السؤال:
المستمع عبد الله أحمد، يقول: في كلمة الإخلاص شروط وأركان، فإذا لم يأت بها المسلم كاملاً، فهل قد يكون أدى حقيقتها؟
الجواب:
الشيخ: الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين كلمة الإخلاص هي قول: لا إله إلا الله. ولا يكفي أن يقولها الإنسان بلسانه؛ لأن المنافقين يقولون ذلك بألسنتهم كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾. ولكن لا بد من أن يكون الإنسان معتقداً بمعناها في قلبه، مؤمناً به، قائماًَ بما ترتضيه هذه الكلمة العظيمة، وهو التعبد لله وحده لا شريك له، بحيث لا يشرك معه في عبادته ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً، ولا سلطاناً حاكماً، ولا غير ذلك من مخلوقات الله عز وجل، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. ولهذا جاءت الشريعة الإسلامية بالتكفير في أمور تقع ممن قال: لا إله إلا الله. مثل تارك الصلاة؛ فإن من ترك الصلاة كسلاً وتهاوناً يكفر، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، وكلام الصحابة رضي الله عنهم، والمعنى الصحيح بل والنظر الصحيح، وهذه مناسبة لما وعدنا به سابقاً من أننا سنتكلم بإسهاب عن حكم تارك الصلاة؛ حيث بَيَّنَّا فيما سبق كفر تارك الصلاة تهاوناً وكسلاً، وذلك مقتضى دلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والنظر الصحيح، وأن ما خالف ذلك لا يخلو من أمور خمسة؛ إما ألا يكون فيه دلالة أصلاً، وإما أن يكون وقع من قوم معذورين بجهلهم، وإما أن يكون مقيد بقيد يمتنع معه أن يترك الصلاة، وإما أن يكون ضعيفاً، وإما أن يكون عاماً؛ لكنه مخصوصاً بأدلة تكفير تارك الصلاة، وبينا أيضاً فيما سبق بأن المراد بترك الصلاة تركها بالكلية كلياً، وأما من كان يصلي ويخلي، أي أنه يصلي أحياناً ويدع أحياناً، فإنه لا يكفر، نحن الآن نسوق ما تيسر لنا من الأدلة الدالة على كفر تارك الصلاة؛ فمن ذلك قوله تبارك وتعالى عن المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾. فإن هذه الآية الكريمة شرطت لثبوت الأخوة في الدين من المشركين ثلاثة شروط: الشرط الأول أن يتوبوا من الشرك، والشرط الثاني أن يقيموا الصلاة، والشرط الثالث أن يؤتوا الزكاة، ومن المعلوم إنما رتب على شرط فإنه يتخلف بتخلف هذا الشرط، فإذا لم يتوبوا ولم يقيموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة فليسوا إخواناً لنا في الدين، ولا تنتفي الأخوة الدينية إلا بكفر مخرج عن الإيمان، أما مجرد المعاصي وإن عظمت إذا لم تصل إلى حد الكفر؛ فإنها لا تخرج الإنسان من الإيمان، ودليل أن المعاصي لا تخرج من الإيمان وإن عظمت قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. فجعل الله القاتل والمقتول أخوين، مع أن القاتل أتى ذنباً عظيماً توعد الله عليه بوعيد شديد في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ۞إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾. فأطلق الله الأخوة بين الطائفتين المقتتلتين وبين الطائفة المصلحة بينهما، مع أن قتال المؤمن من أعظم الذنوب، فإذا تبين أن الأخوة الإيمانية لا تنتفي بكبائر الذنوب التي دون الكفر؛ فإن انتفاءها يدل على أن من حصل منه ما يوجب هذا الانتفاء دليل على أنه كافر، فإن قال قائل: ما تقولون فيمن تاب من الشرك وأقام الصلاة ولم يؤتِ الزكاة، أتكفرونه كما تقتضيه الآية، أم لا تكفرونه؟ قلنا: لا نكفره؛ لأن لدينا منطوقاً يدل على أنه ليس بكافر، والمنطوق عند العلماء مقدر على المفهوم، هذا المنطوق ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من النار، ويحمى عليها في نار جهنم، فيكوى به جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؛ حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار». فإن هذا الحديث يدل على أن من لم يؤد الزكاة لا يكفر؛ لأن قوله: «يرى سبيله إما إلى النار أو الجنة». دليل على أنه قد يدخل الجنة، ولا يمكن أن يدخل الجنة مع كفره، وعلى هذا فيبقى القيد في التوبة من الشرك وإقام الصلاة قيداً معتبراً، لا معارض له، بخلاف قوله: وأتوا الزكاة؛ فإن مفهومه عورض بمنطوق الحديث الذي ذكرتُ، فحينئذٍ لا يكون تارك الزكاة والبخل بها مكفر مخرج عن الإسلام، على أن من العلماء من قال: إن تارك الزكاة الذي لا يؤديها كافر. وهو الوارد عن الإمام أحمد بن حنبل، ولكن الذي تقتضيه الأدلة فإنه لا يكفر، ونحن بحول الله لا نعدو ما دلت الأدلة عليه سلباً ولا إيجاباً، وأما دلالة السنة على كفر تارك الصلاة فيما رواه جابر عن مسلم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة». فجعل ترك الصلاة هو الحد الفاصل بين الكفر وبين الإيمان، أو بين الشرك وبين الإيمان، ومن المعلوم أن الحد فاصل بين محدودين لا يدخل أحدهما على الآخر، ويدل على هذا لفظ الحديث: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة». فقال: «والكفر». ولم يقل صلى الله عليه