والدتهم تريد أن تزوج ابنتها من رجل لا يصلي فما هي النصيحة ؟
عدد الزيارات 2957

السؤال:

بارك الله فيكم هذا المستمع ع. أ. من الرياض بعث برسالته يقول فيها: إنه تقدم أحد الأشخاص لخطبة أخته، لكن هذا الشخص لا يصلي فهل يجوز أن يزوجه أخته، يقول: لأن أمي تقول: إنني أعرف هذا الشخص وأمه صديقة لي. فهل علينا إثم في منعه من هذا الزواج؟ نرجو من فضيلة الشيخ التوجيه والنصح مأجورين.

الجواب:


الشيخ: توجيهي ونصحي لهذه الأم التي ترغب أن يتزوج هذا الرجل ابنتها أن تتقي الله عز وجل في نفسها وابنتها وأن لا تحاول تزويجها بهذا الرجل؛ وذلك لأن هذا الرجل الذي ترك الصلاة كافر مرتد خارج عن الإسلام، والكافر المرتد الخارج عن الإسلام لا يجوز أن يزوج بمسلمة، مهما كانت الأحوال، حتى لو كان من بني عمها، أو أقاربها الذين يحلون لها أن يتزوج بها، فإنه لا يجوز أن يزوجوا بها ما داموا لا يصلون، فتارك الصلاة كافر بمقتضى دلالة القرآن والسنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم والنظر الصحيح، وقد تكلمنا على ذلك كثيراً في هذا المنبر، وتكلم غيرنا في ذلك أيضاً من أصحاب الفضيلة العلماء؛ ففي كتاب الله يقول الله عز وجل عن المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. فاشترط الله سبحانه وتعالى في كونهم أخوة لنا في الدين ثلاثة شروط: التوبة من الشرك، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة. ومن المعلوم أن المعلق على شرط لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود هذا الشرط فإذا عدم الشرط عدم المشروط ومعلوم أنهم إذا لم يتوبوا من الشرك فليسوا بإخوة لنا في الدين؛ لأن المشرك ليس أخ لنا في الدين وإن كان أخ لنا بالنسب، وإن لم يقيموا الصلاة فليس إخوة لنا في الدين وإن كان إخوة لنا في النسب، وإن لم يؤتوا الزكاة فليس إخوة لنا في الدين وإن كانوا إخوة لنا في النسب؛ هذا مقتضى الآية؛ أي مقتضى مفهومها، ولكن الزكاة خارجة عن هذا المفهوم فيما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلى يوم القيامة صفحت له صفائح من النار، ويحمى عليها في  نار جهنم، فيكوى به جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت نعيدها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يكوى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى جنة وإما إلى نار». وهذا الحديث يدل على أن مانع الزكاة ليس بكافر؛ لأنه لو كان كافراً لم يكن له سبيل إلى الجنة، وعلى هذا فيؤخذ هذا الحكم من الآية بمقتضى دلالة هذا الحديث، ويبقى الحكمان الأولان فيمن بقي على الشرك على ما هم عليه، وأما من السنة فقد ثبت في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جابر رضي الله عنه أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة». وفي حديث أخرجه أحد السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العهد الذي بيننا وبينكم الصلاة؛ فمن تركها فقد كفر». ومن المعلوم أن البينية تقتضي أن يكون ما خرج من كل واحد منفصل عن الآخر؛ فالشرك في جانب وفعل الصلاة في جانب آخر، والكافرون في جانب والمؤمنون في جانب آخر، والفاصل بينهما الصلاة؛ فمن أتى بها فهو من المسلمين المؤمنين، ومن لم يأت بها فهو من الكافرين المشركين، وهذا الشرك وإن لم يكن عبادة لله لكنه شرك في مخالفة أمر الله عز وجل؛ كقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾

