماً من أحكامه؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل الكفار لبعض الشريعة كفراً بها كلها، فقال تعالى: ماناً على أهل الكتاب: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وجعل الذين يكفرون ببعض الرسل من بعض كافرين بالجميع فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾، فهذا هو القول في ما ذكره السائل، وبه يتبين أنه ليس هناك تعارضٌ أصلاً فيما ذكره السائل.
السؤال:
فضيلة الشيخ هل يلزم لقارئ القرآن أن يكون ملماً بأحكام التجويد؟
الجواب:
الشيخ: لا يلزم لقارئ القرآن أن يكون ملماً بقواعد التجويد، ولا يشترط أن تكون تلاوته تجويداً، بل هو مأجور مثاب إذا قرأ الحروف على ما جاءت عليه والحركات على ما هي عليه، وإن لم يراع قواعد التجويد، لكن التجويد في بعضه تحسين للفظ وتزيين للصوت، ومن المعلوم أنه ينبغي للمرء أن يحسن صوته بكتاب بالله العزيز نعم.