وسلم: ترك الصلاة كفر. حتى يحمل على الكفر دون كفر، ولكنه عرفه بأل الدالة على حقيقة الكفر، وقد أشار إلى هذا الفرق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه الصراط المستقيم، أما الحديث الثاني: فهو ما رواه أهل السنن عن بريدة بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر». فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الحد الفاصل بين المسلمين والكفار هو الصلاة، ومن المعلوم أن الحد يخرج كل محدود عن دخوله في الآخر، أما كلام الصحابة رضي الله عنهم فقد حكى إجماعهم على كفر تارك الصلاة عبد الله بن شقيق رحمه الله، وهو تابعي مشهور، قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. وقد حكى إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة إسحاق بن راهويه الإمام المشهور، وحكاه غيره أيضاً، وأما النظر الصحيح الذي يقتضي أن تارك الصلاة كافر كفر أكبر مخرج عن الملة؛ فإنه لا يمكن لمؤمن بل لا يمكن لمن في قلبه أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان أن يعلم شأن الصلاة وعظمها ومنزلتها عند الله عز وجل، ثم يحافظ على تركها، هذا من المحال أن يكون في قلبه شيء من الإيمان، وعلى هذا نقول: إن من كان في قلبه أدنى مثقال حبة من إيمان لا يمكن أن يترك الصلاة تركاً مطلقاً، وهو يعلم ما لها من المنزلة العظيمة في دين الإسلام، وأن الأدلة التي استدل بها من قال: إنه لا يكفر. فقد أشرنا في الحلقة السابقة إلى أنها لا تخلو من واحدة من خمسة أمور؛ كما تصدرنا ذلك في كلامنا هذا، وإذا تبين قيام الدليل السالم المعارض، بل وإذا تبين قيام الدليل السالم عن المعارض المقاوم؛ فإنه يجب الأخذ بمقتضاه، وإنما حين نحكم بالأدلة على كفره لم يتجاوز ولما لم نتعد لأن الحكم بالتكفير أو عدم التكفير إلى الله عز وجل، كما أن الحكم بالتحليل والتحريم والإيجاب والاستحباب إلى الله عز وجل، ولا لوم على الإنسان إذا أخذ بما تقتضيه الأدلة من أي حكم من الأحكام، وعلى كل مؤمن أن يأخذ بما تقتضيه الأدلة من أي وصف كان، ولأي موصوف كان، وألا يجعل النزاع سبباً موجباً للتخلي عن مدلول الكتاب والسنة وغيرهما من الأدلة؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾. فإن قال قائل: إذا قلت بتكفير تارك الصلاة، حصل في ذلك ارتباك وتشويش وتكفير لكثير من الناس. فالجواب عن ذلك أن نقول: إنما إذا قلنا بمقتضى الأدلة الشرعية؛ فإنه لن يكون من جراء ذلك إلا ما فيه خير والصلاح؛ لأن الناس إذا علموا أن ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة وردة كبرى؛ فإنهم لن يتجرءوا على ترك الصلاة؛ بل سيكون ذلك حافزاً لهم على القيام بها على الوجه المطلوب منهم، ولكننا إذا قلنا: إنه ليس بكفر، وإنما هو فسق؛ فإنهم يتهاونون بها أكثر مما قلنا لهم ذلك: إنه كفر. ونحن لا نقول: إنه كفر. من أجل أن نحث الناس على فعل الصلاة، ولكن نقول: إنه كفر. من أجل دلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة على ذلك، وما قول هذا القائل الذي يقول: إنك إذا حكمت بكفر تارك الصلاة فإنك بهذا توقع ارتباك وتذبذب، وأن تخرج كثير من الناس عن الملة الإسلامية. أقول: ما قول هذا القائل إلا كقول من قال: إنك إذا قطعت يد السارق أصبح نصف الشعب مقطوعاً. لأننا نقول لهذا إنك إذا قطعت يد السارق سوف يقلُّ السراق قلة كبيرة؛ لأن السارق إذا علم أن يده ستقطع فإنه لن يقدم على السرقة، وما مثل هذا وهذا إلا كمثل من يقول: إنك إذا قتلت القاتل المستحق للقتل قصاصاً إنك تضيف إلى القتل الأول قتل رجل آخر، وهذا يضاعف عدد المقتولين. فإننا نقول: إن هذه القولة قولة باطلة أبطلها الله في قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فإن القاتل إذا علم أنه إذا قتل عمداً سوف يقتل؛ لن يقدم على القتل، فحينئذٍ يقل القتل عمداً وعدواناً، والمهم كل المهم أنه يجب على الإنسان العالم المتقي لله عز وجل أن يكون متمشياً مع الدليل حيثما كان، إيجاباً وسلباً، وإصلاح الحال على الرب عز وجل، الذي شرع هذا الذي أقدم عليه المفتي والحاكم، والله عز وجل لم يشرع لعباده إلا ما فيه صلاحهم وسعادتهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة، لا يمكن أبداً أن يشرع لعباده بما فيه مفسدة راجحة على مصلحته، كما قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾. وأنت إذا حكمت الناس بمقتضى شريعة الله لا بمقتضى واقعهم؛ فإن الواقع سوف يتغير حتى يتحول إلى مراد الله عز وجل في عباده فيما شرع لهم.
السؤال:
في كلمة الإخلاص شروط وأركان، فإذا لم يأت بها المسلم كاملاً، فهل يكون قد أدى حقيقتها؟
الجواب:
الشيخ: قلنا: إنه لا يؤدي حقيقتها إذا لم يأت بشروطها وأركانها اللازمة، فإنه ليس المراد كلمة الإخلاص وهي: لا إله إلا الله، أن يقولها بلسانه؛ بل لا بد أن يقولها بلسانه معتقداً مُثُلَها بقلبه، قائماً بما تقتضيه من واجبات ومن شروط وأركان.