وأما أقوال الصحابة رضي الله عنهم فقد صح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. وقال عبد الله بن شفيق وهو من التابعيين: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. وقال بالإجماع على تارك الصلاة إسحاق بن راهويه الإمام المشهور، وأما النظر الصحيح في كفر تارك الصلاة فإن من المعلوم أن الصلاة لم يرد في شيء من الأعمال ما ورد فيها من التقييم فيها والحس عليها فعلاً ووصفاً وعقوبة تاركيها، وكيفية فرضيتها؛ فإن الله تعالى فرض هذه الصلاة بل فرض الصلوات الخمس على نبيه صلى الله عليه وسلم في أعلى مكان وصل إليه البشر، وفي أفضل ليلة  كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرض سبحانه وتعالى بدون واسطة بينه وبين نبيه صلى الله عليه وسلم، وفرض سبحانه وتعالى على عبده خمسين صلاة في اليوم والليلة، حتى منَّ الله بفضله فخففها إلى خمس صلوات بالفعل، وهي خمسون في الميزان، كل هذا يدل على عناية الله بها، وأن لها شأناً ليس لغيرها من العبادات، ولهذا اختصت بأن تاركها كافر كفراً مخرجاً عن الملة، ولا شك أن هذه المسألة  خلافية، فإنما هي العلم من قال: إن تاركها لا يكفر فإن قال: إن تارك الصلاة لا يكفر. ومعلوم أن مرد المؤمنين عند الخلاف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾. ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾. وإذا مددنا هذا الخلاف إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فبين لنا أن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كلاهما يقتضي أن تارك الصلاة كافر كفراً محرجاً عن الملة، وقد ذكرنا أدلة  ذلك، وأما من احتج به من قال عدم التكفير، فإن أدلتها لا تخرج عن واحد من الأقسام الخمسة: إما أن تكون ضعيفة ليس فيها حجة؛ لأن الضعيف ساقط لا يحتج به في إثبات الشيء؛ أي بإفادة الحكم، فكيف يحتج به في معارضة أدلة صريحة صحيحة؟ وإما لا يكون فيه دلالة أصلاً، ولا يمكن أن تدل على أن تارك الصلاة كافر لا من قريب ولا من بعيد، وإن كانت هي صحيحة السند، لكن الاستدلال بها ساقط؛ لعدم دلالتها على المعارضة، وإما أن تكون مقيدة بحال يعذر فيها من ترك الصلاة؛ كما في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوم اندرس الإسلام عندهم، حتى لم يدركوا منه إلا لا إله إلا الله، فهؤلاء معذورون؛ لأنهم لم يعرفوا شيئاً عن أحكام الإسلام، فإذا ماتوا على قول: لا إله إلا الله مع إسلام قلوبهم لله وظواهرهم لما علموا من دين الله، فإن هؤلاء لا يحكم بكفرهم، بل هم مؤمنون، لكن هذا هو غاية المقتولين قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾. وإما أن تكون الأدلة التي يستدلون بها مقيدة بوصف يمتنع منه غاية الامتناع أن يدع الإنسان الصلوات الخمس كحديث عتبان بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله حرم على النار من قال: لا إله الله. يتقي بها وجه الله». ومن المعلوم أن هذا الحديث ليس على الإطلاق؛ لأننا لو أخذناه على إطلاقه لقلنا: إن كل إنسان عاص مهما بلغت معصيته حرمنا عليه النار لا يمكن أن يدخلها، إذا كان يقول: لا إله إلا الله. يبتغي بها ذلك وجه الله، وهذا لا يقول به أحد؛ لأنه ما من إنسان عاصٍ إلا وقد استحق دخول النار بمعصيته، التي عوقب عليها بدخول النار، لكن إذا لم يكن كافراً كفراً مخرجاً عن الملة، فإنه يخرج من النار بالأسباب التي جعلها الله تعالى سبباً في خروجه من النار، وإذا كان هذا حديث ليس على إطلاقه، فإنا نقول: إن وصفه بقوله: يبتغي بذلك وجه الله. يمنع أن يجعل الصلوات الخمس؛ لأن كل إنسان يقول: لا إله إلا الله. يبتغي بها وجه الله، لا يمكنه أبداً أن يدع الصلوات الخمس؛ لأن مبتغي الشيء لا بد أن يطلبه، ومن المعلوم أن الطريق الموصل إلى الله من أهمه سلوك هذا الطريق؛ وهو إقامة الصلاة، وعلى هذا فليس في هذا حديث دليل على ما ذهبوا إليه؛ لأنه لا يصح الاستدلال به طرداً ولا عكساً، القسم الخامس: أن تكون الأحاديث عامة، فتخصص بالأحاديث الدالة على كفر تارك الصلاة، القول الراجح الذي لا يخفي على من تأمل الأدلة مجرِّداً نفسه عن أي اعتقاد سابق، هو أن ترك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة، وإن كان يعتقد أنها واجبة، وبناء على ما ذكرناه هنا، وما ذكرناه سابقاً، فإنه لا يجوز أن يزوج شخص لا يصلي بامرأة مسلمة، وما أيسر الأمر لهذا الرجل أن يوفق فيتوب إلى الله، ويتخلص من كفره بإقامة الصلاة، ثم حينئذٍ نزوجه، ونقول: إذا أتانا من نرضى دينه وخلقه زوجانه كما أمرنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقي في الأمر أن نقول لهؤلاء الإخوة: لا تزوجوا هذا الرجل بأختكم؛ فإن ذلك حرام عليكم، ولو عقدتم النكاح له فإن النكاح باطل لا يصح؛ لقول الله تعالى في المؤمنات المهاجرات: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ حتى وإن غضبت الأم في عدم التزويج، فإنكم إنما أغضبتموها لرضا الله عز وجل، ورضا الله مقدم على رضا غيره، فإن من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله من مئونة الناس، وجعل سخطهم رضا، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس، وإني أقول لهؤلاء الإخوة، بل ولغيرهم أيضاً من المستمعين: إنه لا تجوز طاعة الوالد ولا غير الوالد في معصية الله أبداً.

بارك الله فيكم فضيلة الشيخ بقي للمستمع ع. أ. سؤال سوف نستأنفه في حلقة قادمة بإذن الله تعالى نظراً لانتهاء حلقة هذا الأسبوع شكراً لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين على تفضله.